رغم ما شهدته لبنان في الفترة الماضية من اغتيالات وانقسامات بين الأكثرية والمعارضة، إلا أن هناك ما يشبه الإصرار من قبل الأكثرية على إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها؛ من أجل الحفاظ على أمن واستقرار لبنان، ومنع أي تدخل خارجي في شئونه الداخلية، وذلك في مقابل رفض المعارضة، التي ترى ضرورة اختيار رئيس لا ينتمي لأيٍّ من التيارات السياسية الموجودة على الساحة؛ حتى يستطيع أن يحصل على الدعم اللازم من قبل جميع الأطراف، وهذا ما يرفضه تيار الأكثرية بقيادة سعد الحريري، الذي يصر على اختيار رئيس توافقي من قوى 14 مارس من أجل حماية المحكمة الدولية في جريمة اغتيال والده، وبين هذا وذاك يبقى الشعب اللبناني هو الخاسر الأكبر من السجال الدائر بين الأكثرية والمعارضة.

 

أسباب الأزمة

يُرجِع الخبراء سببَ الانقسام بين الأكثرية والمعارضة فيما يتعلق بتلك الانتخابات إلى عدة أمور، بعضها داخلي والآخر خارجي؛ فعلى الصعيد الداخلي هناك الاختلافات الشديدة في الرؤى والأجندات ما بين ممثلي الأغلبية والمعارضة؛ في الوقت الذي ترى فيه الأغلبية أن سوريا وراء ما يحدث في لبنان من أزمات متتالية، خاصةً تلك المتعلقة بالاغتيالات المتتالية التي شهدتها لبنان في الفترة الأخيرة، بدايةً من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وانتهاءً باغتيال النائب أنطوان غانم؛ الأمر الذي يستدعي الوقوف بحزم أمام أي حضور لها في لبنان.

 

وفي مقابل تلك الرؤية التي تحمِّل سوريا مسئولية ما يحدث في لبنان ترى المعارضة أن الأكثرية اللبنانية تحمل أجندةً غربيةً، وتهدف من وراء كل ذلك إلى القضاء على المقاومة اللبنانية ممثَّلةً في حزب الله من جهة، وتغيير التوازنات الداخلية، ودور لبنان الإقليمي من جهة ثانية، بالاستعانة بالقوى الخارجية التي تمارس الضغط وتُصدر القرارات، وتغيير التوازنات الداخلية يعني من وجهة نظر المعارضة إضعاف القوى المتحالفة مع سوريا.

 

كما اعتبرت المعارضة أن تيار المستقبل يحاول استغلال التعاطف الدولي معها؛ من أجل إحكام سيطرتها على الحكومة والأجهزة الأمنية، بعد تطهيرها من كل الذين كانوا على توافق مع سوريا، وفي هذا الصدد يؤكدون أن كل ما يحصل لا علاقة له بالديمقراطية.

 

وعلى الصعيد الخارجي كان هناك أكثر من طرف يدفع بالأمور إلى حافة الهاوية، وعلى رأس هؤلاء الكيان الصهيوني؛ حيث يلاحظ المتابعون للشئون الصهيونية أن هناك قاعدةً ظلت متبَعةً في التوجهات الرسمية للدولة العبرية بشأن هذه الأزمة، على الرغم من التعقيدات التي تمر بها، وهي عدم إبعاد أنظار الكيان وأصابعه عن الساحة اللبنانية، مع الحفاظ على مسار للتطورات لا يحمل تهديدًا لما تسميه "الأمن القومي الإسرائيلي"، وكتعبير عن ذلك تستمر "حرب الظل" التي تنخرط فيها الاستخبارات الصهيونية، بما في ذلك القيام بعمليات تخريبية، كما تستمر محاولات إقامة الجسور مع قوى لبنانية لإبقاء بعض الخيوط في أيدي الكيان.

 

وقد عكست الخطوط العريضة للموقف الصهيوني المعلن- كما أوضحتها مداولات جلسات الحكومة وتصريحات الوزراء- هذه الرؤية؛ فظهرت مثلاً تعبيرات متكررة من قِبَل المسئولين الصهاينة حول "حرص إسرائيل على إجراء مفاوضات سلام مع لبنان"، ورفض أي تدخُّل أجنبي على أرضه، والدعوة إلى "حماية الديمقراطية"، عبر إضعاف حزب الله، ووقف عملية دعمه من قِبَل سوريا وإيران.

 

 الصورة غير متاحة

نبيه بري

 كما جرى الاتفاق على العمل بمختلف الوسائل- دون ضجَّة إعلامية- على تعزيز قوة السنيورة، وكبْح التدخل الإيراني والسوري، بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي يجب عليها أن تقود المسيرة في هذا المنحى، بالتعاون مع جهات أخرى عربية ودولية، والعمل على فكِّ الارتباط بين حزب الله والقوى المعارضة وعزله عن حلفائه اللبنانيين، وعلى رأسهم ميشيل عون وزعيم حركة "أمل" نبيه بري.

 

ومن جانبها بدأت الولايات المتحدة- حسب ما يؤكده الدكتور طلال العتريسي- تدخلها في الشأن اللبناني عن طريق التشديد على حرية اللبنانيين، وعلى سيادتهم التي استعادوها بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، واعتبروا أن الانتخابات التي ستحصل بعد هذا الانسحاب هي "فرصة ممتازة للبنانيين لكي يبرهنوا أن تقاليدهم الديمقراطية العريقة ما زالت حيَّةً وقويةً".

 

لكنَّ ما جرى فعلاً هو استبدال التدخل السوري في لبنان بتدخل أمريكي فرنسي، وهو ما يعني أن شيئًا "جوهريًّا" لم يتغيَّر على مستوى الديمقراطية المفترضة؛ لأن ما حصل تجاوز الدعوة إلى الديمقراطية إلى ما هو أشدُّ خطورةً؛ حيث شهد لبنان خلال أقل من ستة أشهر (بين الانتخابات  يوليو2005 وديسمبر 2005) جملة تطورات دفعت الظن في اتجاه انسجام ما يحصل مع المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير.

 

فما إن انتهت الانتخابات النيابية حتى بدأ التركيز الأمريكي الفرنسي على تنفيذ كامل بنود القرار 1559، أي نزع سلاح الميليشيات، والمقصود به تحديدًا سلاح حزب الله كمقاومة في الجنوب، ولما كان من المتعذِّر على أي جهة لبنانية أو غير لبنانية القيام بهذا الأمر؛ فقد تراجع البحث بهذه المسألة على مضَض، من دون أن يقفل؛ خشية أن يؤدي استمرار التصعيد بشأنها إلى صدام داخلي لبناني قد يقلب الأمور كلها رأسًا على عقب ويجعلها خارج السيطرة.

 

وهكذا أدَّت التطورات المتلاحقة التي عصفت بلبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير 2005 وخروج القوات السورية منه في الفترة نفسها إلى مزيد من التدخل الخارجي (الأمريكي- الفرنسي) المعلَن من جهة، ومن الأمم المتحدة مباشرةً، من دون أن تتسع مساحة الديمقراطية، ومن دون أن يكون لها أولوية في هذا التدخل المتواصل من أجل "تحقيق السيادة اللبنانية".

 

تداعيات الأزمة
 

انتشار أمني بشوارع بيروت تحسبًا لأي أعمال تخريبية

يرى الخبراء أنه في حالة عدم إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها فإن ذلك سيؤدي إلى:

أولاً: الانقسام الداخلي، وبالتالي عودة مسلسل الاغتيالات مرةً ثانيةً، وقد يصل الأمر لدرجة تهديد الأمن والاستقرار اللبناني الداخلي، بل والخوف من أن يؤدي إصرار الأطراف المختلفة على مواقفها إلى عودة شبح الحرب الأهلية، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفًا، وفي هذه الحالة لن يكون الخاسر الأغلبية أو المعارضة، وإنما الدولة اللبنانية التي قد تخسر وجودها، خاصةً أن ما يحدث فيها الآن ليس بأفضل مما يحدث في العراق.

 

ثانيًا: جعْل لبنان ساحةً للتدخلات الخارجية؛ ففي ظل الانقسام الحادّ ستلجأ الأطراف الخارجية إلي التدخل المباشر في الشأن اللبناني الداخلي؛ من أجل قطع الطريق على الآخرين، وفي مقدمة هؤلاء ستأتي الإدارة الأمريكية بمن يساندها من المجتمع الدولي، وعلى رأس هؤلاء الكيان الصهيوني الذي يعمل جاهدًا من أجل منع النفوذ السوري والإيراني في لبنان، وذلك بعدما ثبت له بالدليل القاطع إثْر حربه الأخيرة مع حزب الله مدى الدعم الذي يحصل عليه الحزب من الدولتين؛ الأمر الذي من شأنه أن يهدِّد أمنه واستقراره الإقليمي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري ترغب الإدارة الأمريكية في حصار إيران، والقضاء على كل أوراق اللعب الخاصة بها؛ وذلك من أجل تمهيد الطريق لتوجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية، على غرار الضربة الصهيونية للمنشآت النووية العراقية.

 

وفي مقابل ذلك لن تترك سوريا وإيران حزب الله والأطراف المؤيّدة له في الداخل اللبناني فريسةً لأمريكا والصهاينة، على أساس أن القضاء على المقاومة اللبنانية في لبنان- ممثلةً في حزب الله- من شأنه أن يضر ضررًا بالغًا بالموقفين السوري والإيراني، على أساس أن لبنان تمثِّل عمقًا إستراتيجيًّا قويًّا لكلٍّ منهما، يمكن الاستفادة منه كثيرًا في حال قامت الولايات المتحدة أو الكيان بتوجيه ضربة عسكرية لإيران.

 

ثالثًا: تعميق الجراح اللبنانية؛ إذ من شأن استمرار الخلافات اللبنانية الداخلية أن تقضي على الاستثمارات الخارجية في لبنان، خاصةً تلك المرتبطة بالسياحة، وذلك بعد ما شاهدناه من عمليات إعادة الإعمار في لبنان، وما شهده من أمن واستقرار إثر الحرب الصهيونية عليه؛ الأمر الذي يحتِّم على الجميع الاتفاق قبل أن يتحول الخلاف إلى حرب.

 

وبالإضافة إلى المخاطر الداخلية التي تمثلها الانقسامات الداخلية هناك مخاطر أخرى خارجية، في مقدمها تأثيرات تلك السلبية على القضية الفلسطينية، وذلك بعد اشتداد الضغوط الخارجية الصهيونية والأمريكية على قطاع غزة من أجل إجبار حكومة حماس على التنازل عن سيطرتها على القطاع، وإعطاء مسئولية ذلك للرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، وذلك عن طريق قطع كل أنواع الدعم المقدمة للحكومة الفلسطينية "المقالة" بقيادة هنية، من قِبَل سوريا وإيران.

 

رابعًا: تهديد السلم والأمن الإقليمي؛ إذ لا يخفى على أحد قيام الولايات المتحدة والكيان بالإعداد لشنِّ هجومٍ خاطف على المنشآت النووية الإيرانية؛ الأمر الذي من شأنه أن يهدِّد ليس فقط إيران، وإنما كل الدول العربية؛ لأنه في حال حدوث ذلك لن تصبح أيٌّ من الدول العربية في منأى عن التدخل الأمريكي المباشر والسافر في شئونها الداخلية، بل وإجبارها على التنسيق والتعاون مع الكيان.

 

مخاطر مستقبلية

يرى الخبراء أيضًا أن حلَّ الأزمة الحالية يبدو معلقًا على الصراع في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة، اللتين تدعم كل منهما فريقًا من الفريقين المتنافسين؛ حيث يؤكد أسامة صفا- المدير العام للمركز اللبناني للدراسات السياسية- أن هناك لعبة شراء وقت من قِبَل الأطراف اللبنانية المختلفة؛ حتى يروا على ماذا سيستقرُّ وضع المنطقة؛ إذ يراهن الجميع على صدمة في المنطقة.

 

 الصورة غير متاحة

حسن نصر الله

 فمن جانبها تتمنَّى المعارضة أن يتم "تركيع الأمريكيين في العراق"؛ حيث يقول حسن نصر الله- أمين عام حزب الله- لفريق الرابع عشر من سبتمبر: إنه "سيكون على حسابكم" في حالة انهزام الولايات المتحدة في حربها مع إيران أو في حالة حصول تسوية، ويضيف أنه إذا ما كان الخيار بين حرب أهلية أو إبقاء الوضع على ما هو عليه فليبقَ الوضع هكذا.

 

أما قوى 14 مارس فتعوِّل على قيام أمريكا والكيان بتوجيه ضربه خاطفة لإيران، تقضي بها على أي دعم إيراني أو سوري للمعارضة اللبنانية؛ الأمر الذي من شأنه أن يقضي على شوكة حزب الله في لبنان، ويتيح لها بسط نفوذها وسيطرتها عليه.

 

وفي نفس السياق يرى نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف أنه لا يوجد حتى الآن أي مسعى "حقيقي" لحل الأزمة اللبنانية، واصفًا الوضع في لبنان بأنه معقَّد جدًّا؛ نتيجةً لمظاهر عدم الثقة بين اللبنانيين، وهذا- حسب رأيه- هو السبب الرئيس لعدم البدء بتحرك حقيقي نحو إيجاد وفاق وطني.

 

 الصورة غير متاحة

البرلمان اللبناني

 كما يرى سلطانوف أن الحوار بين الفرقاء اللبنانيين "يجب أن يتجه نحو البحث عن ذلك المرشح لتولِّي الرئاسة ويكون مقبولاً للمعسكرين المتنازعين"، في إشارة إلى قوى 14 مارس التي تسيطر على الغالبية البرلمانية والحكومية، وتحالف 8 مارس المعارض، الذي يدعم رئيس الجمهورية إميل لحود، وينتمي إليه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، أما الحل الآخر- حسب رأيه- والمتمثل بانتصار أحد الطرفين، فهو حلٌّ وهميٌّ، ولن يساعد في التوصل إلى وفاق حقيقي.

 

وما لم تتجه الطوائف نحو التسويات الداخلية ونحو "الديمقراطية الطوائفية مجددًا فإن الخارج سيزداد نفوذًا وتأثيرًا"، وسيؤدي استمرار التوتر الداخلي بين الطوائف وأوهامها في السيطرة أو الغلبة إلى مبررات إضافية لمزيد من التدخل والوصاية، وسيتحوَّل لبنان إلى ساحة أخرى (بعد الساحة العراقية) من التفتيت ومن الفوضى.

 

نخلص من ذلك إلى أن ما يحدث حاليًّا بلبنان يؤشِّر على مستقبل محفوف بالمخاطر بمنطقة الشرق الأوسط عمومًا وبلبنان خصوصًا، مستقبل تنتهي معه الشعارات البرَّاقة الداعية إلى الحرية وإلى الديمقراطية؛ ولذلك فإنه ما لم تتجه الطوائف نحو التسويات الداخلية ونحو "الديمقراطية الطوائفية مجددًا" فإن الخارج سيزداد نفوذًا وتأثيرًا، وسيؤدي استمرار التوتر الداخلي بين الطوائف وأوهامها في السيطرة أو الغلبة إلى مبررات إضافية لمزيد من التدخل والوصاية، وسيتحوَّل لبنان إلى ساحة أخرى (بعد الساحة العراقية) من التفتيت ومن الفوضى.