بين الحين والآخر، تطفو على سطح الأحداث الأزمة النووية الإيرانية، وكأنها جبل الثلج، حيث تصل حدة الاحتقان ما بين طرفي الأزمة الرئيسيين إيران والإدارة الأمريكية لدرجة يعتقد معها الجميع أن الدولتين مقبلتان على حربٍ فاصلةٍ لا محالة، ثم يُفاجأ الجميع وبعد أخذ ورد أن الأزمة قد هدأت مرةً ثانية، إثر اتخاذ مجموعةٍ من القرارات الرادعة أحيانًا والضاغطة على إيران أحيانًا أخرى، في مقابل صمودٍ قوي من قِبل إيران تجاه تلك القرارات، مثلما حدث مؤخرًا بعد قيام الإدارة الأمريكية بتصعيد الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن وفرض حظرٍ اقتصادي عليها؛ الأمر الذي يُثير العديد من التساؤلات عن مستقبل تلك الأزمة وهل ستستمر على هذا النمط.. ضغط أمريكي ومناورة إيرانية؟، أم ستلجأ الإدارة الأمريكية الحالية خاصةً أنها مقدمة على انتخابات رئاسية قريبة، إلى الحسم العسكري مع إيران؟، أم ستعمد إلى الوصول إلى حلول توافقية مع إيران بخصوص هذه المسألة الشائكة؟

 

خيارات مطروحة

باستقراء الواقع الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى تصريحات الرئيس الأمريكي بوش، سنلحظ أن جميع الخيارات مفتوحة مع إيران، بما في ذلك اللجوء إلى الخيار العسكري، وإن كانت الولايات المتحدة الآن تعتمد نفس السيناريو الذي سبق واعتمدته مع العراق، وهو سيناريو الضغط والحصار؛ وذلك من أجل إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وإجبارها في النهاية على الرضوخ للإرادة الأمريكية التي تطالب بوقف البرنامج النووي الإيراني.

 الصورة غير متاحة

 عناصر من جيش الاحتلال الأمريكي بالعراق

 

فإذا ما نظرنا إلى الواقع الإقليمي، سنجد أن الولايات المتحدة قد بدأت حصار إيران من كل اتجاه بداية من العراق الذي يوجد به أكثر من 100 ألف جندى أمريكي على استعدادٍ للقيام بأي عمليةٍ عسكريةٍ ضد إيران إذا ما طلب منهم ذلك، إذ يبدو من واقع التحركات الأمريكية في العراق الآن، أنها تعده لمواجهة شاملة مع إيران.

 

حيث عمدت الإدارة الأمريكية مؤخرًا، من أجل قطع الطريق على إيران التي تلعب بالورقة الشيعية ضدها في العراق، إلى استهداف الطوائف الشيعية الموالية لإيران في العراق، كم بدأت أيضًا استهداف كل من يثبت ولاءه لإيران في الأراضي العراقية، فضلاً عن قيامها زيادة على ذلك بتأليب الطوائف الشيعية ضد إيران، الأمر الذي قد يكون من شأنه- في حالة نجاحه- أن يفقد إيران أهم أوراق اللعب الخاصة بها في مواجهة الإدارة الأمريكية الراغبة في تدمير القدرات النووية الإيرانية.

 

 محاولات الهيمنة

ومن جهةٍ أخرى تسعى الإدارة الأمريكية جاهدةً للسيطرة على منطقة آسيا الوسطى، لكي تحكم تطويق إيران من جميع الجهات، وتمنع أي امتداد لنفوذها في تلك البقعة الحيوية من العالم، ومن ثَمَّ الحيلولة بين إيران وبين الاستفادة من العمق الإستراتيجي لتلك البقعة في المواجهة المرتقبة بينها وبينهم (أمريكا وإسرائيل).

 

وفي هذا الصدد يؤكد الخبراء أن منطقة آسيا الوسطى تعتبر في طليعة الاهتمامات الأمريكية؛ نظرًا لما تتمتع به من موقع إستراتيجي متميز يمكنها من التحكم في العديد من القوى الصاعدة في العالم وعلى رأسها الصين وروسيا وإيران.

 

كما أنه وعلى الصعيد العربي، تعمل الولايات المتحدة لتهيئة الدول العربية لحربٍ محتملةٍ مع إيران؛ ولذلك فهي تعمل الآن على إحداث أي تقدمٍ على مسار عملية السلام، وذلك في محاولةٍ منها لكسب ود الدول العربية، التي صارت تتشكك في النوايا الأمريكية الخاصة بالسلام في منطقة الشرق الأوسط.

 

ضغوط مستمرة

أما على الصعيد الدولي فقد بدأت الولايات المتحدة سياسة الضغط على حلفاء إيران خاصةً الصين وروسيا، لإجبارهم على عدم تقديم أي مساعدات اقتصادية أو عسكرية لإيران، وقد تمثلت عمليات الضغط الأمريكية على كلٍّ من روسيا والصين في الدرع الصاروخية الأمريكية التي تنوي الإدارة الأمريكية إقامتها في أوروبا الشرقية، وهو ما اعتبرته روسيا بمثابة تهديدٍ مباشرٍ لأمنها القومي، أما بالنسبة للصين فقد بدأت أمريكا التدخل في مناطق النفوذ الصيني، خاصةً تلك الموجودة في أفريقيا؛ وذلك في محاولةٍ منها للسيطرة على غالبية منابع النفط في العالم وإجبار تلك الدول على الرضوخ للإرادة الأمريكية، خاصةً فيما يتعلق بالشأن الإيراني الذي يُمثل أولويةً ملحةً بالنسبة لأمريكا في الوقت الراهن.

 

مخطط واضح

وبالإضافة لما سبق يقوم المخطط الأمريكي كذلك على مجموعةٍ من العناصر الأخرى منها على سبيل المثال: حشد أعضاء مجلس الأمن بهدف تنفيذ قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي طلبت من إيران في فبراير الماضي "إعادة النظر" في بناء مفاعل جديد يفترض أن ينجز بناؤه في 2009م، وسينتج كميةً كبيرةً من البلوتونيوم يمكن أن تستخدم لصنع قنبلة ذرية، فضلاً عن تعليق تخصيب اليورانيوم، وكذلك العمل على تخويف الدول العربية من القدرات النووية الإيرانية بهدف خلق أجواء شعبية مواتية للضربة الأمريكية ضد إيران.

 

بالإضافة إلى إشراك تل أبيب في العدوان على طهران سواء بدعم لوجستي أو أرضي أو كقاعدة انطلاق ضد الأهداف الإيرانية، فضلاً عن التعاون الاستخباري لتوجيه ضربات عنيفة للمفاعل النووي الإيراني ومراكز إنتاج الوقود والطرد المركزي ليصبح لتل أبيب دور عسكري لأول مرة بعدما كانت واشنطن تتولى عنها مهمة حماية أمنها.

 

وقد وضحت بشائر تلك الخطة بقيام الكيان بتوجيه ضربة عسكرية خاطفة لمواقع سورية، بزعم أنها مخابئ نووية، والتصريح من قبل جون بولتون السفير الأمريكي السابق في الأمم المتحدة "بأن الغارة الصهيونية على سورية هي رسالة واضحة إلى إيران تفيد بأن جهودها المستمرة لحيازة أسلحة نووية لن تظل بلا رد".

 الصورة غير متاحة

المفاعل النووي الإيراني

 

كما كشفت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية 7/1/2007م النقاب مؤخرًا عن خطط صهيونية جاهزة لضرب مواقع نووية إيرانية بأسلحة نووية تكتيكية حديثة؛ حيث أشارت الصحيفة إلى وجود تدريبات صهيونية على مجسمات هيكلية استعدادًا لهجومٍ محتملٍ على إيران، فضلاً عن تدريبات أخرى ميدانية لسربين من الطيارين والطائرات "الإسرائيلية" من القاعدة البريطانية في جبل طارق على رحلات الألف ميل المطلوبة للوصول إلى إيران والعودة منها بعد إلقاء حمولتها التدميرية على منشآتها النووية.

 

وحسب تأكيد الخبراء العسكريين فإن الكيان الصهيوني طوَّر بالمشاركة مع الولايات المتحدة أنواعًا جديدةً من القنابل النووية الصغيرة المؤهلة لتدمير مواقع التخصيب الإيراني تحت الأرض، وعلى عمق 30 مترًا من الصخور والأسمنت المسلح، وأن إشعاعات هذه القنابل تظل مقصورةً على المواقع النووية الإيرانية المستهدفة فحسب، ودون تأثيرٍ ما على السكان المدنيين والمنشآت النفطية.

 

وأخيرًا دعوة بعض حلفائها في الغرب وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا لمشاركتها الهجوم المحتمل على إيران، وإعداد المجتمع الدولي لذلك الأمر، خاصةً بعد تضخيم الخطر الإيراني على السلم والأمن الدوليين.

 

وقد وضحت تلك الخطوة بعد دعوة فرنسا المجتمع الدولي للاستعداد لخوض حرب ضد إيران، وتشديد العقوبات ضدها على خلفية برنامجها النووي، حيث صرَّح وزير الخارجية الفرنسي "بأنه ينبغي أن نستعد لأسوأ الاحتمالات والأسوأ هي الحرب"، كما دعا لفرض مزيدٍ من العقوبات على إيران.

 

هجوم مضاد

وبالرغم من جدوى المخطط الأمريكي ونجاحه في إسقاط الأنظمة والحكومات مثلما حدث في العراق، إلا أن الأمر يبدو مختلفًا كثيرًا بالنسبة لإيران؛ حيث إن عامل الوقت الذي يتطلبه تطبيق ذلك السيناريو ليس في صالح الإدارة الأمريكية، بل على العكس تمامًا هو في صالح إيران التي تحتاج إلى الوقت أكثر من أي شيء آخر لاستكمال برنامجها النووي، الذي صار قاب قوسين أو أدنى من الخروج إلى العلن بالرغم من التحديات الخارجية الكثيرة التي تقف في طريقٍ ظهوره.

 

أضف إلى ذلك أن التقديرات الأمريكية السابقة في حروب العراق ولبنان وحتى أفغانستان ثبت فشلها جميعًا وعلى العكس تمامًا أدت هذه الحرب، وضمنها الحرب ضد "الإرهاب" إلى تعظيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وهو ما أكده تقرير للمعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية نشر في 23 أغسطس 2006م؛ حيث أكد أنه "من شبه المؤكد أن إيران هي أبرز المستفيدين من الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط"، وأن نفوذ إيران الجديد في المنطقة سيصعب أكثر وأكثر مهمة التصدي لطهران.

 

كما أن الخطط الأمريكية لحصار إيران ثم عقابها وضربها تأتي في وقت تعاني فيه إدارة بوش من حالة ضعف لم تشهدها منذ توليها، كما أنها تشهد مزيدًا من التقليص لنفوذ اليمينيين المتطرفين لصالح البرجماتيين، هذا بالإضافة إلى أن أوراق اللعب الإيرانية أكبر من الأوراق الأمريكية، وهو ما يصعب المهمة الأمريكية ويجعلها أشبه بالانتحار وإدخال العالم في أتون حرب عالمية مصغرة.

 

نخلص من ذلك إلى أنه بالرغم خطورة قيام الولايات المتحدة على الأقل في الوقت الراهن بتوجيه ضربةٍ عسكريةٍ لإيران، إلا أن ذلك ليس مستبعدًا في المستقبل القريب مع الإصرار الإيراني على الاستمرار في تخصيب اليورانيوم، وتحدي بوش والكيان الصهيوني لذلك، ورغبة بوش الواضحة في إنهاء تلك المسألة قبل انتهاء ولايته الثانية، خاصةً أنه لا يخفى على أحد دعم بوش المطلق للكيان، الأمر الذي يستدعي تدخل جميع دول العالم وخاصة الدول الأوروبية والعربية في تلك الأزمة وإيجاد حل ناجع لها في القريب العاجل، منعًا لحدوث كارثة تطال أضرارها الجميع بما في ذلك أمريكا والكيان الصهيوني.