يحتفل العالم اليوم بيوم اللاجئ العالمي الذي يمرُّ على الفلسطينيين في كل بقاع العالم؛ لينكأ جرحًا لم يندمل بعد، ويُعيد إلى الأذهان مأساة التشرُّد والمعاناة التي لا يزال يتجرَّع مرارتها ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
وتحلُّ الذكرى وقضية اللاجئين الفلسطينيين لا تزال حاضرةً في الأذهان وحيَّةً في قلوب الفلسطينيين الذين يجدِّدون التشبث بحقهم بالعودة إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجِّروا منها، وعلى الرغم من مرور أكثر من ستين عامًا على مأساته لا يزال الشعب الفلسطيني مصرًّا على التمسك بحقه في العودة إلى أرضه ودياره التي شُرِّد منها، ويرفض بشكل قاطع كلَّ أشكال التوطين والتهجير، ويُثبت بالدليل القاطع وبالممارسة اليومية أن حق العودة حقٌّ فرديٌّ وجماعيٌّ غير قابل للتصرف، ولا تجوز فيه الإنابة، ولا يسقط بتقادم الزمن، ولا يحق لأحد التنازل عنه.
ويعيش الفلسطينيون مأساة التشرُّد وعمليات التهجير منذ العام 1948م؛ حيث أجبروا بقوة السلاح على مغادرة مدنهم وقراهم ومزارعهم ومنازلهم؛ لتغتصب من قِبَل عصابات القتل والإجرام الصهيونية، وعلى الرغم من صدور عشرات القرارات من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة- وعلى رأسها القرار 194 الصادر عام 1949م الذي يؤكِّد حق العودة للاجئين الفلسطينيين- فإن مأساة قضية اللاجئين الفلسطينيين العادلة، وعدم إيجاد حلٍّ عادلٍ، بقيت عالقةً في أروقة الأمم المتحدة.
وجاء بنيامين نتنياهو- وعلى غرار سابقيه من رؤساء حكومات الكيان الصهيوني- ليصبَّ الزيت على النار عبْر خطابه الأخير الذي جدَّد فيه التعبير عن عنصريته، وتطرُّف كيانه وصلفه، والذي أعلن فيه صراحةً رفضَه القاطع لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، بل ذهب إلى حدِّ التهديد بطرد ما تبقَّى من فلسطينيِّي عام 1948 في موقف يشكِّل تنصلاً؛ حتى من أبسط حقوق الإنسان التي تنادي بها الأمم المتحدة.
فقضية اللاجئين على مستوى العالم هي قضية إنسانية؛ لأنها تعكس بؤسًا ومعاناةً لهؤلاء اللاجئين الذين يضطرون لمغادرة بلادهم وأوطانهم لأسباب متعددة، ولكن اللاجئ الفلسطيني يعاني معاناةً خاصةً ومركبةً؛ لأن القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني طردوه عنوةً، تحت تهديد سيف القتل الجماعي والتطهير العرقي والإبادة الشاملة التي مارستها العصابات الصهيونية على الأرض الفلسطينية.
ويشكِّل يوم اللاجئ العالمي الذي أقرَّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2000م تعبيرًا عن أقل ما يمكن أن تقدِّمه شعوب العالم من التضامن والتكافل مع كل لاجئ أو نازح، داخل أو خارج وطنه، وفرصةً لتسليط الضوء على المعاناة المستمرة للاجئين في العالم، والتفكير في محنة اللاجئين وفي حقوقهم، وللتذكير بأن كل يوم يمر على اللاجئ هو يوم عصيب يحرم فيه من أبسط حقوقه الإنسانية في كثير من الأحيان.
5 ملايين لاجئ فلسطيني عبر العالم يحلمون بالعودة

ويشير التقرير السنوي لمفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين إلى أن عدد الأشخاص الذين تمَّ إجبارهم على النزوح؛ بسبب الصراع والاضطهاد في العالم بلغ 42 مليون شخص نهاية العام الماضي؛ بسبب النزاعات التي بلغ عددها أكثر من70 نزاعًا مسلَّحًا، تغطي 52 دولةً، وتمس حياة الملايين وكرامة عيشهم؛ حيث تبيِّن الإحصاءات أن 90% من ضحايا الحروب والنزاعات مدنيون في العالم.
وأفاد التقرير بأن عدد المشردين- مع احتساب اللاجئين وطالبي اللجوء- بلغ 26 مليونًا، فيما بلغ عدد النازحين 16 مليونًا، ومن مجموع هؤلاء الأشخاص تقوم المفوضية برعاية 25 مليون شخص، بينهم 4.7 ملايين من الفلسطينيين، وكان تقرير فلسطيني نُشِر الخميس كشف ارتفاع عدد اللاجئين إلى 4.7 ملايين لاجئ.
وقال الجهاز المركزي للإحصاء- في تقرير حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين وخصائصهم الديمغرافية بمناسبة اليوم العالمي للاجئين-: إن هذا الإحصاء يمثِّل الحد الأدنى لعدد اللاجئين الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة وخارجها.
وحسب التقرير فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجَّلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بلغ مع نهاية عام 2008م ما نسبته 16.3% من سكان الضفة الغربية، و23% من سكان قطاع غزة 46.1% منهم يعيشون داخل مخيمات قطاع غزة، وبلغ عدد الـمخيمات الفلسطينية الرسمية التي تعترف بها وكالة الغوث في الأراضي الفلسطينية والدول العربية 58 مخيمًا، تتوزَّع بواقع 12 في لبنان، و10 في الأردن و9 في سوريا، و27 في الأراضي الفلسطينية، موزعةً بواقع 19 في الضفة الغربية، و8 في قطاع غزة.
عجوز فلسطينية تحمل مفتاح منزلها القديم تشبثًا بحقها في العودة إليه

وذكر "الإحصاء" أن عدة تقديرات رسمية حول أعداد اللاجئين الفلسطينيين صدرت هذه الفترة من مصادر مختلفة؛ منها التقديرات البريطانية والأمريكية والفلسطينية والصهيونية الرسمية، وكذلك تقديرات الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن للأمم الـمتحدة تقديرين؛ الأول يشير إلى أن عدد اللاجئين بلغ نحو 726 ألف لاجئ، والثاني 957 ألف لاجئ، وقال: إن هذا الاختلاف يعود إلى أن التعداد الأول نفِّذ عام 1949م والثاني عام 1950م، بينما قُدِّر عدد اللاجئين- بحسب المصادر الصهيونية الرسمية- بـ520 ألف لاجئ، بفارق 437 ألف لاجئ عن التقدير الثاني للأمم المتحدة.
وتشير سجلات "الأونروا" إلى أن عدد اللاجئين بلغ في نهاية العام 2008 نحو 7.4 ملايين لاجئ، وهذه الأرقام تمثِّل الحد الأدنى لعدد اللاجئين؛ حيث شكَّل اللاجئون المقيمون في الضفة الغربية والمسجَّلون لدى وكالة الغوث مع نهاية العام 2008م ما نسبته 16.3% من إجمالي اللاجئين المسجَّلين لدى وكالة الغوث، منهم 25.3% يعيشون داخل الـمخيمات، كما شكل اللاجئون المسجَّلون لدى وكالة الغوث في قطاع غزة ما نسبته 23% من إجمالي اللاجئين المسجَّلين لديها، منهم 46.1% يعيشون داخل مخيمات القطاع.
أما على مستوى الدول العربية فقد بلغت نسبة اللاجئين المسجلين لدى "الأونروا" في الأردن حوالي 41.8% من إجمالي اللاجئين، منهم 17.3% يعيشون داخل المخيمات، في حين بلغت النسبة في لبنان 9% منهم 52.8% يعيشون داخل الـمخيمات، مقابل 9.9% من اللاجئين المسجَّلين لدى "الأونروا" يعيشون في سوريا، منهم 27.1% يعيشون داخل مخيماتها.
وفي ذكرى هذا اليوم طالبت المنظمة الفلسطينية لحق العودة- المعروفة اختصارًا باسم "ثابت"- الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بأن يلتفتا إلى "معاناة الشعب الفلسطيني في أماكن اللجوء والشتات والمنافي"، وأن يمارسا الضغط على الجانب الصهيوني؛ للقبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هُجِّروا منها بالقوة في العام 1948م.
وقالت المنظمة: "تُعتبر قضية اللاجئين الفلسطينيين أهم مكوِّن من مكوِّنات القضية الفلسطينية؛ لأنها تعالج مسألة الإنسان الفلسطيني الذي لولاه لا قيمة للأرض ولا للدولة"، ورفضت "ثابت" في بيانها ما جاء في خطاب نتنياهو الأخير حول الاعتراف بيهودية الدولة، وإيجاد حلول للاجئين الفلسطينيين خارج حدود دولة الاحتلال؛ "ما يعني شطب حق العودة، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين، والمزيد من التهجير لأكثر من مليون وثلاثمائة ألف فلسطيني يعيشون داخل فلسطين المحتلة عام 1948م".
مسيرة طويلة لا تزال مستمرة

وأوضحت منظمة "ثابت" أن عدد الفلسطينيين قد وصل إلى أكثر من عشرة ملايين نسمة، من بينهم أكثر من ستة ملايين لاجئ، بنسبة تزيد عن 70% (من مجمل الشعب)، ثلثاهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحوالي مليون في لبنان وسوريا، وحوالي مليونين في الأردن، وأكثر من 250 ألف مُهجَّر في الداخل الفلسطيني عام 1948م، والباقون منتشرون عمومًا في الخليج العربي والغرب".
وقد أعادت "ثابت" في بيانها التشديد على "عدد من الحقوق والثوابت الفلسطينية"؛ فقالت: "أثبت التاريخ أن الاحتلال مهما كان شكله فهو حتمًا إلى زوال، والتجارب كثيرة (...)، ومصير الاحتلال الصهيوني لفلسطين لن يكون استثناءً"، كما نبَّهت المنظمة الفلسطينية إلى أن "شطب قضية اللاجئين وحق العودة مطلب أمريكي إسرائيلي، وكل من يُسهِم في إسقاط هذا الحق إنما يخدم الأجندة الأمريكية والصهيونية"، حسب تحذيرها.
وأكدت منظمة "ثابت" أنّ "حق العودة من الحقوق غير القابلة للتصرف، وبهذا لا يحق لأيٍّ كان- دولةً أو سلطةً أو مؤسسةً التفاوضُ أو التنازلُ عنه، كما لا تجوز فيه الإنابة، ولا يسقط بتقادم الزمن، وعدا عن كونه حقًّا فرديًّا فهو يكتسب الصفة الجماعية؛ لأنه يتعلق بقضية شعب بأكمله، ولهذا فهو حق وملك للأجيال اللاحقة".
وشدَّدت المنظمة على أنَّ "الشعب الفلسطيني لم يفوّض أحدًا بالتنازل عن حق العودة، وإنَّ كلَّ اتفاق على إسقاط حق العودة الحق غير القابل للتصرف باطلٌ قانونيًّا ولاغٍ، وسيبقى حبرًا على ورق، إذْ تنص المادة الثانية من معاهدة جنيف الرابعة لعام 1949م على أن أي اتفاق بين القوة المحتلة والشعب المحتل أو ممثليه باطلة قانونًا إذا أسقطت حقوقه".
وأضاف البيان: "يرفض الشعب الفلسطيني كافة أشكال التوطين أو التهجير، والبوصلة أمامه واضحة باتجاه فلسطين، وأنَّ إقامته في دول الشتات إنما هي إقامة مؤقتة بانتظار العودة، وبالتالي يطالب (الشعب الفلسطيني) بالتعويض الملحق بحق العودة، وليس التعويض البديل عن حق العودة"، كما ورد فيه.
وذكَّرت المنظمة بأنَّ "الشعب الفلسطيني وحدة واحدة، لا تتجزأ في أماكن اللجوء والشتات والمنافي، وأنَّ العودة حق لجميع اللاجئين الفلسطينيين، وليست عودة أعداد من هنا أو أعداد من هنالك، كما يجري الترويج الإعلامي أحيانًا، وما هي إلاَّ محاولات لذرِّ الرماد في العيون ليس إلا"، وفق تقديرها.
وفيما يتعلق بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين؛ مضت المنظمة إلى القول: "نتمسك بالوكالة الدولية "الأونروا" كشاهد دولي على جريمة النكبة، ونطالب الدول المانحة بالعمل على الإيفاء بالتزاماتها المالية، فالأونروا وُجدت بسبب النكبة، وبقاؤها مستمر إلى أن تتحقق العودة".