المصالح وراء فشل الجولة السادسة من الحوار الوطني الفلسطيني الدائرة جلساتها في القاهرة حاليًا.. هذا هو ملخص الأوضاع على صعيد الخلاف الفلسطيني الداخلي من خلال الأنباء التي تواترت من داخل أروقة الاجتماعات الحالية التي ترعاها القاهرة.

 

ولعل أهم الإشارات في هذا الشأن هو ما قاله أسامة حمدان ممثل حركة حماس في لبنان، أن ممثلي فتح في حوار القاهرة أكدوا أنَّ التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني أمر لا مفر منه، لأنَّه بمثابة "التزام" على السلطة بموجب الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني.

 

وهذه هي عقدة الخلاف الرئيسية بين حركتي حماس وفتح، باعتبار أنَّ التنسيق الأمني هذا هو العامل الأول الذي يقف خلف ملف الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية، الذي هو عقدة العقد في الحوار الداخلي.

 

ولكن بالنظر إلى خلفيات المسألة، فإننا نجد أنَّه ليس "الالتزام" فحسب هو الذي يدفع السلطة الفلسطينية إلى إلقاء القبض على المقاومين في الضفة، ولكن تخوفات قادة حركة فتح والسلطة، وعلى رأسها رئيسها المنتهية ولايته محمود عباس على ما حصلوا عليه من امتيازاتٍ خلال السنوات الماضية، وخشيتهم من فقدانها، هو ما يقف وراء التشدد الفلسطيني في رام الله تجاه هذا الملف.

 

وعلى الرغم من أن الفلسطينيين يترقبون السابع من يوليو القادم، وهو الموعد الذي حددته القاهرة لتوقيع اتفاق ينهي حالة الانقسام غزة والضفة الغربية، إلا أنَّ المخاوف والهواجس من الفشل وعدم تحقيق أي نتائج هي الغالبة، في ضوء أجواء التشاؤم والتوتر التي تلف أجواء الحوار بين الطرفين بسبب تصاعد عمليات الاعتقال السياسي والترهيب التي تمارسها الأجهزة الفلسطينية بحق كوادر حماس والجهاد الإسلامي في محافظات الضفة الغربية بناء على تعليمات المنسق الأمني الجنرال الأمريكي كيث دايتون.

 

تشاؤم غزاوي

وبدا سكان غزة أكثر تشاؤمًا من إمكانية نجاح الحوار أو انتهاء الجولة الحالية بتوقيع اتفاق ينهي حالة الانقسام والتردي بين الطرفين بعد إعلان حماس فشل الجلسة الأولى بسبب تعنُّت حركة فتح وعدم تجاوبها لإنهاء ملف الاعتقال السياسي.

 

 الصورة غير متاحة

قوات عباس تواصل حملتها الهمجية ضد أنصار حماس

وتحدثت حركة فتح اليومين الماضيين عن إفراجات تمت في الضفة الغربية، لكن يبدو أن هذه الخطوة من وجهة نظر حماس ما هي إلا لذرِّ الرماد في العيون، فهي تتحدث عن إفراجات بالعشرات ثمَّ تعتقل بالمئات، وتستمر في سياسة الباب الدوَّار حتى زاد عدد المعتقلين في الضفة عن 900 معتقل.

 

وتتهم حماس فتح  بالتراجع عن التزاماتها في الجولة الأولى من الحوار، والتي جرت في 26 فبراير المنصرم بعد أن تعهدت بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين بالضفة بين يدي جولات الحوار؛ حيث صعدت من عمليات الاعتقال والملاحقة لكوادر وعناصر حماس في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية.

 

وتصر حماس على عدم توقيعها أي اتفاق للمصالحة وإنهاء الانقسام قبل إنهاء ملف الاعتقال السياسي، متهمة السلطة الفلسطينية باستخدام  سياسة الباب الدوَّار التي كان يستخدمها الاحتلال الصهيوني مع الفلسطينيِّين.

 

وأكدت حماس أن الاستمرار في سياسة التعنُّت من جانب  "فتح" بشأن ملف الاعتقال السياسي يسدُّ الطريق نحو المصالحة وتوقيع الاتفاق يوم (7-7).

 

وتربط حماس نجاح الحوار بوقف كلِّ الإجراءات على الأرض التي تحُول دون التوصل إلى اتفاق، وإخراج جميع المعتقلين سواءٌ في غزة أو في الضفة.

 

وزاد من مساحة التشاؤم أنَّ الحركتين اتفقتا مؤخرًا على تشكيل لجان مشتركة، لكن يبدو أنَّ هذه  اللجان أيضًا فشلت في إنجاز أهدافها الذي تشكَّلت من أجلها، وهي إنهاء حالة الاحتقان وتبييض السجون في كلٍّ من الضفة وغزة.

 

 الصورة غير متاحة

فوزي أبو برهوم

فوزي برهوم الناطق باسم حماس قال في هذا الإطار إن اعتراف حركة فتح في القاهرة بأن الاعتقالات تأتي في إطار "التزام" مع الكيان والمجتمع الدولي "يؤكد تراجعًا في مواقف فتح، وأنها تجعل من الاعتقالات السياسية مسارًا لتحقيق أهدافها الفئوية والحزبية".

 

وأكد برهوم في تصريحات خاصة أنَّه بات من الصعب مناقشة بقية الملفات العالقة؛ لأن هذا الملف هو الأهمُّ من أجل إنجاح الحوار، مبينًا أن استمراره يشكِّل خطرًا على مجمل المشروع الوطني الفلسطيني؛ في ظل عدم وفاء "فتح" بتعهداتها بإطلاق سراح المعتقلين كما اتفق عليه في 26 فبراير و10 مارس المنصرمَيْن.

 

وقال إن أي توافق مع حركة فتح "مرهونٌ بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين من سجونها بالضفة، وإغلاق هذا الملف مرةً واحدةً وللأبد".

 

ولم يكن برهوم فحسب هو من عبر عن تشاؤمه، فرئيس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة إسماعيل هنية أكد وجود عقبات أمام الحوار الفلسطيني- الفلسطيني الجاري بالعاصمة المصرية القاهرة، إلا أنه أعرب عن أمله أن يتم تتويج يوم السابع من تموز القادم باتفاق.

 

وقال هنية أمام مقربين في قطاع غزة: "ما زالت هناك قضايا جوهرية عالقة، وهذه الملفات يمكن إيجاد حل لها.. آمل أن يكون يوم 7 يوليو يوم تتويج للاتفاق".

 

واعتبر هنية أن ما يجري بالضفة الغربية بأنه مؤلم لكل "حر شريف" متابعًا: "استمرار الاعتقالات والملاحقات بما فيه عدم الاكتراث برئيس المجلس التشريعي (عزيز الدويك)، وخاصة عندما يجد أبواب المجلس مغلقة هذا أمر سلبي"، وقال إن ما يجري بالضفة يشكل عقبة رئيسية أمام أي اتفاقٍ فلسطيني فلسطيني.

 

ويتطلع المواطن الفلسطيني في غزة إلى نجاح الحوار الوطني من أجل البدء في عملية إعادة إعمار غزة، في وقت يرفض فيه المجتمع الدولي- الذي تعهد بدفع ما يربو على خمسة مليارات دولار لإعادة الإعمار- تحويل أي أموال لحماس بسبب عدم اعترافها بالكيان الصهيوني.

 

تحذيرات من الفشل

 الصورة غير متاحة

أبو مرزوق وقريع

وفيما بدت أجواء التشاؤم تسيطر على تصريحات الوفدين المتحاورين في القاهرة، حذر مسئولون ومحللون فلسطينيون من "انتكاسة" في مستقبل الوفاق الوطني في حال فشل الحوار في إنهاء حالة الانقسام.

 

ووجه هؤلاء نداءات إلى الشعب الفلسطيني المتعطش لسماع أخبار سارة عن تتويج جولات الحوار الوطني الفلسطيني، باتفاق ينهي الانقسام، بضرورة التحرك الفوري والضغط على جميع التنظيمات لإنجاز اتفاق الوحدة الوطنية فورًا.

 

وقال وليد العوض عضو المكتب السياسي لحزب الشعب اليساري لـ(إخوان أون لاين): "إن فشل جولة الحوار المقبلة سيحدث انتكاسة لمستقبل الوفاق الوطني"، داعيًا إلى تحرك وضغط شعبي وجماهيري لإنجاح الحوار، ودفع الأطراف المتحاورة للوصول إلى قواسم مشتركة تنهي هذه "الحالة المؤلمة".

 

وأشار العوض إلى "أن عدم تحقيق تقدم في القضايا التي ما زالت  عالقة يجب ألا يقود إلى مقترحات يمكن أن ترسم وتشرع الانقسام".

 

وأضاف "أن الطريقة المثلى في حال عدم التوصل لحل القضايا  الخلافية العودة للشعب وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية للسلطة الفلسطينية وللمجلس الوطني في موعد لا يتجاوز 25 يناير القادم، حسبما تم الاتفاق عليه في حوار القاهرة في مارس 2009م".

 

من ناحيته وصف رمزي رباح القيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الحوار الحالي بين حركتي فتح وحماس بالحوار العاجز عن الوصول لشيءٍ، لأنه يستند إلى أجندات فئوية وحزبية خاصة، منتقدًا حركة فتح لتراخيها وعدم تمسكها بإجراء الانتخابات حسب التمثيل النسبي الكامل وفقًا لرغبة جميع الفصائل باستثناء حماس كما انتقد فتح لعدم تمسكها بشمولية الحوار.

 

ودعا رباح إلى تصحيح مسار الحوار الخاطئ باتجاه حوار شامل يستأنف على القواعد التي اتفقت عليها كل القوى في اتفاق القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني.

 

ورأى أن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وفقًا للتمثيل النسبي الكامل هي حل الأمثل لحل القضية الوطنية، مقترحًا أن يؤخذ بالتجربة اللبنانية.

 

بدوره شكك إبراهيم الزعانين مسئول في جبهة التحرير العربية في نوايا المتحاورين بسبب الحملات الإعلامية المتبادلة واستمرار الاعتقال السياسي في الضفة وغزة.

 

وحذر الزعانين من محاولة البعض إطالة أمد الحوار إلى فترة طويلة، داعيًا إلى نقل الحوار إلى أرض الوطن بدلاً من الحوار بالخارج تحت شروط ورحمة الدول المستضيفة.

 

 الصورة غير متاحة

 خالد البطش

من جانبه توقع خالد البطش القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أن يتم التوصل إلى اتفاق في السابع من الشهر الجاري في حال تم الانتهاء من موضوع الاعتقال السياسي وملف القوة الأمنية المشتركة، مرجحًا عدم مشاركة حركته في اللجنة التي ستشرف على الضفة وغزة ولكنه أكد عدم وقوف حركته أمام أي اتفاق توافقي.

 

وحذر البطش من مخاطر استمرار الانقسام حتى شهر يناير القادم، موعد إجراء الانتخابات الجديدة، متوقعًا أن يتدهور الوضع بشكل كبير وقد ينتج عنه من أقلمة للقضية، وخصوصًا على مستقبل قطاع غزة.

 

وقال البطش إن حركة الجهاد مع الحل الوطني وتشكيل حكومة توافق وطني، داعيًا إلى الضغط إعلاميًّا باتجاه إنهاء أزمة الاعتقال السياسي.

 

مريم أبو دقة عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبي فقد اعتبرت أن ما يجري الآن هي حوارات ثنائية ضارة وتكريس الانقسام، مؤكدةً أن من حق كل مكونات الشعب الفلسطيني أن يشارك في الحوار وأن يكون له دور.

 

من جانبه قال صلاح أبو ركبة عضو المكتب السياسي للجبهة العربية الفلسطينية إنَّ الأجواء الحالية لا تبشر بإمكانية التوصل إلى اتفاق بسبب الاعتقال السياسي في الضفة وغزة واستمرار الحملات الإعلامية المسعورة.

 

ودعا رأفت ذياب عضو المكتب السياسي لحزب فدا، إلى ضرورة وجود رؤية موحدة مع العالم العربي والخارجي واستغلال خطاب أوباما في خدمة القضية الفلسطينية.

 

فيما طالب الشيخ محمد ماضي ممثل عن الشخصيات المستقلة بالعودة إلى الحوار الشامل الواسع الذي يضم كل الشخصيات الاجتماعية، مؤكدًا أن الدين الإسلامي يدعو إلى حرمة الدم الفلسطيني.

 

وأكد محمود الزق سكرتير جبهة النضال الشعبي على ضرورة المصالحة الوطنية بعيدًا عن المحاصصة، موضحًا ضرورة إشراك الجميع حتى يكتب للحوار النجاح.

 

من جانبه، قال المحلل والكاتب الفلسطيني سميح الشايب "إن مخاطر  فشل الحوار، هي مخاطر كبيرة ومصيرية ووجودية".

 

وأضاف "أن ما آلت إليه جلسات الحوار السابقة في القاهرة، هو  الوصول إلى ما يشبه الحوار، لدرجة باتت أطراف تبحث عن مخارج ما بعد  الحوار، ودراسة الإمكانات المتاحة في حال عدم التوصل إلى اتفاق وطني".