"أعلنت وزارة الخارجية المصرية عن قرار بتعيين سفير جديد لمصر في العراق، وقال بيان صادر عن الوزارة إن سفير مصر في زامبيا شريف كمال شاهين، قد تم تعيينه في منصب سفير فوق العادة ومفوض لدى الجمهورية العراقية، وختم البيان قائلاً إن طاقمًا دبلوماسيًّا وإداريًّا وفنيًّا سيسافر إلى بغداد خلال الأسابيع القليلة المقبلة لبدء عمل البعثة الدبلوماسية المصرية هناك".
تحوُّل كبير لخصته السطور السابقة في السياسات المصرية والعربية إزاء الملف العراقي، لم تشهده العراق منذ سنواتٍ، ويمثِّل اختراقًا كبيرًا لثوابت عربية مُفترَضة تمليها اعتبارات الأمن القومي المصري والعربي.
تأتي الخطوة المصرية بعد أربع سنواتٍ كاملةٍ من كارثة اغتيال السفير المصري السابق في بغداد إيهاب الشريف، ففي عام 2005م اختطف مسلحون لا يزالون مجهولون الشريف، وقتلوه من دون أنْ يعرف أحد مكان جثته حتى الآن.
وكانت مصر في ذلك الحين هي الدولة العربية الوحيدة التي لها سفير في العاصمة العراقية التي كان يضربها العنف، بعد الغزو الأنجلو أمريكي في ربيع عام 2003م، وكان من بين التفسيرات التي وُضِعَت لمقتل الشريف، هو أنَّه قد اختُطِفَ من دون أنْ تُعرَف هويته، ثم تم "بيعه" بعد ذلك من قِبَلِ خاطفيه إلى جهةٍ أهم وأكبر لها اهتمام بموضوع الدَّور المصري في العراق.
ومن بين هذه الجهات، بحسب الفرضيَّات التي وضعها جهاز الأمن المصري، إمَّا إيران أو الكيان الصهيوني، فإيران التي كانت ولا تزال أحد اللاعبين الرئيسيين في عراق ما بعد الغزو، وكانت الخلافات المصرية- الإيرانية على أشدها بعد تولي المحافظ محمود أحمدي نجاد للحكم في إيران، بخلاف الفترة التي كان الرئيس السابق محمد خاتمي يتولى الحكم في إيران فيها.
كما أنَّ مصر أبدت ممانعة كبيرة للانتشار الإيراني في الشريط الممتد ما بين العراق وحتى سلطنة عمان، وكان من الطبيعي أنْ يقوم الإيرانيون بعملٍ ما ضد أي وجود مصري في العراق، وكانت خطوة إرسال سفير مصري للعراق، وما تمثله من دعمٍ لنظامٍ ترعاه الولايات المتحدة- العدو الأول لإيران- في العراق أحد عوامل تزايد النقمة الإيرانية على مصر.
إلا أنَّ الكثيرين مالوا إلى تفسيرٍ آخرَ لمقتل الشريف، وهو أنَّ الكيان الصهيوني يقف وراء هذا الأمر، وكان مرد ذلك ثلاثة مبرراتٍ رئيسيَّةٍ، الأول هو رغبة الكيان الصهيوني في معاقبة الشريف شخصيًّا على ما قيل إنَّه دور مخابراتي لعبه الشريف لحساب الأجهزة المصرية إبان توليه منصب سفير مصر لدى الكيان، ودعم من ذلك اختفاء جثة الشريف، بخلاف حالات الاختطاف والاغتيال السياسي التي جرت في العراق في ذلك الوقت، بما يشير إلى أن الشريف ربما لم يتم اغتياله فورًا، ولكن تم الاحتفاظ به لاستنطاقه بلغة الأمن والمخابرات.
الأمر الثاني هو أنَّ الكيان الصهيوني قد يكون قد رغب في تنحية مصر عن الساحة العراقية، وهو ما يقود إلى الأمر الثالث وهو أنَّ الكيان كان لا يرغب في عودةٍ عربيةٍ مبكرة إلى العراق، قبل ترتيب الأمور فيها لصالح حكومة التحالف المعارض العميل للولايات المتحدة والغرب الذي خلف نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين في كرسي الحكم في بغداد.
وكان للقرار المصري بإرسال سفير للعراق دوره في دعم قرارات مماثلة لدى بعض العواصم العربية التي كانت متحرِّجة من هذه الخطوة، وكانت تنتظر أي ضوءٍ أخضر لكي تقوم بإرسال ممثلين لها في بغداد ما بعد الغزو.
المبرر
ماذا يريد أوباما من مصر؟!

لا أحد يمكنه فهم طبيعة القرار المصري من جهة توقيته، إلا بأنَّه يأتي استجابةً لعاملٍ أمريكيٍّ، وأنَّه يأتي ضمن الهدايا المصرية لإدارة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما، مثله في ذلك مثل قرار الإفراج المفاجئ عن السياسي المعارض أيمن نور، وإلغاء الحكم الذي صدر بسجن الناشط الأمريكي المصري سعد الدين إبراهيم، بعد سنواتٍ من الجفاء والجفاف في العلاقات بين مصر والولايات المتحدة في عهد الإدارة السابقة برئاسة جورج بوش الابن، والتي وصلت إلى حد تقليص الأمريكيين لحجم المعونة العسكرية التي تتلقاها مصر سنويًّا.
وأي تفكيرٍ آخر سوف يصطدم بحقائق الأمور في العراق، فمصر رفضت طيلة السنوات الماضية إرسال سفيرٍ لها إلى العراق بحجة الوضع الأمني المتدهور القائم في العراق، فهل تحسن الوضع الأمني للدرجة التي تدفع القاهرة إلى تغيير موقفها؟!
واقع الحال على الأرض في العراق لا يشير إلى ذلك، فبعد عامَيْن من التحسُّن النسبي في الحالة الأمنية في العراق، عادت وتيرة العنف إلى الارتفاع، ووقعت في بغداد ومدينة الصدر والموصل، بل وكركوك المؤمَّنة تمامًا، تفجيرات وأعمال عنفٍ في غضون الأشهر الأخيرة، راح ضحيتها المئات، ومن بينها عمليات قد تعيد الصفة الطائفية للعنف في العراق، مثل عملية مدينة الصدر التي وقعت الأربعاء 25 يونيو، وراح ضحيتها 70 قتيلاً.
ولذلك لم ير فريق من المحللين المصريين والعرب أي جدوى من هذه الخطوة المصرية الأخيرة، في ظل استمرار المخاطر الأمنية واستمرار العراق في الوقوع تحت الاحتلال الأمريكي، حتى وإنْ خرجت القوات الأمريكية الغازية من المدن العراقية في نهاية الشهر الجاري، بل إن بعض هؤلاء المحللين رأوا في هذه الخطوة اعترافًا وتكريسًا للاحتلال.
غياب الرؤية
د. عبد الله الأشعل

بخلاف ذلك، كان هناك الكثير من الانتقادات للقرار المصري بخلاف ذلك، ففي تصريحاتٍ صحفيةٍ قال الدكتور عبد الله الأشعل نائب وزير الخارجية المصري الأسبق، إن مسألة إرسال سفراء عرب إلى العراق كان ولا بد أن تخضع لرؤية عربية شاملة، وهو أمرٌ غير متوافر، فكل دولةٍ عربيةٍ اتخذت قرارًا منفردًا بذلك، من دون أي تشاورٍ أو تنسيقٍ مع البلدان الأخرى، كما فعلت مصر وسوريا والإمارات.
وحدد الأشعل القواعد التي كان ينبغي أنْ تقوم عليها هذه الرؤية العربية الشاملة، وهي: إنهاء الاحتلال الأمريكي للعراق، وسحب القوات الأمريكية نهائيًّا من هذا البلد، ووضع العراق تحت وصاية الأمم المتحدة لمدة عام، وإرسال قوات عربية لحفظ أمن العراق، على أن يتم تشكيل حكومة لتسيير الأعمال لإتمام استقلال العراق، وتطبيق أسس ديمقراطية تتيح لكافة الطوائف المشاركة.
وأكد في تصريحاته التي تلت إعلان الخارجية المصرية لقرارها هذا إن العراق لا يزال تحت الاحتلال الأمريكي، ولا تزال الأوضاع الأمنية فيه متدهورة، وقال إن القرار المصري يخدم الأهداف الأمريكية في العراق إلا أن ثمة احتمالاً آخر قد يقف خلف القرار المصري الجديد، وهو أن مصر تبحث عن موطئ قدمٍ لها في العراق ومواجهة النفوذ الإيراني في بغداد، إلا أنَّ هذا الاحتمال أيضًا عليه مآخذ، وهو أنَّ ذلك يعني استجابة مصرية للمطالب الأمريكية لشغل بعض الفراغ الذي سوف يتركه الخروج الأمريكي الكبير من العراق، كما أنَّها خطوة لن تحقق ما تهدف إليه مصر في شأن مواجهة النفوذ الإيراني في العراق، باعتبار أنَّ وجود إيران هناك ثابت، لأنَّه يستند للوجود الشيعي العراقي ذاته.
وفي الأخير، فإنه بات من الواضح أن الولايات المتحدة قد مارست ضغوطًا شديدةً على مصر لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع العراق، وذلك بهدف منح النظام العراقي الحالي الذي نصبه الاحتلال الأمريكي نوعًا من الشرعية السياسية والمشروعية القانونية.
المشكلة الآن أن السفير المصري الجديد سوف يكون في حماية القوات الاحتلال الأمريكية في العراق، وهو وضعٌ مستهجنٌ بطبيعة الحال، كما أنَّه سوف يكون معزولاً في المنطقة الأمنية، ولن يستطيع التحرك أو الاتصال بالقوى السياسية والوطنية العراقية، التي سوف ترفض التواصل مع سفير جاء ليكرِّس نظامٍ ترفضه هي، بما يعني أنَّ السفير الجديد لن يستطيع لا خدمة مصالح بلاده في العراق ولا مصالح العراقيين الذين هم في أشد الحاجة إلى الدعم والمعونة!.