ما زالت تبعات القنبلة التي أطلقها فاروق القدومي أمين سر حركة فتح الأسبوع الماضي تدوِّي في مقر السلطة الفلسطينية برام الله وفي العاصمة الأردنية؛ حيث اتهم القدومي رئيس السلطة المنتهية ولايته محمود عباس ومدير الأمن الوقائي الفلسطيني السابق محمد دحلان بالتخطيط مع رئيس الوزراء الصهيوني الهالك أرييل شارون لاغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات، وعرض وثيقةً لمحضر اجتماع بين الثلاثة بحضور وسيط أمريكي في العام 2004م، كما تضمَّن التنسيق بين مختلف هذه الأطراف لاغتيال عرفات وقيادات من حركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.

 

وكانت قناة (الجزيرة) أولى ضحايا هذه التداعيات، بعد قرار حكومة رام الله إغلاق مكتبها وحجب نشاطاتها في مناطق الضفة الغربية، لكنْ سرعان ما تراجعت عن هذا القرار وقرَّرت تعليقه والاستمرار في مقاضاتها فقط.

 

وتطوَّرت التبعات بعدها لتبدأ مرحلة جديدة من الانشقاقات وتبادل الاتهامات بين تيارات فتح المختلفة، وصل بعضها إلى تهديد حياة القدومي والتوعُّد بإنهاء دوره السياسي، فيما عصفت هذه التصريحات بالعلاقة بين السلطة الفلسطينية والأردن.

 

تهديدات للقدومي

واستمرت الأزمة متفاعلةً؛ حيث تعهَّد عباس للمقرَّبين منه- بحسب مصادر فلسطينية خاصة- بإنهاء دور القدومي كرئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية، من خلال المؤتمر العام المرتقب للحركة.

 

وتوعَّد عباس فور إبلاغه باتهامات القدومي بأنها "فقط أسابيع"، وسينتهي دور القدومي "بشكلٍ نهائيٍّ"، في إشارةٍ إلى المؤتمر العام المرتقَب للحركة في بيت لحم في الرابع من الشهر القادم؛ حيث سينتخب أعضاء المؤتمر لجنةً مركزيةً ومجلسًا ثوريًّا جديدَيْن لقيادة الحركة.

 

وقالت بعض المصادر إن عباس قال لبعض مستشاريه: "رح أخليه يمشي يشحذ بشوارع سوريا، وما يلاقي حدّ يعطيه ليرة"، وأمر بقطع كافة مصادر التمويل عن القدومي، واستشاط غضبًا عندما حاول أحد مستشاريه تهدئته قائلاً إنها زوبعة في فنجان، فما كان من عباس إلا أن صرخ قائلاً: "يا أخي اقضولي على الزوبعة وصاحبها فورًا!!".

 

وحسب المراقبين فإن هذه التهديدات تُوحي بأن القدومي لن يكون ضمن أعضاء اللجنة المركزية التي سينتخبها المؤتمر، وتوقَّع المراقبون أن يدفع هذا الموقف إلى مزيدٍ من الانشقاق في صفوف فتح؛ مما قد يؤدي إلى اصطفاف عربي بين مؤيد لهذا التيار أو ذاك.

 

وفي حال حدوث انشقاق جديد في صفوف فتح إذا تمَّ إنهاء دور القدومي، كما توعد عباس؛ فإن هذا ليس الأول من نوعه حسب المراقبين؛ إذ شهدت الحركة العديد من الانشقاقات والانقسامات على مدار تاريخها ومسيرتها.

 

مسيرة انشقاقات

 الصورة غير متاحة

 أصابع الاتهام موجهة لعباس في اغتيال عرفات

وقد بدأت بوادر الانشقاق في حركة فتح بعد خروج القوات الفلسطينية من الأردن؛ حيث نادت كثير من الأصوات في داخل حركة فتح وفي مؤتمرها بإعادة تقييم تجربة الثورة الفلسطينية وحركة فتح، وأمام تلك الأصوات حدثت تبايناتٌ في مواقف أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري للحركة، وخرج في ذلك الحين جورج حبش مكونًا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونايف حواتمة مكونًا الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

 

تلا ذلك انشقاق صبري البنا أو "أبو نضال" والذي وقع في العام 1973م، بعد قرار تحويل قوات العاصفة إلى جيش نظامي في إطار جيش التحرير الفلسطيني وإنهاء جناح العاصفة.

 

وتواصلت الانشقاقات في صفوف فتح بعد اجتياح لبنان عام 1982م؛ حيث تصاعدت الصراعات الفكرية والسياسية، وانقسمت الحركة إلى منهجَيْن: المنهج الذي تبنَّى خيار الاستمرار في المقاومة، والمنهج الذي تبنَّى خيار التسوية، واستمر هذا التصعيد بين الأطراف المختلفة، حتى أعلن كلٌّ من أبو موسى وأبو خالد العملة وأبو صالح القدري الانشقاق عام 1983م، بعد الاستيلاء على مواقع فتح في ثعلباية وتعنايل في لبنان، وقيام القوات السورية بطرد كلٍّ من ياسر عرفات وخليل الوزير (أبو جهاد).

 

وفي العام 1986م وقع تمرُّد قاده عطا الله عطا الله (أبو الزعيم) تحت دعم أردني، وقام عرفات بفصله بعد أن شكَّل مركز قوة هجم من خلاله على القيادة الفلسطينية بكلمات غير لائقة.

 

وفي عام 2002م وبعدما اشتدَّ الحصار على عرفات في المقاطعة برام الله؛ ظهرت بوادر تمرُّد وبوضوح، من خلال محاولة سلب الصلاحيات والتظاهر عليه بحجة الإصلاح، وكان تمردًا واضحًا تغذِّيه جهاتٌ إقليميةٌ ودوليةٌ، إلا أن تلك المحاولة فشلت مرحليًّا.

 

وبعد التخلص من أبو عمار ورمزيته تولَّى مقاليد السلطة والنفوذ في داخل حركة فتح التيارُ المتمرِّد الذي ما زال يلعب بالأوراق السياسية ومستقبل الشعب الفلسطيني، ويطالب الآن بتدويل قطاع غزة.

 

وبرزت أمام هذا التيار تياراتٌ كثيرةٌ في أوساط حركة فتح وكوادرها، تعارض سلوك التمرد والفلتان الأمني الذي قاد إلى انهيار تنظيم حركة فتح، سواء داخل الوطن أو خارجه، ومحاصرة المؤسسات الفلسطينية، وتجميد منظمة التحرير، وقتل التنظيمات الشعبية خارج الوطن، ومما شهدته الأيام بعد وفاة ياسر عرفات محاولة التخلُّص من الكوادر الموالية لأبو عمار أيضًا، ومن خلال قرارات خارجة عن النظام تمَّ استبدال قيادات أخرى بها تحت بند التجديد.

 

تداعيات خارجية

ويبدو أن الأزمة الصامتة التي تفجَّرت بين الأردن وسلطة عباس كانت الأبرز في التداعيات التي أحدثتها قنبلة القدومي؛ حيث يقف المطبخ السياسي المحيط بعباس باهتمام بالغ أمام المكان الذي انطلقت منه التصريحات الأخيرة والمثيرة، وهو العاصمة الأردنية عمان، فيما تثير تساؤلاتٌ طرحتها رام الله عبْر أصدقاء لها من سياسيِّي الأردن شهية المراقبين حول "أزمة صامتة" ومفصلية بين عباس وسلطته والحكومة الأردنية، تترجمها تعليقات القدومي الأخيرة والساخنة.

 

وذلك أن العلاقة بين الأردن والسلطة توتَّرت مؤخرًا؛ بسبب إعلان فياض بأنه سيلجأ إلى اللقضاء الدولي لإعاقة مشروع قناة البحرين الذي يعتبره الأردنيون من أهم مشروعاتهم الإستراتيجية مستقبلاً.

 

ودفعت تصريحات القدومي النائب عن فتح أشرف جمعة للإعلان عن عدم ترشيح نفسه لعضوية المؤتمر السادس لفتح المقرر عقده في الرابع من الشهر القادم في بيت لحم.

 

 الصورة غير متاحة

د. عبد الستار قاسم

واستبعد المراقبون أن تؤدي تصريحات القدومي إلى تخريب أو تأجيل عقد المؤتمر السادس، فيما توقع البعض أن تؤدي إلى إشعال "أزمة شرعية" داخل قيادة حركة فتح، وهو ما من شأنه أن يدفع باتجاه مزيد من الانشقاق داخل صفوف الحركة.

 

وتوقَّع بعض المراقبين أن تُسهم تصريحات القدومي باتجاه مزيدٍ من الانشقاق داخل فتح ذاتها، إلى جانب انشقاق على مستوى الحركة الوطنية الفلسطينية، ويشيرون إلى أن أي انشقاق قد يحصل داخل فتح من شأنه أن يفعِّل مشكلة الشرعية داخل الحركة ومن يمثِّلها، وبالتالي قد يصبح هناك طرفان يمثلان الحركة وقيادة منظمة التحرير الفلسطيني، كلٌّ منهما يدَّعي أنه هو الممثل الشرعي.

 

من جانبه استبعد الدكتور عبد الستار قاسم أن تُثير تصريحات القدومي أزمة داخل حركة فتح، خاصةً أنها تجمع بين تيارات وتوجهات متعددة، وقال: "الحديث عن تأثيرات كبرى نتيجة ما صرَّح به القدومي هو أمرٌ غير واقعي.. صحيحٌ أنه قد يتأثر بع بعض القواعد أو الأفراد.. إلا أنه لن يكون هناك جديد على الحركة نفسها التي تجمع منذ القدم الاختلافات الداخلية وتيارات متعددة".