في يوم الأحد 28 يونيو 2009م، وقبل يومٍ واحدٍ من الاستفتاء على الرئيس الهندوراسي المنتخب خوسيه مانويل زيلايا شهدت جمهورية هندوراس، إحدى دول أمريكا اللاتينية انقلابًا عسكريًّا أطاح بالرئيس الذي تقرر إجراء استفتاء ليسمح له بالاستمرار في رئاسة البلاد لفترة رئاسية جديدة مدتها أربع سنوات، تبدأ في فبراير من العام القادم.
السبب المُباشِر للانقلاب هو التعديل الدستوري، الذي كانت المحكمة العليا في هندوراس قد اعتبرت الاستفتاء عليه مخالفًا للدستور الهندوراسي، وأمرت الجيش على الفور باتخاذ اللازم لمنع إجراء الاستفتاء، فتدخل الجيش بمئات من الجنود، وسيطروا على مقر إقامة الرئيس الهندوراسي، ثم جردوا حراسه من السلاح وأخذوا الرئيس إلى أحد المطارات العسكرية شمال البلاد، وتمَّ طرده إلى كوستاريكا المجاورة إلا أنَّ خلفيات الأزمة والحدث تشير إلى أنَّ العديد من الأمور والخلفيات تقف وراء هذا الانقلاب، الذي يعتبر الأول في الفناء الخلفي للولايات المتحدة منذ منتصف التسعينيات الماضية.
ردود فعل
هوجو شافيز
انقلاب قوبل برفضٍ دوليٍّ واسعٍ؛ حيث اعترض الاتحاد الأوروبي على إقدام الجيش على الإطاحة برئيس الدولة المنتخب، وقرَّر عدم الاعتراف بالانقلابيين ولا بالرئيس الذي سيكون خلفًا لزيلايا، على اعتبار أنَّ زيلايا هو رئيس البلاد المنتخب حتى نهاية يناير من العام القادم.

أما الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، فقد رفض الاعتراف بالانقلاب العسكري، وهدَّد الانقلابيين بأنه سيتدخل عسكريًّا في هندوراس إذا ما تعرض السفير الفنزويلي هناك للخطر على اعتبار أنَّ فنزويلا من أكثر الدول تأييدًا لزيلايا، واتهم شافيز الولايات المتحدة بأنها خطَّطت وساعدت الانقلابيين على القيام بهذا العمل؛ لكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سارع بنفي أن تكون الولايات المتحدة قد ساعدت الانقلابيين على الإقدام على هذه الخطوة، ودعا مختلف الأطراف في هندوراس إلى الاحتكام للدستور.
وهدَّد شافيز خلال الاجتماع الطارئ الذي عقدته منظمة الدول الأمريكية السبت لبحث الانقلاب، بالإطاحة بحكم روبرتو ميتشيليتي الحاكم الجديد الذي نصبه الجيش، وهو رئيس البرلمان الهندوراسي، ومن كبار أعضاء حزب الرئيس خوسيه مانويل زيلايا.
وقد سارعت عدة دول في أمريكا اللاتينية بمقاطعة هندوراس تجاريًّا وسياسيًّا، داعيةً الشعب الهندوراسي للانتفاضة ضد سلطة العسكر وإعادة زيلايا للحكم مرة أخرى.
المنظمة كانت قد قرَّرت الاجتماع في أقرب وقت لاتخاذ كل السبل المتاحة لإعادة الأمور إلى نصابها في هذا البلد الفقير، ولكن تنصيب رئيس البرلمان الهندوراسي روبرتو ميتشيليتي، وتمسكه بالسلطة، وتشكيله لحكومة جديدة؛ اضطر المنظمة إلى الاجتماع في العاصمة الأمريكية واشنطن، وإجراء تصويت يتم بمقتضاه سحب عضوية هندوراس في المنظمة؛ حيث وافق 33 عضوًا في المنظمة من بين 34 عضوًا على سحب عضوية هندوراس على اعتبار أن السلطة الحالية فيها غير دستورية.
ودعت المنظمة الدول الأعضاء كذلك لإعادة النظر في علاقاتها بهندوراس، في الوقت الذي ترفض فيه السلطة غير المنتخبة إعادة زيلايا مرة أخرى للحكم، وسط تأكيدات الرئيس المخلوع بأنه سيعود إلى هندوراس.
الأمريكيون يعلمون!!
باراك أوباما
غريب في المواقف وردود الأفعال هو الموقف الأمريكي، فتصريحات المسئولين الأمريكيين تشير إلى أنهم كانوا يعلمون مسبقًا بالانقلاب، ولكنهم لم يتدخلوا لوقفه، بخلاف سوابق لهم تدخلوا بموجبها عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا في أمريكا الوسطى واللاتينية، التي يعتبرها الأمريكيون بمثابة الفناء الخلفي لهم.

كما أنَّه من زاويةٍ أخرى يعترف الأمريكيون أنهم كانوا على خلافٍ مع زيلايا، الذي كان مساندًا لأكبر أعدائها في أمريكا اللاتينية، وهو هوجو شافيز.
عدد من المسئولين الأمريكيين أكدوا أنَّ الانقلاب تمَّ الإعداد له مسبقًا، وتحديدًا سابقًا منذ إعلان زيلايا عن إجرائه استفتاءً يبقيه في الرئاسة لمدة 4 سنوات أخرى، وحاول المسئولون وقف الانقلاب إلا أن منفذي الانقلاب قرروا الإقدام على هذه الخطوة رغم التحذيرات الأمريكية بأن خطوة كهذه ستضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة؛ لأن الولايات المتحدة رغم خلافها مع الرئيس زيلايا المساند لشافيز، فهي لا تستطيع كذلك أنْ تعترف بحاكم جاء عن طريق انقلاب عسكري، في ظل الخطاب العام الذي تبنته إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
المسئولون الأمريكيون كذلك أكدوا- في معلوماتٍ مسبقة عن الانقلاب، ولا أحد يدري من أين جاءوا بها- أن منفذي الانقلاب هم من الطبقة المحافظة ومن الأثرياء، وقاموا بالانقلاب بمساعدة الجيش، واتهم الأمريكيون الانقلابيين بالتشويش على شبكات الهواتف وقطع الإرسال الإذاعي والتليفزيوني، لتسهيل عملية خلع الرئيس، وذلك بعد أخذ موافقة الكونجرس الهندوراسي والمحكمة العليا هناك.
تاريخ من الانقلابات
وبعيدًا عن علامات الاستفهام المحيطة بالدور الأمريكي المحتمل في الانقلاب الذي أطاح بواحدٍ من الرؤساء اليساريين المعارضين للولايات المتحدة، فإنَّه لهندوراس تاريخ طويل من الانقلابات العسكرية، فقد أطاح الجيش عام 1963م برئيس هندوراس المنتخب حينها، ثم قام بانقلاب آخر عام 1972م، واستمر الحكم بيد الجيش حتى عام 1981م عندما ضغطت الولايات المتحدة على الجيش كي يعيد السلطة إلى المدنيين.
وهندوراس دولة صغيرة جدًّا بأمريكا الوسطى مساحتها 112 كيلومترًا مربعًا، ورغم وفرة الموارد الطبيعية بها كالأخشاب والذهب والفضة والنحاس والرصاص والزنك والحديد الخام والقصدير والفحم والأسماك والطاقة الكهرمائية، إلا أنها تعد من أكثر دول العالم الثالث فقرًا، رغم قلة عدد سكانها البالغ عددهم 7.5 ملايين نسمة وفقًا لإحصائية عام 2007م.
وتعاني هندوراس من الديون الأجنبية، والتي تصل إلى 5.587 مليار دولار أمريكي، وهي نسبة ديون كبيرة بالمقارنة بالموارد الطبيعية المتوافرة في هندوراس، وقلة عدد السكان.
وبحسب مراقبين، فقد ساعد الانقلابيين على نجاح انقلابهم، سوءُ الأحوال المعيشية، ومن بينها انخفاض مستوى الرعاية الطبية؛ حيث تبلغ معدلات وفيات الأطفال أثناء ولادتهم 108 حالات وفاة لكل 100 ألف مولود حي، بينما بلغ عدد وفيات الرضع 36 حالة وفاة لكل 1000 مولود، وهي نسبة عالية للغاية بالمقارنة بالمعدلات العالمية تقل عن تلك المعدلات بنحو 90%.
كما أنَّ التأمين الصحي في هندوراس لا يستفيد منه سوى 600 ألف شخص فقط، أي أقل من 10% من السكان البالغ عددهم أكثر من 7.5 ملايين نسمة.
أما بالنسبة للتعليم؛ فالأمية منتشرة هناك بشكل كبير؛ حيث تؤكد الإحصائيات الرسمية أن معرفة القراءة والكتابة هناك يبدأ من سن 15 عامًا فما فوق، أما بالنسبة للخدمات والاتصالات؛ فإن شبكة الاتصالات السلكية لا يستفيد منها سوى 10% فقط من سكان البلاد.
وأغلب سكان هندوراس من عنصر المستيزو، وهم خليط من البيض الهيسبانيك والهنود الحمر، ويعيش إلى جانبهم عناصرُ زنجيةٌ تتحدث اللغة الإنجليزية، جاءت إلى هندوراس في البداية كرقيقٍ للعمل في زراعة الموز، واللغة السائدة في هذا البلد الصغير الفقير هي الإسبانية.
ويحترف السكان الزراعة؛ حيث يعمل بها حوالي 56.2% من القوة العاملة في البلاد، وأهم المحاصيل البن، وزراعة الذرة التي تشغل نصف الأراضي المخصصة للزراعة في هذا البلد، وفيها ثروة حيوانية مكونة من 2.2 مليون رأس من الأبقار وخمسة آلاف رأسٍ من الأغنام و534 ألفًا من الماعز.
ولطبيعة هندوراس الجبلية، نشأت فيها أنشطة غابية، مثل قطع أشجار الماهوجني والصنوبر، كما أنه لهندوراس شهرة في إنتاج المعادن الثمينة، وخصوصًا الذهب والفضة، وكان ذلك أحد أسباب قدوم الاستعمار الإسباني إليها، الذي قام بوحشية بالاستيلاء على ثروات البلاد من المعادن النادرة، حتى استنفدها.
وبجانب الذهب والفضة، تستخرج هندوراس الزنك والرصاص والنحاس والحديد، كما يستخرج منها الفحم والزئبق، وعلى الرغم من ثرائها المعدني، فإنَّ النشاط الصناعي في البلاد محدود للغاية.
إذن هو بلدٌ زراعيٌّ فقيرٌ، عانى طويلاً الفقر وتراجع الخدمات، ويُضاف إليها الآن أزمة الانقلاب!!.. من قام به وإلى أين تتجه الأوضاع في هذا البلد؟، هذا ما سوف تجيب عنه الأيام القادمة.