انعقد المؤتمر العام السادس لحركة التحرير الفلسطيني "فتح"، ولئن تبقَّى من الحركة شيءٌ بعد المؤتمر، فهو اسمها- "حركة التحرير الوطني"- من دون فِعْلها، بعد أنْ أظهرت الكلمات والمواقف التي جرت وقائعها في المؤتمر أنَّ خيار المقاومة المسلحة في الحركة قد بات شيئًا من الماضي، وأنه التساؤل بشأن وضعية الحركة لم يعد قاصرًا على التساؤل بشأن الجانب الخاص بمواقف الحركة السياسية ما بين خيارَيْ التسوية أو المقاومة، ولكنه تساؤلٌ حول مستقبل الحركة ذاتها.

 

وفي حقيقة الأمر فقد انتهى المؤتمر قبل أن يبدأ بكلمة رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس في الجلسة الافتتاحية، فقد أدار خطاب عباس حركة المؤتمر، واستهدف الشخصيات والمواقف التي عارضت عباس فيما طرحه من مواقف في خطابه، ومن بينها الالتزام بخط التسوية السلمية مع الكيان الصهيوني، بالرغم من مرور حوالي ما يقرب من عقدَيْن من الزمان على عملية مدريد التي انطلقت في العام 1991م، من دون أية نتائجٍ واضحةٍ بالنسبة للقضية الفلسطينية.

 

والمشكلة أنَّ خطاب عباس الافتتاحي، حتى لو اختلف البعض مع ما جاء فيه، وجرى الرد عليهم بأنه خلاف مع وجهة نظر فلسطينية مغايرة؛ لم يكن منبعه المصلحة الفلسطينية أو منطلقات حركة فتح، بل كان هناك الكثير من التأثيرات الخارجية فيه.

 

ويدعم هذا القول ما ذكرته "القناة العاشرة" في التلفزيون الصهيوني يوم الثلاثاء الماضي، أول أيام المؤتمر، من أن القنصل الأمريكي في القدس اجتمع مع عباس لمراجعة خطابه في الجلسة الافتتاحية؛ "ضمانًا لعدم إحراج الإدارة الأمريكية".

 

ودعم من "فرض" الخطاب فرضًا على الحركة، وجَعْله هو عنوان المؤتمر السادس، حتى ولو رفضت قياداتٌ عدةٌ من الحركة ما جاء فيه؛ اعتماد اللجنة المركزية لحركة فتح خطاب عباس ليكون بمثابة تقريرها عن الحركة خلال الفترة ما بين المؤتمرَيْن الخامس والسادس لها، وهو ما لاقى انتقاداتٍ عدةً من جانب أعضاء المؤتمر العام للحركة.

 

فساد وتشرذم

عكست مجموعة من الوقائع التي جرت عبر أيام المؤتمر مجموعة من الملامح التي باتت تطبع بطبيعتها حركة فتح، ومن بينها التشرذم في المواقف، وطغيان الفساد والمصالح الشخصية على حساب الحركة، فالمؤتمر حفل بالعديد من الأحداث الأمنية، مثل إطلاق النار الذي وقع بين عناصر من المخابرات العامة الفلسطينية وحرس عباس الشخصي، كذلك جرت فيه بعض "المشاجرات" الفردية التي طالت بالأذى القيادي في الحركة من نابلس حسام خضر لمجرد الخلاف في الرأي مع محمود عباس، ورغبة خضر في عرض وجهة نظره بشأن الأخطاء التي وقعت في الحركة في غضون العقدَيْن الماضيَيْن.

 

كما أن القياديَّين في فتح سلطان أبو العينين أمين سر الحركة في لبنان وعباس زكي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تعاركا واشتبكا بالألسن في الجلسة الصباحية لثالث أيام مؤتمر الحركة السادس في بيت لحم الخميس الماضي؛ بسبب اتهامات وجَّهها زكي إلى أبو العنين متعلقة بالفساد واستغلال النفوذ في قيادته في لبنان، لتحقيق مكاسبٍ شخصيةٍ.

 

ولعل هذه المشكلة- الفساد واستغلال النفوذ لتحقيق مكاسبٍ شخصيةٍ- هو بيت الداء في حركة فتح في الوقت الراهن، فحتى عند الحديث عن قضايا سياسيةٍ بحتةٍ مثل التسوية مع الكيان الصهيوني ومستقبل الأوضاع في الداخل الفلسطيني؛ فإنَّه لا يمكن إغفال أنَّ المصالح الشخصية لبعض القيادات في حركة فتح ومنظمة التحرير تلعب دورها في توجيه دفة السياسات الفتحاوية في هذه المسارات.

 

ولا يمكن إغفال الجوانب الأخرى من الفساد، مثل الاستجابة لمواقف وتوجيهات الخارج وإملاءاته، خصوصًا الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وحتى هذه الاستجابة تكون في كثيرٍ من جوانبها للحفاظ على مكتسباتٍ سياسيةٍ وماديةٍ عديدةٍ للمستفيدين من الوضع القائم.

 

انتخابات!!

 الصورة غير متاحة

 تصاعد حدة الخلافات بين أعضاء "فتح" في المؤتمر السادس

   وهو بكل تأكيدٍ ما سوف تكرِّسه انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري لحركة فتح المقررة اليوم؛ حيث إنَّ شكل القيادات الجديدة التي سوف تقود الحركة في المرحلة القادمة سوف يعكس أمرين؛ الأول طبيعة الإملاءات والمطالب الخارجية والتي ترتبط بترتيباتٍ إقليميةٍ أكبر من الواقع الفلسطيني ذاته، والثاني هو طبيعة خريطة مراكز القوى الحالية التي تسيطر على حركة "فتح".

 

وفي هذا الإطار تقول الكاتبة الفلسطينية لمى خاطر في تصريحٍ لافتٍ حول نتائج الانتخابات: "قضية نجاح المؤتمر أمرٌ نسبيٌّ، في مقاييس "فتح" الداخلية قد ينجح المؤتمر في إفراز قيادة جديدة بالمواصفات المطلوبة صهيونيًّا ودوليًّا، وطالما أن هذه القيادة ببرنامجها الجديد ستؤمِّن لـ"فتح" وكوادرها استمرار الرواتب والامتيازات والسيطرة على الضفة؛ فهذا سيكون معيار نجاح بالنسبة لفتح"، ولذلك أكدت أنه على المستوى الوطني "لا شك أن المؤتمر سيشكِّل نهاية "فتح" وطنيًّا، ولن يكون برامجها السياسي نابعًا من إرادةٍ وطنيةٍ حرةٍ".

 

ذات الرأي ذهب إليه الكاتب أسامة العيسة؛ حيث قال إنه لا خلاف في الجوهر بين القيادات المتوقع ترشحها للجنة المركزية، موضحًا أن التكتلات أو المحاور الموجودة لا تعكس اختلافاتٍ جوهريةً داخل الحركة، وإنما تشير إلى التَّوافُق في معظم القضايا.

 

وأشار في تصريحاتٍ سابقةٍ لقناة (الجزيرة) إلى تزايد نفوذ أصحاب سلطة المال والمركز التنظيمي خلال المؤتمر، مما كان له الدور الأبرز في الاستقطاب داخله، مُتوقِّعًا أن يطال التجديد في اللجنة المركزية 80% من أعضائها، لكنه أشار إلى أن التغيير "سيكون في الشكل لا في المضمون"؛ باعتبار أن حركة "فتح" أصبحت رهينةَ اتفاق أوسلو والسلطة الفلسطينية، ومن الصعب أن تعود رائدةً للمشروع الوطني الفلسطيني بعد إلغائها لخيار المقاومة من أجندتها.

 

وبعيدًا عن الأسماء المطروحة لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري؛ فإنَّ نظرةً واحدةً إلى التحالفات الموجودة تشير إلى صحة هذه التحليلات.

 

فهناك تحالف العقيد محمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي السابق مع عضو المجلس الثوري حسين الشيخ، وهناك تحالف الخارج المكوَّن من سلطان أبو العينين مسئول تنظيم لبنان، والمتهم بالفساد من قيادات فتحاوية، ومحمد غنيم (أبو ماهر) أحد مسئولي التعبئة والتنظيم في "فتح"، وأخيرًا هناك التحالف المحسوب على عباس، ويمثله السفير الفلسطيني في القاهرة نبيل عمرو ونبيل شعث وصائب عريقات مسئول الملف التفاوضي في منظمة التحرير.

 

كل هذه الشخصيات عليها ملاحظات، إنْ لم يكن أيضًا اتهاماتٌ بالفساد من جانب قيادات في الحركة ذاتها، ولذلك فإنَّ التنبُّؤ بأنَّ الانتخابات القادمة لن تسفر عن جديدٍ ليس افتئاتًا على حركة فتح، ولكنها قراءة وفق المعطيات الراهنة في الحركة.

 

خطاب ناقص.. عمدًا!

وبالعودة إلى خطاب عباس في الجلسة الافتتاحية، والذي تمَّ اعتماده رسميًّا كتقريرٍ للجنة المركزية لحركة فتح؛ نجد أنَّ الخطاب قد حفل بالعديد من الزوايا المهمة، الواجب إلقاء الضوء عليها.

 

الزاوية الأولى هي تأكيده خيار التسوية مع الكيان الصهيوني، عارضًا بعض ما وصفه بالمكتسبات المتحققة من التسوية منذ أوسلو وحتى الآن، ولكن الخطاب لم يسأل نفسه عن وضع أراضي السلطة في الضفة الغربية، التي تحتلها القوات الصهيونية من حينٍ لآخرٍ، ولا عن تأخر مفاوضات الوضع النهائي لأكثر من 11 عامًا.

 


والتسوية هي لعبة طرفَيْن وليس خاضعةً لإرادة طرفٍ واحدٍ، وعند النظر إلى وجهة نظر الطرف الآخر في الكيان الصهيوني للتسوية التي تمسك بها عباس، فهي كالآتي (من واقع مواقف وخطابات رسمية لرئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو):

- ضرورة اعتراف الفلسطينيين بأن الكيان الصهيوني "دولة يهودية"، بكل ما يترتب على ذلك من أوضاعٍ سياسيةٍ في خصوص حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وأوضاع عرب الداخل.

- إغلاق باب المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين، خصوصًا حول اللاجئين والأراضي المُحتلة في القدس والضفة، والتركيز في المقابل على التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية في رام الله.

- الحديث عن التَّنمية الاقتصاديَّة للمناطق الفلسطينيَّة، بدلاً من الخوض في "القضايا الخلافية"، بحسب نتنياهو، مثل اللاجئين والأراضي المحتلة.

- القدس خارج دائرة التفاوض، إذا ما استؤنفت المفاوضات، فالقدس "عاصمةٌ أبديَّةٌ موحدةٌ لإسرائيل"، وفي حال العودة للمفاوضات سيتم استبدال أراضٍ في صحراء النَّقب تُعطى للفلسطينيِّين بالبلدة القديمة.

- المضي قُدُمًا في مشروعات توسيع مغتصبات القدس والضفة الغربية، وبناء أخرى جديدة، وطرد الفلسطينيين من ديارهم في القدس، وكل ما من شأنه تهويد المدينة المقدسة، وتكريس الوجود اليهودي في الخليل وغور الأردن، بشريًّا وعسكريًّا.

- رفض مرجعيات أنابوليس، والمبادرة العربية للسَّلام، مع التأكيد أنَّ استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين رهينٌ بإزالة حكم حماس عن قطاع غزة، وتوحيد جهة التَّخاطُب الفلسطينية، على أنْ تعترف حركات المقاومة بمرجعيات اللجنة الرباعية الدولية.

 

وفي الإطار تمَّ تقديم مشروع قانون في الكنيست لاعتبار الأردن وطنًا بديلاً للفلسطينيِّين، مع طرح خيار الترانسفير لعرب الدَّاخل في أراضي الـ48، إمَّا لدويلةٍ فلسطينيةٍ في قطاع غزة، أو إلى الأردن، كما اعتمد الكنيست الصهيوني مؤخرًا مشروع قانونٍ طرحه نتنياهو لخصخصة أراضي اللاجئين الفلسطينيين في داخل فلسطين 48، بالإضافة إلى العديد من الإجراءات الأخرى مثل فرض قسم الولاء للكيان الصهيوني على عرب الداخل، كشرطٍ للحصول على المواطنة الكاملة.

 

في المقابل فإنَّ الخطاب كان عبارة عن وصلة شتمٍ لحركة حماس، والمضحك أنَّ عباس الذي دعم التسوية مع الكيان المجرم الذي يقتل الفلسطينيين وصف حماس بأنَّها عدو للشعب الفلسطيني، ولا أحد يدري ماذا يكون الكيان إذن، والذي قتل أكثر من 1450 فلسطينيًّا في أقل من 22 يومًا في عدوان الرصاص المصبوب في ديسمبر ويناير الماضيَيْن!، وبهذا كرَّس عباس حالة الانقسام الفلسطيني، ورجَّح كفَّة خيارات الخارج الأمريكي الصهيوني، والمدعوم من جانب دولٍ عربيةٍ مثل مصر والأردن والعربية السعودية.

 

في المقابل لم يتعاطَ الخطاب والمؤتمر مع العديد من القضايا والملفات، بالرغم من أنها الأهم حاليًّا على الساحة الفلسطينية، مثل قضية اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بالسم، بتدبيرٍ من الكيان الصهيوني، عن طريق أيدٍ فلسطينيةٍ كما قال محضر الاجتماع الذي كشف عنه فاروق القدومي بين رئيس الوزراء الصهيوني الهالك أرييل شارون ووكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشئون السياسية نيكولاس برينز، مع كلٍّ من دحلان وعباس.

 

وبالمناسبة لم يحضر القدومي المؤتمر، وأفادت أنباءٌ بأنَّ هناك اتجاهًا لتصفية الدائرة السياسية في منظمة التحرير، وفرض قيود مالية على القدومي ومكتب المنظمة في واشنطن بسبب ذلك.

 

بالإضافة إلى ذلك تجاوز خطاب عباس والمؤتمر تمامًا أي حديثٍ عن مشكلة 1.5 مليون فلسطينيٍّ محاصرين في قطاع غزة، وكل ما ناله فلسطينيو القطاع من مؤتمر "فتح" تهديدات عباس بقطع الإمدادات المالية عن القطاع؛ بسبب منع "حماس" مشاركة عناصر "فتح" في غزة في مؤتمر بيت لحم.

 

كما تجاهل أية إشارةٍ إلى العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وكانت كل مشكلات الفلسطينيين مع الكيان الصهيوني تكمن في بناء المغتصبات في الضفة الغربية المحتلة، كما لم يعبأ المؤتمر بأيَّة مشكلاتٍ أخرى تخص القضية الفلسطينية، كاللاجئين، وكيفية التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وبرنامج الحكومة الصهيونية الحالية.

 

ولكن على سلبية الصورة ومساوئها، فإنه لا يزال هناك جانب إيجابيّ لها، وهي أنَّ هناك العديد من المشكلات أثارتها قياداتٌ في "فتح" في وجه المجموعة المتنفذة في الحركة، وعلى رأسها العقيد محمد دحلان أحد أبرز رموز الفساد والتعاون مع الكيان في الحركة، ويبقى أنْ يكون لهذه المجموعة الرافضة لهذه السياسات موقف حاسم تزيح به هذه الغمة التي أظلت القضية الفلسطينية بظلالها السوداء!.