لإبراز التناقض الشديد بين دعم جبهة المعارضة لمسودة دستور الأمس الأكثر حدةً وبين رفضها مسودة اليوم الأكثر مرونةً نشرت الصحف التركية للرأي العام مسودةَ مشروع الدستور، الذي كان يعدُّ للإصدار قبل 15 سنةً، بدعم جمعية توسياد لرجال الأعمال، وبمشاركة مجموعة من أساتذة الجامعات الذين يعارضون مسودة دستور اليوم، وذلك على هامش استمرار الخلاف بين جبهة الحكومة والأغلبية البرلمانية من ناحية، وجبهة الحزب الجمهوري المعارض ومجلس أعلى التعليم من ناحية أخرى، حول مشروع الدستور المدني الجديد.

 

 الصورة غير متاحة

رجب طيب أردوغان

 كان طيب أردوغان- رئيس الحكومة وزعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم- قد انتقد بشدة طلب مجلس أعلى الجامعات YOK (برئاسة الدكتور أردوغان تزيتش) وقْفَ أعمال لجنة كتابة مسودة الدستور المدني الجديد بقوله: "على كل هيئة أن تنظر وتهتمَّ فقط بشئونها، وإصدار القوانين والتشريعات ليس من اختصاص مجلس الجامعات، ولكن من اختصاص المجلس المتنخب المعبِّر عن إرادة الجماهير".

 

من جهتة قال قوقصال طوبطان- العضو السابق بحزب الطريق القويم ورئيس البرلمان التركي؛ تعليقًا على الجدل المحتدم بين الفريقين-: "لا يجب على أحد الانزعاج من الجدل والنقاش الدائر حول الدستور المنتظر صدوره؛ لأن هذا أمرٌ طبيعيٌّ، وما يجب عمله هو عدم تضخيم الأمور عن وضعها الطبيعي أثناء هذا النقاش، مؤكدًا تأخُّر تركيا في إصدار الدستور المدني، واليوم هناك سعيٌ لتلافي هذا التأخير".

 

التناقض بين الأمس واليوم

الدكتور محمد صاغلام- رئيس لجنة التعليم بالمجلس ووزير التعليم الأسبق (عضو سابق بحزب الطريق القويم)- انتقد مواقف رئيس مجلس أعلى التعليم من الدستور الجديد بقوله: "لا أفهم كيف يمكن مناقشة شيء لم يصدر بعد أن اتضحت أموره حتى الآن ولم يعلن مسودة دستور للرأي العام.. إنهم يناقشون شيئًا مجهولاً"، وأكد عدم مشروعية طلب مجلس أعلى الجامعات وقْف أعمال كتابة مسودة الدستور.

 

وقال الدكتور ظفر أوزقول- رئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية وأستاذ القانون الدستوري- "إن الأساتذة: تزيتش وباطوم ويوزباشي أوغلو، الذين وصفوا مشروع الدستور قبل 15 سنة بدعم جمعية توسياد لرجال الأعمال بالدستور الحر، عادوا اليوم ليتناقضوا مع أنفسهم برفض إصدار دستور جديد ديمقراطي ومدني".

 

الدكتور أرجون أوزبُودون- رئيس لجنة وضع مسودة الدستور الجديد- أعرب عن دهشته من تغيير الدكتور تزيتش رأيه بعد 15 سنة، ورفضه إصدار دستور جديد، بينما كان مشروع الدستور المشارك في كتابة مسودته قبل 15 سنة أكثر حدَّةً في مواده، وذكرت يومية زمان أن المسودة تضمَّنت طلب رفع الإيديولوجيا الكمالية من الدستور لتناقضها مع الدولة الحديثة، وإلغاء عبارة الوطنية الأتاتوركية، وتغيير عبارة "التركية هي لغة الدولة" إلى "التركية هي اللغة الرسمية"، وإلغاء عبارة الارتباط بأتاتورك ومبادئه من اليمين البرلمانية، ولا يجب أن يتضمن الدستور عبارةَ "شكل الدولة هو الجمهوري"، وأن عبارة ومفهوم الدولة القومية لا يتناسب مع الديمقراطية مما هو يسعى إليه اليوم.

 

وأكد أوزبودون عدم وجود مسعى لإخراج أتاتورك من مواد الدستور، كما يدَّعي فريق الدكتور تزيتش، ولكنَّ الحقيقة أننا نؤيد الوطنية التي تمسَّك بها أتاتورك، بينما مسودة دستور تزيتش خلت من الأتاتوركية والوطنية.

 

أما الدكتور لافنت كوكار- الأستاذ بجامعة غازي- فيؤكد "أن لكل شخص الحق في النقاش ولكن في نهاية الأمر القرار الأخير للمجلس التشريعي المنتخَب وعدم إغفال كون حزبي العدالة والتنمية (الحاكم) والحركة الوطنية (المعارض) وَعَدا الناخبين بإصدار دستور جديد بالحملة الانتخابية الأخيرة".

 

ويدعو الدكتور متين هَبَر- من جامعة بيلكنت الخاصة بأنقرة- "إلى ضرورة إصدار دستور جديد أكثر ديمقراطيةً وحريةً من دستور 1982 الذي أتى به العسكر لتعزيز مواقف معينة، واليوم تركيا على أبواب الاتحاد الأوروبي؛ لذا يجب التخلص من كل التضييقات التي أقرها الدستور الحالي".

 

أيادٍ خفية تثير الجدل

محمد يلديريم- رئيس جمعية تومسياد لرجال الأعمال Tumsiad- يوكد أنه لا داعيَ لجرِّ تركيا نحو جدل ونقاش فارغ حول الدستور، ويجب أن يتم النقاش بشكل إيجابي وتحت أرضية سليمة، بعيدًا عن القلق والاضطرابات، وعلَّل سالم أوصلو- رئيس اتحاد عمال نقابات قطاع اللحوم والدواجن والأسماك Hak-Is- معارضة الدستور الجديد بما أسماه بوجود تدخل عبر أيادٍ خفية.

 

ويرى الدكتور محمد ألطان- الأستاذ بجامعة إستانبول- أن الذين خسروا الانتخابات الأخيرة هم الذين يسعَون لخلق معركة حول الدستور بدون داعٍ، ويعلل إسماعيل قهوجي- رئيس شعبة غرفة المحامين بمحافظة مرعش جنوب تركيا- أن مواقف تزيتش ورفاقه السلبية من الدستور المدني توضِّح وجود مصالح لديهم ستتعرَّض للخطر، وأن تزيتش المتخلِّي اليوم عن دفاعه وتمسكه بدستور مدني قبل 15 سنة يقع في تناقض كبير لا يتفق مع كونه أكاديميًّا قانونيًّا، ويبدو أن مدته الوظيفية أوشكت على الانتهاء؛ لذا يسعى لترك شيء ما قبل مغادرته الحياة الوظيفية".

 

تعديلات تخيف العلمانيين

وفي الوقت الذي يتولَّى الدكتور أردوغان تزيتش موقعًا بارزًا في معارضة الدستور الجديد، وبصفة خاصة ما يتعلق منه بحرية الحجاب بالجامعات والتعليم العالي؛ فإنه يقول: "إن معارضته للدستور الجديد لا تتناقض مع الدستور الذي شارك في وضع مسودته قبل 15 سنة؛ لأن الظروف والأحوال بتركيا تغيَّرت عن ما قبل 15 سنة".

 

ويقول الدكتور نجمي يوزباشي أوغلو- من فريق المعارضين-: إن ظروف تركيا تغيَّرت، وهناك فرق بين أوضاع عامَي 91- 1992 وظروف اليوم؛ لأنه لم يعد هناك اضطراباتٌ وأعمالُ إرهابٍ بنفس مستوى تلك السنوات، وقد عدِّلت موادٌّ كثيرةٌ بالدستور نتيجة للمعارضة لها وأن 12 تعديلاً أجريت بالدستور الحالي قربته للتوافق مع اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية، بينما اليوم نحن في مواجهة نقاش حادٍّ حول مفهوم ومعنى العلمانية.

 

 الصورة غير متاحة

د. سهيل باطوم

ويرى الدكتور سهيل باطوم- بجامعة باشا باغجه بإستانبول- أن المواد المتعلقة بمجلس أعلى التعليم وتقليص صلاحياته وتعديل انتخاب المحكمة الدستورية وربطها بالحكومة، هما محل الانتقاد، ولن يكون ممكنًا أن نؤيد قيام الوزراء بتعيين 6 من أعضاء مجلس أعلى التعليم.  


وطبقًا لما أوردته يومية حريت؛ فإن الدكتور طيار ألطى قولاطش (العضو السابق بحزب الوطن الأم)- رئيس اللجنة الدينية البرلمانية السابق ورئيس هيئة شئون الديانة الأسبق والعضو بحزب العدالة والتنمية حاليًّا- طلب من لجنة كتابة مسودة الدستور الحفاظ على روح مواد الدستور، وعدم إغفال كون المادة 24 دستورًا تنص على عدم وجوبية فرض التعليم الديني بالمدارس، وقوله إن درس الأخلاق والمعلومات الدينية تحوَّل بالخطأ إلى دروس دينية إسلامية إجبارية بالمدارس في السنوات الماضية، وأن هناك فرقًا بين التربية والتعليم؛ فالأولى تعني تعويد التلاميذ على تصرفات ومواقف معينة، بينما التعليم يمكن أن يتجه ناحية تدريس الشيوعية والصهيونية أو الليبرالية.

 

وأضاف طيار- وفقًا لما أوردته جريدة حريت-: بإمكان ولي أمر التلميذ أن يطلب تعليم ابنه آيات القرآن الكريم وأداء الصلاة أو الذهاب به إلى الكنيس اليهودي، وهذا يمكن تطبيقه بمدارس الجمهورية.

 

جريدة حريت التي تصطفُّ في فريق معارضي الدستور الجديد قالت يوم 22/9/2007م إن الرئيس التركي عبد الله جول دعا الدكتور أردوغان تزيتش للقاء معه برئاسة الجمهورية خلال هذا الأسبوع؛ في محاولةٍ لإذابةِ ما أسمته بالجليد بينه وبين الحكومة والأغلبية البرلمانية الساعيَيْن لإصدار الدستور الجديد.

 

وقالت يومية ميلليت- المعارِضة أيضًا للدستور ولحكومة العدالة والتنمية-: إن أردوغان تزيتش سيحمل معه عدد 5 كتب تتعلق بالتعليم وتطويره، وتقريرًا آخر يختص بإستيراتيجية جديدة للتعليم العالي، وأنه سيطلب من الرئيس تذكير الحكومة بضرورة التوافق والتضامن الاجتماعي حول الدستور الجديد قبل إصداره.