الهجرة والتهجير أصبحت قصة عراقية ترتقي إلى مستوى المأساة، فهجرة العراقيين إلى خارج العراق أصبحت حديث الساعة، بل أصبحت الشغل الشاغل لدى المجتمع العراقي، حتى بات تهريبُ الناس عبر الحدود صنعةً تدِرُّ الملايين على مافيا متخصصة، تتقن هذا الفن، ولها ارتباطاتها الخارجية والداخلية.

 

ومن يقرأ الأرقام التي تعلنها المؤسسات الدولية يدرك- بلا أدنى شك- أن المجتمع ينزلق نحو هاوية سحيقة، فقد أعلنت الأمم المتحدة أن العنف في العراق أدى إلى أكبرِ موجةِ نزوحٍ في الشرق الأوسط، منذ إنشاء ما يسمَّى بـ"إسرائيل" عام 1948م؛ حيث نزح واحد من كل ثمانية أشخاص خارج العراق، في حين نزح 1.7 مليون شخص داخل العراق من مكان إلى آخر.

 

والسؤال الذي يُطرح هو: هل توقفت موجة النزوح هذه بعد أن شهد العراق مؤخرًا خططًا أمنيةً، وزيادةً في عدد قوات الاحتلال وتصريحات نارية من رجال الحكومة الأشاوس؟! سأترك الجواب للأرقام؛ حيث قال "رون ريدموند"- الناطق باسم مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة-: إن العاملين في مفوضيته، المكلفين بمراقبة الحدود العراقية السورية، ذكروا أن ألفي شخص يجتازونها من العراق يوميًّا، أي بمعدل 40 ألف مهاجر شهريًّا، كما يتصاعد باستمرار عددُ العراقيين الذين ينزحون عن مناطق سكناهم قاصدين أماكن أكثر أمانًا داخل العراق، ويقول "ريدموند": إن عدد هؤلاء يزداد بواقع 50 ألفًا في الشهر تقريبًا.

 

بلد بلا مستقبل

 الصورة غير متاحة

العنف الطائفي هجَّر آلاف العراقيين عن ديارهم

إننا هنا إزاء قضية متعددة الجوانب، متشعِّبة الآثار، فالأمر لا يقتصر على نزوح العقول العراقية، من أطباء وأساتذة جامعات وأكاديميين وحسب، ولا يتعلق بالخلوِّ التدريجي للبلد من الشباب العامل المكافح والدارس الطامح والباني للوطن فقط، بل يتعلق بآثار اجتماعية سيخلِّفها هذا النزوح على بنية المجتمع وتماسك الأسرة.

 

يترك الرجل زوجته وأبناءه وراءه على أمل الوصول إلى أوروبا أرض الأحلام، الأرض التي تدرُّ اللبن والعسل كما تصوّر ذلك مافيا تهريب البشر للشباب، ثم تكون النتيجة أن تتقطَّع السبُل بين هذا الرجل وأسرته، فإما أن تنقطع أخباره كليةً دون معرفة السبب، فتظل الزوجة معلقةً والأولاد يعيشون يُتما مقنعًا، وإما أن يجد الرجل نمطًا جديدًا من الحياة ينسى معه أسرته مكتفيًا بإجازات قصيرة لا تمكِّنه من ممارسة دور الزوج أو الأب خلالها؛ مما يؤدي إلى وقوع الفساد في الأرض.

 

ونقلت إحدى الصحف الكردية قصة زوج عاد من الخارج في إجازة قصيرة، فما كان من الزوجة التي تقطعت أوصال قلبها من ألم الفراق إلا أن مزَّقت جواز سفره في غفلة منه، فلما أراد أن يسافر بحث عن جوازه فلم يجده حتى اكتشف حقيقة الأمر، فبلغ به شيطانُ الغضب من السفاهة أن أقدَم على قتل زوجته لينتهي به الأمر في السجن وبزوجته في القبر، والضحية بين هذا وذاك أطفال احتضنتهم ملاجئ الأيتام.

 

هذه حكاية من عشرات الآلاف من الحكايات التي تتنوَّع وتتعدد وتتكاثر يومًا بعد آخر، لقد خلَّفت الحروب وسنيّ الحصار دمارًا اجتماعيًّا شاملاً لا حدود له، انعكس ذلك تشتتًا في المجتمع العراقي وقطيعةَ رحم، وها هي الهجرة تدخلنا في منزلقٍ جديدٍ ومنعرجٍ خطيرٍ، إنه تمزُّق الأسر وتفتُّت المجتمع وتقطُّع أوصاله.

 

 الصورة غير متاحة