على الرغم من أن النظام السياسي القائم بتركيا منذ بدأ نظام التعددية الحزبية عام 1946م يسير على وتيرة الأنظمة البرلمانية والحكومة المسئولة أمام المجلس النيابي، وعلى كون رئيس الدولة يحمل الصفة الحيادية بعيدًا عن الأحزاب السياسية بصلاحياتٍ ومهام شكلية.

 

إلا أن الاطلاع على مواد الدستور القائم والمقنن عام 1992م وقت الحكومة العسكرية الانتقالية برئاسة الفريق كنعان إيفرن قائد الانقلاب العسكري عام 1980م تبين أن مهام وصلاحيات رئيس تركيا ليست محدودة بأي حالٍ كما يعتقد، ولعل هذه الصلاحيات الواسعة والمتناقضة في نفس الوقت مع روح النظام الديمقراطي البرلماني المستند لإرادة شعبية حرة تأتي بالحكومات عبر انتخاباتٍ نزيهة وشفافة بنسبة كبيرة جدًّا قياسًا على ما يدور في بعض دول منطقة الشرق الأوسط، لعلها تقف وراء الجدل غير المنتهي بين التيار العلماني اللاديني الذي يتزعمه الحزب الجمهوري CHP برئاسة دنيز بايقال والمدعوم خارجيًّا- خصوصًا أمريكا و"إسرائيل"- وبين التيار المحافظ الديمقراطي الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية AKP؛ حيث يصرُّ العلمانيون اللادينيون على أن يكون رئيسُ الدولة شخصًا غير ملتزمٍ بالإسلام ولا ملتزمًا بقواعده أو ميالاً لفكره السياسي في الدولة والحكم، وأن لا يكون قادمًا من عائلةٍ ملتزمةٍ إسلاميًّا ولا ترتدي زوجته أو بناته الحجاب الإسلامي، ويطالب هذا الفريق أن يكون الرئيس أتاتوركيًّا متغرِّبًا حتى النخاع.

 

بينما يرى التيار المحافظ (الإسلامي ضمنًا) ضرورة أن يكون رئيس الدولة أو رئيس البرلمان وكذا رئيس الحكومة شخصًا وقورًا بعيدًا عن الشبهات ملتزمًا دينيًّا وأخلاقيًّا محترمًا للعادات والتقاليد والأخلاق الشعبية، متفاهمًا مع الحكومة والمجلس وليس الوقوف لهما بموقف العداء والصدام، كما حدث طوال فترة الرئيس قيصر.

 

وقد أعرب أردوغان عن هذا التوجه بقوله: "فليكن رئيس الدولة متدينًا"، واستخدم هذا التعبير في ميادين الحملة الانتخابية الأخيرة للشكوى للجماهير من إسقاط المحكمة الدستورية في مايو الماضي انتخاب عبد الله جول رئيسًا من المجلس السابق بحجة عدم توفر نصاب ثلثي عدد أعضاء المجلس في جلسة الانتخاب أي 367 عضوًا.

 

هذا الصراع السياسي المحتدم بتركيا بين التيارين منذ مايو 2006م وحتى هذه اللحظة قد يُحسَم لصالح عبد الله جول مرشح الرئاسة عن العدالة والتنمية في الأيام القليلة القادمة، ولكن المؤشرات الموجودة على أرضية الواقع التركي لا تشير إلى أن الصراع بين الفريقين سينتهي بجلوس جول المتديّن على مقعد أتاتورك.

 

انتخاب جول لن يغلق الصراع

ذلك أن القرارات التي اتخذها الحزب الجمهوري ممثل المعارضة البرلمانية فور ترشح جول، مجددًا من حيث عدم المشاركة في الاحتفالات التي سيقيمها رئيس الدولة أو المشاركة في زياراته للدول الأجنبية أو الزيارات التي ستقوم بها الحكومة للخارج ورفض اللقاء مع عبد الله جول في جولاته على مؤسسات المجتمع المدني لطلب الدعم المعنوي، وكذا نقل الجيش الاحتفال الرسمي بيوم النصر 30 أغسطس من نادي الضباط إلى مقر رئاسة الأركان العامة للجيش على غير العادة المتبعة منذ عام 1983م لمنع زوجات رئيس الدولة ورئيس الحكومة والوزراء وأعضاء البرلمان المحجبات من المشاركة في هذا الاحتفال الرسمي بحجة عدم توافق الحجاب مع قانون القيافة والملابس الصادر عام 1934م وقت حكومة أتاتورك (توفي 1938م) وربما قرارات ومواقف أخرى تأتي تباعًا.. كلها تُوضِّح أن الصراع لم ينتهِ بين التشدد والاعتدال بتركيا، بل أمر انتخاب الرئيس ليس أكثر من حلقةٍ من هذا الصراع رغم الاحتكام الظاهري لصندوق الانتخاب عند اشتعال الخلاف.

 

تشدد يقود نحو الهاوية

هذا التشدد الذي يتزعمه الحزب الجمهوري المعبر عن يسار الوسط الاجتماعي- هكذا يصف الحزب نفسه ويشارك في اجتماعات الاشتراكية الدولية- بمنطق أنه الوريث لمبادئ أتاتورك والمدافع عن شكل الجمهورية العلمانية اللادينية، والذي لم يجد الدعم من الكتل الشعبية.

 

وظهرت دلائله بقوةٍ في حصول العدالة والتنمية على 47% مؤخرًا من مجمل الأصوات الانتخابية وهي المرة الثانية- المرة الأولى كانت للحزب الديمقراطي عام 1950م بزعامة الراحل عدنان مندريس- بتاريخ تركيا الذي يحصل حزب محافظ على هذه الأغلبية الساحقة في وجه الحزب الجمهوري وفي وجه التشدد العلماني، هذا التشدد أودى به إلى حدوث انشقاقات عنيفة- أمهلت قواعد للحزب يقودها مصطفى صاري جول رئيس بلدية حي شيشلي بإستانبول دنيز بايقال رئيس الحزب فترة زمنية حتى يوم 9 سبتمبر 2007م