أكاذيب لا تنتهي ينشرها الصهاينة كل يوم عن تسهيلات أدخلوها على المعابر بين المدن الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة، إلا أن الواقع الأليم يرسم صورةً مستمرةً لمعاناة الفلسطينيين من جرَّاء مئات الحواجز الصهيونية التي تمارس عليهم كلَّ أنواع الانتهاكات وطرق الإذلال، وحوَّلت مدن الضفة إلى كانتونات معزولة عن بعضها البعض.
وليس أدلَّ على ذلك من أن ما يزيد عن 60 امرأة فلسطينية قد أنجبْن أمام الحواجز الصهيونية خلال احتجازهم، وأن 36 طفلاً تُوفُّوا بعد ولادتهم بسبب عرقلة النساء ومنعهم من الوصول للمستشفيات، على الرغم من قدوم سيارات الإسعاف لنقلهن.
ووفق إحصائيات حقوقية فإن أكثر من 500 حاجز صهيوني ما زالت منتشرةً في الضفة الغربية، ويمكن تقسيم هذه الحواجز إلى قسمين؛ الأول هي الحواجز المتحركة، والتي يُطلِق عيها الفلسطينيون اسم "الحواجز الطيَّارة"، وهذه ليس لها مكان ثابت أو زمن محدد، إلا أنها تزداد بصورة ملحوظة في الأعياد الصهيونية وعند وقوع تصعيد أو ما شابه ذلك.
وأما الصنف الثاني فهي الحواجز الثابتة، والتي غالبًا ما تكون على مداخل المدن والقرى الفلسطينية، وهذه الحواجز مزوَّدة بأجهزة إلكترونية وكلاب مدرَّبة، ومهمتها التفتيش الأمني على الأمتعة والأفراد ووسائل النقل المختلفة، ومن يسميهم الاحتلال الصهيوني بالمطلوبين أمنيًّا، والتنغيص على الفلسطينيين في كل شئون حياتهم.
أهداف الاحتلال
ولا شك أن المؤسسة العسكرية الصهيونية تسعى من خلال هذه الحواجز إلى تذكير الفلسطينيين يوميًّا- وبصورة حية ومباشرة- أنهم ما زالوا تحت الاحتلال، وأن عليهم أن يقبلوا بسياسة الأمر الواقع، وإلا فما تفسير وجود هذا العدد الكبير من الحواجز في الوقت الذي تشهد فيه الضفة الغربية هدوءًا ملحوظًا، خاصةً في ظل الجهود الكبيرة وغير المسبوقة لسلطة عباس في محاربة وقمع فصائل المقاومة الفلسطينية.
كما أن الاحتلال الصهيوني ما زال يتشبَّث بالمقولة البريطانية القديمة "فرِّق تسد"، وبالتالي فإن هذه الحواجز تمزِّق الفلسطينيين، وتضيِّق عليهم الخناق، وتشلُّ حركتهم، وتقطع أوصالهم؛ حيث يؤكد الشاب عادل حسام الدين من مدينة نابلس لـ(إخوان أون لاين) أن هذه الحواجز تجعل الفلسطيني كالعصفور في قفصه يحاول الخروج منه دائمًا لكنه لا يستطيع.
![]() |
|
الشعب الفلسطيني يعاني الويلات على الحواجز الصهيونية |
ويوضح سلهب مقاصد الاحتلال من ذلك، قائلاً: "هم يريدون أن يحطِّموا قدراتنا الاقتصادية، حتى يزرعوا فينا اليأس والإحباط، ويحوِّلونا إلى أدوات مستهلكة نعتمد عليهم في كل شيء، وأكثر من ذلك هم يريدوننا أن نرحل من أرضنا ونتركها لهم، لكنهم حتمًا واهمون".
إذلال متعمَّد
ولا يكتفي جنود الاحتلال بعرقلة المواطنين وتأخيرهم على الحواجز الصهيونية؛ إذ إنهم غالبًا ما يتفنَّنون في إذلال الفلسطينيين وإهانتهم بطرق مختلفة، وهذا ما يوضحه الشاب عادل عندما أشار إلى أن جنود الاحتلال لا يتورَّعون عن إجبار أي مواطن بخلع ملابسه بحجج واهية، كما أنهم يوجهون- باستمرار- الشتائم والإهانات، سواءٌ للرجل أو المرأة أو الشيخ أو حتى الطفل.
ويتابع قائلاً: "جنود الاحتلال يتعاملون معنا وفق أمزجتهم وأهوائهم، وكثير منهم لا يعتبروننا بشَرًا، وتصرفاتهم تكون راجعةً إلى أمزجتهم أو للتسلِّي وتبادل الضحكات، خاصةً أمام المجنَّدات الصهيونيات، أو بدافع الانتقام.. إنهم مجرمون وغير أخلاقيين ولا إنسانيين".
وقد يكون من الأهمية بمكان الإشارة إلى التقرير الذي نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبرية قبل نحو عامين، حين كشفت نتائج استطلاع داخلي أجراه الجيش الصهيوني في صفوف جنوده؛ تبيَّن من خلاله أن جنديًّا واحدًا من بين كل 4 جنود صهاينة صادفوا ممارسات تنكيل وعنف ضد الفلسطينيين عند الحواجز الصهيونية في الضفّة الغربية.
واتضح من الاستطلاع الذي شارك فيه آلاف الجنود بعدما تأكدوا أنَّه لن يُكشَف عن أسمائهم أن 25% من الجنود الصهاينة كانوا جزءًا من عملية تنكيل وعنف، مشاركين أو مشاهدين، أو أنهم سمعوا من زملائهم عن أحداث تضمَّنت أحداث عنف جسدي أو كلامي، أو نيل الرشى أو الإهانات أو تأخير غير مبرَّر للفلسطينيين.
ممارسات إجرامية
الاحتلال يتعمد إغلاق الحواجز بصورة مفاجئة

وتتنوع ممارسات جنود الاحتلال ضد المواطنين على الحواجز العسكرية؛ حيث إن العشرات من الفلسطينيين استُشهدوا بدم بارد من جرَّاء إطلاق النار المباشر عليهم، والمئات من الفلسطينيين تعرَّضوا للاعتقال على هذه الحواجز، هذا عدا حالات الضرب والتأخير المتعمَّد، وإغلاق الحاجز بصورة مفاجئة.
ومن أبشع مظاهر التمييز العنصري على الحواجز الصهيونية أن يصل طول طوابير السيارات العربية ذات لوحات التسجيل الخضراء على الحواجز إلى مئات الأمتار، بينما يتجاوز المغتصبون الصهاينة بسياراتهم ذات اللوحات الصفراء تلك الطوابير ليمروا بسلام دون تأخير.
ويشير محمد ياسين أحد طلبة جامعة النجاح الوطنية إلى أن جنود الاحتلال لا يراعون الظروف الإنسانية؛ ففي فصل الصيف يكتوي المواطن الفلسطيني بحر الشمس اللاهبة، وهو ينتظر دوره على الحاجز، وفي فصل الشتاء يعاني ما يعانيه من جرَّاء الأمطار أو الرياح أو ما شابه ذلك.
إنسانية!!
جنود الاحتلال يتعمدون إذلال الفلسطينيين حتى كبار السن
وبالإضافة إلى كل ما سبق فإن جنود الاحتلال لا يأبهون للحالات الإنسانية الطارئة أو لحرية سيارات الإسعاف، كما نصَّت على ذلك العهود والمواثيق الدولية؛ حيث أكدت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في تقرير أصدرته قبل شهر أن أكثر من 232 انتهاكًا تعرَّضت لها منشآتُها من الاحتلال الصهيوني.

وبيَّنت الجمعية أن من بين هذه الانتهاكات 74 اعتداءً وقع على الحواجز العسكرية الصهيونية المؤدية إلى مدينة القدس المحتلة، منها 41 حادثًا على حاجز قلنديا، و33 حادثًا على حاجز الزعيم، بالإضافة إلى عدة حالات أخرى في مناطق الخليل وقلقيلية ونابلس وأريحا.
وضمن هذا السياق يتحدث المواطن أيمن عودة (33 عامًا) من بلدة دورا قضاء الخليل لـ(إخوان أون لاين) عن معاناته مع جنود الاحتلال على حاجز النفق المؤدي إلى مدينة القدس؛ حيث إنه ورغم حيازته على تصريح لدخول مدينة القدس لكونه يعمل في مستشفى المقاصد؛ إلا أن جنود الاحتلال أوقفوه قبل 3 أسابيع على الحاجز نحو ساعة دون أن يسمحوا له بالمرور، مع أنه أخبرهم أن سيارة الإسعاف تنتظره على الجهة المقابلة.
ويشير عودة إلى أنه كان متوجِّهًا إلى المستشفى في ذلك اليوم ليس من أجل العمل، بل بسبب تدهور حالته الصحية؛ حيث إنه وبعد طول انتظار ورفض جنود الاحتلال الموجودين على الحاجز السماح له بالمرور؛ اضطرَّ إلى التوجه إلى مدينة بيت لحم والطلب من سيارة الإسعاف المقدسية بالتوجه إلى الجهة المقابلة للمعبر ومغادرة النفق لعدم السماح له بالدخول.
وعند المعبر كال له جنود الاحتلال الشتائم والسخرية، رغم كشفه لهم عن سوء حالته الصحية وضرورة تسريع دخوله، لتقلّه سيارة الإسعاف التي تنتظره داخل المعبر إلى مستشفى المقاصد، إلا أنهم ورغم ذلك تعمَّدوا تأخيره واحتجازه مرةً ثانيةً، قبل أن يسمحوا له بعد طول عناء بالمرور عن الحاجز.
مواليد الحواجز
![]() |
|
الفلسطينيات يتعرضن لمضايقات جنود الاحتلال على الحواجز |
وكما أسلفنا في بداية التقرير فإن أكثر من 60 حالة ولادة شهدتها الحواجز الصهيونية خلال انتفاضة الأقصى، ولعل آخرها ما حدث مع المواطنة ميرفت أحمد الشويكي (25 عامًا)، التي وضعت مولودها "رامز" قبل 4 شهور على حاجز صهيوني، أثناء توجهها للولادة في أحد مشافي مدينة القدس.
وتتحدث "ميرفت" عن تلك الساعات العصيبة التي قضتها على الحاجز بانتظار السماح لها بالمرور؛ حيث تصف ذلك اليوم بأنه أسوأ أيام حياتها، وتقول: "لقد تعامل معي جنود الاحتلال على الحاجز بكل برودة أعصاب، ولم تقدِّر المجنَّدة الصهيونية أنني في حالة ولادة، وأخَّروني ما يقارب الساعتين، ولم يسمحوا لي بالمرور إلا بعد أن أصبحت أصرخُ بلا وعيٍ، وبعدما قامت المجنَّدة بتفتيشي بعد خلع ملابسي الخارجية"!.
وعن هذه اللحظات تقول أم رامز: "شعرت أنني على وشك الموت، حتى إنني وصلت إلى المستشفى وأنا في حالة خطرة من شدَّة النزيف؛ لدرجة أن نسبة دمي وصلت إلى 6/10، وكنت خائفةً جدًّا على طفلي، وشكرت الله كثيرًا أن الطفل بقي حيًّا، فقد أخبرني الأطباء أنني لو تأخرت دقائق معدودة لفقدت طفلي، فهل هذه هي القوانين الإنسانية؟!".
تراجيديات الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني لا تنتهي ولن تنتهي إلا بالتخلص منه، وهذا ما يدركه أبناء فلسطين الثابتون في أراضيهم المدافعون عن مقدساتها؛ حتى يأتي اليوم الذي تتحرَّر فيه فلسطين من الاحتلال الصهيوني البغيض.

