أقل ما يمكن وصف الحياة به في مقديشو أنها حياة مأساوية للغاية؛ حيث تشهد المدينة حربًا عنيفةً، مستمرة معاركها منذ شهرَيْن متتاليَيْن تقريبًا، وتتميز عن المواجهات التي تعودتها العاصمة مقديشو بعدم محدوديتها واتساع رقعتها، وقوة نوعية الأسلحة المستخدمة، والأصعب من ذلك عدم وجود بوادر أمل لإيقافها؛ وذلك بسبب تشدد وتباعد مواقف الأطراف المتصارعة المدعومة خارجيًّا، ويكمن الأمل في انتصار طرف على آخر.
ومما زاد الطين بلة تزامن اندلاع هذه المعارك الجديدة مع موسم هطول الأمطار؛ حيث بات من الصعب جدًّا انتقال النازحين إلى المناطق الأكثر أمنًا، بعد انغلاق أغلب الطرق الرئيسية في العاصمة، وخصوصًا في أحيائها الشمالية، التي تشهد أغلبية المعارك بين قوات حركة شباب المجاهدين والحزب الإسلامي من جهة، وقوات المحاكم الإسلامية والحكومة الصومالية من جهةٍ أخرى؛ الأمر الذي حوَّل حياة المواطن الصومالي إلى جحيم لا يُطاق.
![]() |
|
أوضاع أمنية متدهورة في الصومال بسبب الاقتتال الداخلي |
فمع اعتماد أغلب أهالي العاصمة على التجارة، باستثناء قلة قليلة يعملون في مؤسسات الجمعيات والهيئات الأهلية والدولية العاملة في البلاد، مثل المدارس والجامعات والمستشفيات والملاجئ وأماكن رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة؛ فإن أصوات القنابل والمدفعية الثقيلة المستخدمة في المعارك دورها في غلق أبواب الرزق في وجه هؤلاء.
أما العاملون في حقل الإغاثة، فإن الوضع الأمني في العاصمة وما حولها دفع بعض هذه المنظمات إلى الانسحاب من الصومال، مما تُرِك الموظفون فيها من دون عمل، بينما البعض الآخر بات مستهدفًا من جانب قوات المعارضة المسلحة.
حقائق مأساوية
لاجئون صوماليون يفرون بما حملوه من معونات غذائية باتت نادرة

في مطلع يونيو الحالي أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا كشفت فيه أن الصوماليين الفارين من الحرب والجوع في بلادهم، قد بدأوا يتركون البلد، وغالبيتهم يتوجهون إلى كينيا المجاورة؛ حيث يبلغ متوسط عدد الفارين من الصومال إلى كينيا حوالي سبعة آلاف شخص شهريًّا.
وقال موظفي الأمم المتحدة إن 80 ألف شخص لقوا حتفهم في العامَيْن الأخيرَيْن، بينما نزح مليون صومالي داخل البلاد، ويحتاج ثلاثة ملايين آخرين إلى مساعدات غذائية عاجلة، بينما عبر مئات الألوف الحدود إلى جيبوتي وإثيوبيا وكينيا، كل ذلك بينما يبلغ عدد سكان الصومال حوالي 10 ملايين نسمة.
وقد أنشأت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين مكتبًا لها في داداب بشمال كينيا، ترأسه شخصية دولية محترمة، هي آن كامبيل، ويشرف المكتب على ثلاثة مخيمات رئيسية في داداب، التي تقع على بعد 100 كيلومتر من الحدود بين البلدين، وهي: داجاهالي وإيفو وهاجاديرا، وهذه المخيمات من أولها إلى آخرها عبارة عن مستعمرة بشرية ضخمة، مكونة من الأكواخ والخيام المقامة على أرض رملية.
معسكر داداب بمخيماته تمَّت إقامته في العام 1991م، أي منذ الأشهر الأولى للأزمة الصومالية، وهو مصممٌ ليستضيف 90 ألف لاجئ فقط، بينما يعيش فيه الآن 275 ألفًا، معظمهم من الصوماليين، وتتوقع منظمات الإغاثة أن يستمر هذا العدد في التزايد، وهي تسعى إلى الحصول على مساحة إضافية من الحكومة الكينية.
وزاد من حجم المشكلة الإنسانية للاجئين الصوماليين في الدول المجاورة الأزمة المالية العالمية التي تجتاح العالم، والتي قلصت من مساحة المعونات والمنح الدولية بنسبة حوالي 40%، واشترك ذلك مع ارتفاع سعر الغذاء في زيادة الأوضاع سوءًا؛ مما دفع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إلى التحذير من أن أكثر من ربع مليون صومالي يعيشون في داداب الكينية سوف يواجهون عن قريب مشكلة حادة في نقص الإمدادات.
وداخل الصومال، أرجع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية المعروف باسم (أوتشا) سرعة تدهور الأوضاع الإنسانية في الصومال إلى ثلاثة عوامل؛ تتمثل في الجفاف الشديد، وارتفاع معدلات انعدام الأمن، وازدياد نسب التضخم؛ مما هدَّد بمجاعةٍ حقيقيةٍ، خصوصًا في شمال الصومال.
وأعلن المكتب أن حوالي مائة ألف شخص فرُّوا من العاصمة مقديشو منذ الأول من فبراير وحتى مطلع يونيو الحالي؛ بسبب استمرار عمليات القتال، وأن نحو سبعة وأربعين ألفًا منهم غادروا ديارهم منذ الحادي والعشرين من الشهر الماضي، على إثر المعارك الأخيرة في العاصمة مقديشو، والتي خلفت حوالي 400 قتيلاً، ووصفتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأنها "أسوأ أعمال عنف في العاصمة الصومالية منذ أكثر من 15 عامًا".
أحزان صومالية
![]() |
|
تشييع جنازة أحد ضحايا القتال في مقديشو |
الدكتور عبد الله الشيخ، عميد كلية التربية بجامعة مقديشو قال لـ(إخوان أون لاين): "إن أكثر ما أخافه اليوم هو أن ترتطم سيارتي بالألغام المزروعة في الشوارع، وأن ألتقي بالمواجهات المفاجئة بين القوى المتصارعة، وأنا في طريقي من وإلى العمل، والحقيقة نحن نعمل في وضعية صعبة للغاية، ونسألُ اللهَ السلامة للجميع".
أما بشير عبد الله، وهو من تجار سوق البقارة فيقول: "نخرج في الصباح من المنزل إلى العمل، وندعو الله ألا تصادفنا الأقدار في الطريق مع سيارات المسئولين من الحكومة أو المحاكم الإسلامية الموالية لها، أو العربات المسلحة؛ خوفًا من التفجيرات الخطيرة التي تستهدفهم، والتي غالبًا ما تصيب أبرياء".
وأضاف: "عند الوصول إلى مكان العمل لا بد وأن تطمئن الأهل، وتخبرهم بوصولك إلى مكان العمل، إلا أن قصة الخوف لا تنتهي بذلك، وإنما هناك احتمال بدء القصف على السوق؛ لأن البعض من الأطراف المتصارعة يستهدف عمدًا السوق والأماكن المكتظة بالسكان، ونسأل اللهَ السلامة".
محمد عبد، وهو طالب جامعي فيقول بصوتٍ مهزوزٍ من أثر الخوف: "والله نحن في طريقنا إلى الجامعة تواجهنا مشاكل عديدة، مثل أنْ تحدث اشتباكات في الشارع وتتوقف الحركة، أو تحدث هذه الاشتباكات ونحن في الحرم الجامعي؛ مما يحول دون رجوعنا إلى منزلنا، فنصبح عالقين لساعات طويلة بين المنزل والجامعة في مسافة تقل عن كيلومتر واحد.
وأشار إلى أنَّهم تواجههم العديد من المشكلات عندما يُصاب طالب بجروح؛ حيث يعجزون عن إيصاله إلى المستشفى، بسبب قلة سيارات الإسعاف، وانغلاق الطرق المؤدية إليها "شأننا شأن الطلاب في العراق أو غزة، وربما تكون حالتنا أخطر في أغلب الأحيان".
مدير مدرسة الكوثر حسين عثمان، قال: إن القطاع التعليمي في الصومال يعتبر من أكثر القطاعات تضررًا بالأوضاع الحالية، وقال لمراسلنا: "كثيرًا ما نرى المعارك ونحن في المدرسة والأطفال داخلها، وهي تندلع وتتوقف الحركة على إثرها، وربما تجبرنا الظروف على أن نبيت نحن والطلبة في المدرسة؛ حتى يتوقف الرصاص، وتعود الحركة في الشوارع".
وأضاف: "سبحان الله!!.. الظروف في مقديشو لا يمكن فهمها إلا بمعاينة حقيقة ما يجري، والعيش في مقديشو أصبح غايةً في الصعوبة".
نائب في البرلمان الصومالي رفض الكشف عن اسمه: "نعيش هنا في مقديشو في ظروفٍ صعبةٍ جدًّا، حياة كلها خوفٌ من المجهول؛ لأننا لا نستطيع أن نعيش مع أهلنا وأولادنا في أمان، والأمر المؤسف هو أننا نخاف ممن كان معنا في درب الجهاد ضد المحتل الإثيوبي، فتجرأوا علينا واستباحوا دمنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن أملنا في الله كبير، وحسبنا الله ونعم الوكيل".
آمنة فارح وهي نازحة لمنطقة آبار المياه بضواحي العاصمة مقديشو فرارًا من المعارك الدائرة داخل الأحياء السكنية في العاصمة، قالت: "نعيش هنا تحت الأشجار رغم الأمطار الغزيرة، والنازحون هنا يُعانون من مشاكل ومصائب كثيرة من البرد القارص دون مأوى وقلة المياه الصالحة للشرب، ولم نجد من يساعدنا في ظل هذه الظروف الحرجة".
والآن.. ومع عدم وجود بارقة أمل واحدة، فمن المرشح أنْ تستمر أوضاع المواطن الصومالي العادي دون مستوى الصفر الإنساني.. حتى أمدٍ غير معلومٍ!!.

