لا زالت التهديدات الصهيونية بتنفيذ اجتياح موسع لقطاع تستحوذ على مسامع الرأي العام العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص، ومع تصاعد مؤشرات العدوان يومًا بعد يوم, أصبح ذلك في نظر الكثير من الفلسطينيين في القطاع المستهدف ذاته "تهديدات جوفاء" و"خيارات عاجزة"، على حدِّ وصفهم؛ حيث يعتبر هؤلاء أنَّ مثل هذه التهديدات تأتي بمثابة تخويف للمواطنين بما يرمي للضغط على فصائل المقاومة؛ كي توقف إطلاق الصواريخ على الأهداف الصهيونية، وتكفَّ عن مقارعة قوات الاحتلال على تخوم قطاع غزة.

 

وطبقًا لتقرير أعده "المركز الفلسطيني للإعلام" فإن المواطنين لم يعيروا أي اهتمام لهذه التهديدات، مع الوضع في الاعتبار أن الحذر مطلوب؛ حيث يؤكد المواطن باسم عطا الله, الذي كان يسير في أحد شوارع مدينة غزة المكتظ بالمتسوقين في شهر رمضان المبارك, أنّ "شعبنا الفلسطيني أثبت على مرَّ السنين أنه عصيٌّ على الكسر, وهو ثابت برغم كل المؤامرات, ورغم الحصار والقصف وإغلاق المعابر وقطع الكهرباء إلا أنه لا زال صامد, ولا يعرف روح الإحباط واليأس".

 

عطا الله الذي اصطحب معه طفله الصغير إلى السوق وكان يرتدي بزةً عسكريةً، ويحمل سلاحًا بلاستيكيًّا ووضع على رأسه عصابةً كتب عليها "كتائب القسام", يقلل من أهمية هذه التهديدات وجدواها بحق الشعب الفلسطيني, قائلاً: "أنا أقول لو أراد اليهود أن يجتاحوا قطاع غزة كان من زمان ما وفَّروا, ولكنهم يتخوفون من المقاومة وضرباتها التي جربوها قبل ذلك"، هنا قاطعه طفله الصغير بابتسامته الطفولية البريئة وقد رفع سلاحه البلاستيكي "أنا بدِّي أطخ اليهود وأفجِّر دباباتهم".

 

مزيد من أهالي قطاع غزة باتوا مقتنعين تمامًا أنَّ هذه التهديدات لا تجدي نفعًا، حتى لو كانت فيها بعض الجدية, وتستذكر المهندسة دينا أنَّ "هذه تهديدات قديمة مستجدة كل حين وآخر، وتؤكد فشل سياسة الاحتلال".

 

وبشأن مدى تأثير هذه التهديدات على نفسيتها أوضحت الفلسطينية "بالتأكيد لا شك أنَّ أي حدث يحدث لا بد أن يتأثر به الإنسان، وهذا أمر طبيعي, لكنَّ الواحد يوكل أمره لله تعالى ويكثر من الدعاء ولا يتمنى ملاقاة العدو".

 

أما الحاجة "أم محمد" فتقول: "أبنائي يعملون في فصائل المقاومة، وأنا أستمد روح العزة والفخر من قوتهم وشجاعتهم وإيمانهم", وتضيف "إنَّ أبنائي- ومن معهم من المقاومين والمجاهدين- ينتظرون ساعة الاجتياح كل دقيقة، وأنا رأيتهم قد استعدوا للاجتياح القادم أفضل استعداد".

 

وعمَّا إذا كانت تخشى من استشهادهم في هذا الاجتياح رفعت الأم الفلسطينية رأسها بكل فخر وعزة، وقالت: "أبنائي ليسوا أفضل من أصدقائهم وأحبابهم الذين سبقوهم للشهادة, وأنا جاهزة أن أقدمهم للغالية فلسطين, ولا أبخل عليها بنفسي كمان"، وفق تأكيدها.

 

وعلى جانب أحد الطرقات وقف العجوز "أبو خالد" كريم, مرتكزًا على عكازه المهترئ, فعندما سألناه إذا كان يخشى تهديدات الاحتلال باجتياح موسع للقطاع؟ فردَّ بابتسامة عريضة امتزجت بنكهة سنين المرارة والألم الذي عاشها "يا بنيَّ، اليهود طول عمرهم بيهددوا بالاجتياح والضرب والحصار, وهم جرَّبوا كل شيء، ورغم ذلك ظل الشعب الفلسطيني صابرًا ومرابطًا, وقدَّم الشهداء والأسرى والجرحى".

 

وأضاف الحاج الفلسطيني وقد استذكر مسلسل العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، قائلاً: "نحن طوال عمرنا واليهود يقتلون أولادنا, ويهدمون بيوتنا, ويشردونا, يعني اليوم إذا أرادوا الاجتياح فماذا سيفعلون أكثر مما فعلوا".

 

وتابع "أبو خالد" قوله: "في النهاية أقول: لو أنهم اجتاحوا أو لم يجتاحوا؛ فإن نهايتهم أن يرجعوا مهزومين مهما قتلوا (من الفلسطينيين), فقتلاهم في النار وشهداؤنا في الجنة".

 

تأثيرات نفسية

وعن التأثيرات النفسية للتهديدات الصهيونية على المواطنين الفلسطينيين أكد الدكتور أنور البرعاوي- المحاضر في قسم الإرشاد بالجامعة الإسلامية بغزة- أن التهديد بالحرب يندرج في إطار الحرب النفسية التي يشنُّها الأعداء تجاه المواطنين الفلسطينيين, ويكون لها تأثير وفقًا لما للناس من عوامل ثقافية ومعرفته معيَّنة, فحينما يتسلح المواطن الفلسطيني بإرادة التوكل على الله ويكون على قناعة بأنَّ الأمر لا يخرج عن إرادة الله سيكون (الفلسطيني) ثابتًا وقويًّا"، مضيفًا أنَّ "تأثير هذه الحرب النفسية سيرتدُّ على صانعيه, فإذا كان المجتمع متحدًا وقويًّا وعلى فكرة واحدة دون أن يكون هناك مرجفون ضعفاء سيكون من الصعب كسر إرادة هذا المجتمع وشوكته".

 

وعن تباين تعامل الجمهور مع مثل هذه الإشاعات من زمن لآخر أكد البرعاوي أنه في الواقع أنَّ المرحلة الأولى للدعايات والإشاعات يكون فيها الإنسان غير ذي خبرة, فيتجه للارتجال في التعامل فتظهر له أنواع وأنماط معينة, أمَّا بعد تكرار مثيلاتها "فإنك تجد الناس يستجدون آليات مختلفة ومتنوعة للتعامل معها".

 

ويشير الأكاديمي الفلسطيني في الوقت ذاته إلى أنَّ المواطنين الفلسطينيين اليوم "ترتفع فيهم روح الإيمان والتحدي, وهو من العوامل التي تشكِّل مصدر قوة ومصدر هزيمة نفسية للاحتلال حينما يرى مثل هذه النفسيات", مضيفًا بأنَّ "الشعب دفع ثمنًا باهظًا وعزيزًا، فأصبحت الأمور لا تفرق معه كثيرًا"، حسب استنتاجه.