بدأ رئيس الوزراء العراقي جواد المالكي مؤخرًا بعض "الألعاب السياسية" الداخلية والخارجية على المستوى الإقليمي في محاولةٍ تبدو فاشلةً لاستيعاب مشكلات بلاده الأمنية والسياسية والاقتصادية، ومرد هذا التنبؤ بفشل تحركات المالكي الأخيرة هو- مبدئيًّا- تغافل رئيس الحكومة العراقية عن الأسباب الرئيسية للمشكلات التي تعانيها بلاده، والتفاته إلى قضايا فرعية وجبهاتٍ لا علاقةَ لها بما يجري في بلاده.
فالمالكي استغل؛ وبشكلٍ سيئٍ احتجاجات شركاء الحكم في الحكومة والبرلمان من العرب السُّنة ممثلين في جبهة التوافق العراقية المكونة من ثلاثةِ أركانٍ أساسية، وهي: الحزب الإسلامي ومؤتمر أهل السُّنة وجبهة الحوار الوطني على الأوضاع الأمنية والسياسات العامة للنظام الجديد في العراق والتي تستهدف بالأساس تحجيم وجود العرب السُّنة.
وعلى ذلك وفور إعلان الجبهة انسحابها من الحكومة جرى تشكيل تحالفٍ سياسيٍّ جديدٍ في العراق، ولعل الدلالة الأهم في هذا التحالُف ليس في سرعة تشكيله أو في تجاهله للقوى العربية السنية فحسب، بل تنبع دلالاته السيئة من أمرَيْن؛ أولهما تجاهل الحكومة العراقية لأيِّ فرصٍ للحوار مع جبهة التوافق، أو محاولة إقناع العرب السُّنة بالعدولِ عن موقفهم في صدد الانسحاب من الحياة السياسية العراقية بخلاف ما جرى مع التيار الصدري الشيعي عندما تبنَّى مواقف مماثلة في الفترة الأخيرة، وبدا وكأنَّ كافة الضغوط التي تعرَّضت لها جبهة التوافق كانت مُدبرةً لحملها على اتخاذ هذا الموقف لإخلاء الساحة لأطرافٍ بعينها في العراق.
الأمر الثاني ينبع من هذا الأمر؛ فأطراف التحالف السياسي الجديد في العراق منتخبة بدقةٍ شديدة، وتحركات المالكي تلافت تمامًا في خطابها السياسي الأخير بعض التيارات الشيعية العراقية التي تتبنى مواقفَ معتدلةً أو ذات طابعٍ وطنيٍّ وليس طائفيًّا.
ومن خلال ملاحظة طبيعة التحالف السياسي الجديد الذي نشأ في العراق سيجد المراقبون أنَّ أطرافه هي أطراف ذات طبيعة واحدة سواءً في أجندتها أو في طبيعتها؛ فالمجلس الإسلامي الأعلى في العراق وحزب الدعوة الشيعيَّان والاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني الكرديَّان هي الأطراف التي أيَّدَتْ الغزو الأمريكي- البريطاني للعراق، ولها كذلك مشروعات إقليمية واضحة في العراق، وهي مشروعات إمَّا ذات طابع طائفي كما بالنسبة للشيعة في جنوب العراق، أو ذات طابع قومي كما بالنسبة للأكراد في شمال البلاد، وكلاهما غنيٌّ بالنفط.
ولذلك يلاحظ مثلاً أنَّ هذه الأطراف فقط هي التي تقف في العراق وراء الدفع نحو إقرار مشروعَيْ قانونَيْن شديدي الأهمية؛ الأول الخاص باقتسام الثروة النفطية في البلاد بما يحقق مرامي شيعة الجنوب وأكراد الشمال، والثاني الخاص بالفيدرالية والانتخابات المحلية في العراق لتكريس الحكم الذاتي والسيطرة شبه الكاملة للشيعة على الجنوب وللأكراد في مناطقهم شمالاً.
تجاهُل الاحتلال
المالكي وهو يشكِّل تحالفه الجديد بالتعاون مع الرئيس جلال الطالباني تجاهل أصل المشكلة، وهو المتعلِّق بقضية تهميش السُّنة واستهدافهم من جانب ميليشيات الموت الطائفية المدعومة من مؤسسات الدولة الأمنية الرسمية، وعمد إلى محاولة علاج مشكلة انسحاب جبهة التوافق من الحكومة بأسلوبٍ ضخم من المشكلة الرئيسية.
![]() |
|
الاحتلال الأمريكي السبب الرئيسي لمشكلات العراق |
كذلك المالكي وهو يذهب إلى إيران وسوريا ظنًّا منه أنَّ مفاتيح حلَّ المشكلة الأمنية في بلاده يكمن في أيدي طهران ودمشق، وهذا أيضًا قفزٌ فوق الأسباب الرئيسية للمشكلة الأمنية في العراق؛ فالسبب الرئيسي الأول لهذه المشكلة هو وجود قوات الاحتلال الأمريكية في العراق، وهذا
