في 18 أبريل من العام 1955م وقف عددٌ من قادة البلدان العربية والإسلامية وآخرون في باندونج في إندونيسيا؛ ليعلنوا إرهاصات ميلاد حركة جديدة، عُرِفت بعد ذلك بـ"حركة عدم الانحياز"، كان الغرض منها بالأساس إيجاد موطئ قدمٍ لدول العالم الثالث في عالم الحرب الباردة، ومحاولة تحقيق التوازن في علاقاتها بالقطبَيْن الأعظمين في ذلك الحين، وكان أقصى طموحات قادة هذه الحركة الجديدة؛ هو إيجاد قطب ثالثٍ بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي.
ولكن ما بين وقوف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع كلٍّ من رئيس الهند في ذلك الوقت جواهر لال نهرو، والرئيس اليوغوسلافي آنذاك جوزيف بروز تيتو، والرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو في باندونج، ومشهد المجتمعين في منتجع شرم الشيخ المصري في القمة الخامسة عشرة التي بدأت اليوم، عقودٌ طويلةٌ، جرت خلالها الكثير من المياه تحت الجسور، بدَّلت الكثير من الأمور والمفاهيم!!.
تعتبر حركة عدم الانحياز واحدةً من نتائج الحرب العالمية الثانية (1939- 1945م)، ونتيجة مباشرة أكثر للحرب الباردة التي تصاعدت بين المعسكر الغربي (الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو)، وبين المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو) حال نهاية الحرب العالمية الثانية وتدمير دول المحور، وكان هدف الحركة هو الابتعاد عن سياسات الحرب الباردة.
تأسست الحركة من 29 دولةً، وهي الدول التي حضرت مؤتمر باندونج، والذي يعتبر أول تجمع منظم لدول الحركة، ولكن المؤتمر الأول للحركة انعقد في مدينة بلجراد اليوغوسلافية في ذلك الوقت في العام 1961م، وحضره ممثلو 25 دولةً، ثم توالى عقد المؤتمرات حتى المؤتمر الأخير الذي عُقد في كوبا في العام 2006م، ويصل عدد أعضاء الحركة الآن إلى أكثر من 116 دولةً، وفريق رقابة مكون من 17 دولةً و7 منظمات.
ولعل أهم ما تم طرحه في القمة إلى الآن أمران، الأول: هو الطلب الذي طرحه العقيد الليبي معمر القذافي على قادة الحركة بعدم اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي في أية مشكلةٍ تنشأ بينهم، وتشكيل مجلسٍ للأمن والسلم يكون تابعًا للحركة على غرار تجربة مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الإفريقي.
الأمر الثاني: هو استغلال بعض الأطراف في الحركة للقمة لمحاولة تقريب وجهات النظر ما بين الهند وباكستان، ومحاولة استئناف محادثات السلام فيما بين البلدان، بعد أشهرٍ من التوتر الذي كاد أنْ يتطور إلى حربٍ بعد أحداث مومباي في نوفمبر الماضي، والتي اتهمت فيها الهند أطرافًا باكستانية بالتورط فيها، ومن بينها جماعة "لشكر طيبة" التي تعمل في كشمير، وبعض قيادات المخابرات الباكستانية (ISI)، ومن بينهم الجنرال حميد جول.
ولكن العديد من التقارير طرحت تساؤلات عن فاعلية الحركة، وموضعها كلاعبٍ دوليٍّ في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، والتغيرات التي أحدثتها سياسة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، وما إذا كان اسمها- "عدم الانحياز"- لا يزال يعني شيئًا وسط الأجواء التي تسود العالم اليوم.
أجواء مختلفة!!
ما بين قمة باندونج وقمة بلجراد الأولى وبين قمة شرم الشيخ الخامسة عشرة، مرت الساحة الدولية، التي تتحرك في إطارها الحركة بالعديد من التطورات الجذرية التي غيَّرت من الأساس من العلة التي قامت على أساسها الحركة.
فالحركة قامت كنتاجٍ طبيعيٍّ لظروف دولية كانت قائمة على أساس وجود قطبَيْن كبيرَيْن يسيطران على حركة السياسة العالمية، وكان لا بد للدول الضعيفة من محاولة حماية نفسها وثرواتها عن طريق التضامن فيما بينها، لتحقيق أكثر من هدفٍ من بينها إيجاد صيغة للتعاون الأمني والسياسي والاقتصادي تحمي مصالحها في عالم الكبار، وكذلك إيجاد هيئةٍ تمثيليةٍ تتحدث باسمها في المحافل الدولية.
وكان المنطق الأساسي للحركة هو المناورة ما بين القطبَيْن الكبيرَيْن، الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة، والحصول على أكبر قدرٍ ممكنٍ من المزايا والمكاسب في عالمٍ تحكمه مصالح قوى نووية تسيطر أكثر من 80% من حجم الاقتصاد العالمي، بل إن الولايات المتحدة كانت في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي العقد الأول من الحرب الباردة تملك أكثر من 90% من حجم أجهزة الحاسب وبراءة الاختراعات العالمية.
كل ذلك فرض على الدول الفقيرة والصغيرة أنْ تبحث لنفسها عن إطارٍ تضامنيٍّ يكون فيه الكل أكبر من مجموع أجزائه.
إلا أنَّ العقود الماضية شهدت العديد من التطورات التي أثَّرت على حيوية وفاعلية حركة عدم الانحياز، ومن بينها:
- غياب القيادات التاريخية للحركة، والتي كانت "عدم الانحياز" تعبر في جانبٍ منها عن طموحاتهم وزعاماتهم الشخصية، وتأثيرها الدولي، مثل عبد الناصر وتيتو ونهرو وسوكارنو.
- اختفاء بعض الدول التي كانت تقود الحركة، مثل يوغوسلافيا، وتبدل نظام الحكم في أخرى كما تم في مصر ما بين نظام عبد الناصر، ونظامَيْ الرئيس الراحل أنور السادات والرئيس الحالي حسني مبارك.
- تباين أولويات قيادات وحكومات دول الحركة نحو تفضيل المصالح الوطنية والقومية لدولها على حساب فكرة التضامن الدولي بين بلدان العالم الثالث، وبدء كل دولةٍ من هذه الدول في التحرُّك نحو ما تمليه مصالحها ومصالح نظمها.
- تبدُّل شكل النِّظام الدولي القائم، من نظام القطبية الثنائية إلى نظام أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة، مع ما صاحب ذلك من تحولاتٍ في الأولويات والسياسات، من مفردات الصراع بين القطبَيْن الأعظمين، ومساعي الطرفَيْن إلى نشر فكرته والتوسع العالمي في أكبر عددٍ ممكنٍ من الدول، إلى مكافحة ما يُعرَف بالإرهاب ومحاولة تثبيت الهيمنة الأمريكية على الشأن العالمي.
وقد أدَّى الانفراد الأمريكي بالقرار الدولي، وليس بقيادة العالم- فهناك فارقٌ كبيرٌ ما بين الأمرين- إلى تقلص نفوذ الحركة بصورةٍ كبيرةٍ في المجتمع الدولي، كما أنَّ السياسات الاقتصادية التي تبنتها البلدان الغربية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة أدَّت إلى إضعاف اقتصاديات الدول النامية، وجعلها تابعة للاقتصاد الغربي الرأسمالي، باستثناء مجموعة البلدان الناشئة التي استطاعت الهروب من هذا الفخ، مثل الصين والهند والبرازيل والمكسيك وإندونيسيا وماليزيا.
كما أنَّ انتهاء الاستعمار بصورته التقليدية من احتلال مباشرٍ من جانب دولةٍ لأراضي دولٍ أخرى، وانتهاء أنظمة الفصل العنصرية في جنوب إفريقيا وناميبيا، أضعف كثيرًا من العلل الأساسية لوجود حركة مثل حركة عدم الانحياز؛ حيث لم يعد هناك مجال للحديث عن تشجيع حركات التحرر كما في ميثاق الحركة، فباستثناء فلسطين والعراق وأفغانستان، لم تعد هناك دولٌ وكيانات تقع تحت الاحتلال المباشر لبلدانٍ أخرى.
بل إن بعض بلدان الحركة بات داعمًا أساسيًّا لقوى الاستعمار الجديد في عالم اليوم، فمنها من يساعد قوات الاحتلال الأمريكية في العراق وقوات الاحتلال الأجنبية الموجودة في أفغانستان، ومنها من يشارك في تشديد الحصار على قطاع غزة المحاصر، إما بغلق معبر رفح، المنفذ الوحيد للقطاع على العالم الخارجي، أو عدم إرسال الأموال اللازمة لإعادة إعماره بعد عدوان "الرصاص المصبوب" في ديسمبر ويناير الماضيَيْن؛ بسبب عدم رغبة الدول العربية في وضع أموالٍ في أيدي حكومة حركة حماس التي تحكم غزة حاليًّا، رغم أنَّ الفساد ضاربٌ بأطنابه لدى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، باعتراف كل المانحين الدوليين، بمَن فيهم حلفاءٌ للسلطة.
لعبة مصالح!!
![]() |
|
الرئيس المصري حسني مبارك خلال افتتاح القمة |
ولذلك فإنَّ مرور القطع البحرية الصهيونية من قناة السويس له أكثر من دلالةٍ "منحازةٍ"، ومن بينها رغبة الكيان الصهيوني في إرسال رسالةٍ سياسيةٍ إلى إيران، مفادها ألا تركن كثيرًا إلى أي تأييدٍ عربيٍّ لها إذا ما اندلعت حرب بينها وبين الكيان، فها هي ذي أكبر دولةٍ عربيةٍ تسمح بمرور قطعٍ بحريةٍ عسكريةٍ صهيونيةٍ، في إجراءٍ من شأنه توفير الكثير من الجهد على الآلة العسكرية الصهيونية إذا ما قررت العمل ضد إيران.
إندونيسيا من جانبها، مثلها في ذلك مثل سائر البلدان العربية والإسلامية- بما فيها سوريا وإيران- قدمت دعمها الجزئي أو الكامل للولايات المتحدة في حربها ضد ما يُسمَّى بالإرهاب، والذي هو في حقيقته حربٌ ضد محور من محاور الممانعة الشعبية ضد الهيمنة الأمريكية والصهيونية على الشأن العالمي.
كما أن دول الحركة انساقت في كثيرٍ من سياساتها إلى تفضيل مصالحها الوطنية أو مصالح نظمها على مصالح بلدانها ومصالح الإقليم، وباتت مرغمةً أو غير مرغمة لا بد لها وأنْ ترتبط في مصالحها الاقتصادية والأمنية على الأقل بالمصالح الأمريكية تحديدًا؛ حيث الدولار هو عملة الاحتياط العالمي، والأسواق الأمريكية هي الأهم في العالم، وهي مفتاح الأسواق الغربية كلها، وهي الأهم عالميًّا.
ووجدت البلدان الصغيرة نفسها أمام وضع غريب في السياسة العالمية لم يوجد من قبل في التاريخ، وهو أنَّ القوة العظيمة صارت "قوة عظمى" أو "Hyper Power"، وتنتهج منطق "البلطجي" الذي يرغم الآخرين على طاعته، وباتت هذه القوة تملك من عناصر النفوذ والقوة الشاملة ما أرغم بلدانًَا نوويةً وقوية مثل الصين وروسيا والهند واليابان وألمانيا على الدوران في فلكها، وإنْ كان ذلك بدرجاتٍ مُختلفةٍ.
فالبرنامج النووي الهندي يعتمد الآن على التقنية الأمريكية، بموجب اتفاقيةٍ موقعةٍ قبل نحو ثلاث سنواتٍ، أما الصناعة الصينية فتعتمد في تصريفها على السوق الأمريكي والأوروبي في الأساس، أما اليابان فمن دون المواد الخام الأمريكية، ومن دون السوق الأمريكي وضمانات الأمن القومي التي تضمنها الولايات المتحدة لها، فإنها غير قادرة على الاستمرار في معجزتها الاقتصادية.
كما أنه في حقيقة الأمر ليس من المطلوب من قوى ضعيفة مثل البلدان الأفريقية والآسيوية الإفلات من المدار الأمريكي، ولا يقيمون علاقات مع الكيان الصهيوني، بينما يرون بلدانًا نوويةً مثل فرنسا في عهد رئيسها الحالي نيكولا ساركوزي، تلهث لإرضاء الولايات المتحدة، استقواءً بها في مواجهة الشركاء الأوروبيين المتنافسين، وخصوصًا ألمانيا وبريطانيا خلافًا لما كان الحال عليه في الثمانينيات والتسعينيات في وقت فرانسوا ميتران وجاك شيراك.
كما أنَّ الولايات المتحدة وضعت قاعدة شديدة الخطورة في السياسة العالمية، وكرَّستها في مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر 2001م، وهي قاعدة عقاب الرافض للسير في الركاب الأمريكي، وباتت الخشية من الوضع في "محور الشر" الأمريكي أو قائمة الدول الراعية للإرهاب إحدى أدوات فرض الطاعة الأمريكية.
وتتنوع الوسائل التي يقوم الأمريكيون عن طريقها بعقاب تلك الدول، ومن بينها العقوبات الفردية، مثلما هو حاصل في الحالة الإيرانية، وتتطور تلك الوسائل حتى الوصول إلى العمل العسكري مثلما حدث في العراق وأفغانستان إلى جانب ما تعيشه السودان حاليًا من خطر الوقوع تحت العقوبات الدولية فيما يتعلق بملف دارفور.
الجانب الأخطر في علاقات دول العالم الثالث بالولايات المتحدة والقطب الغربي الوحيد في العالم الآن، هو مصالح الأنظمة الحاكمة، فكثيرٌ من أنظمة وحكومات العالم العربي والعالم الثالث لا تستجيب لإملاءات القوى العظمى الوحيدة في عالم اليوم، ولا تنحاز لها بسبب أنَّ المصالح الوطنية تفرض ذلك، ولكن "حرصًا" على بقاء هذه الأنظمة في أماكنها، مهما كانت مصالح الأوطان أو الأمم التي تنتمي إليها هذه الأوطان.
إن لوزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر عبارةٌ قال فيها: "إنَّ الولايات المتحدة لا تريد أنْ ترى أعداءً أقوياء، ولا أعداءً مهمِّين".. ألا تفسر هذه العبارة العديد من الأشياء والظواهر في عالمنا المعاصر؟!
