يعيش اليمن في هذه الآونة واحدةً من أسوأ الأزمات التي مرَّ بها بلدٌ عربيٌّ في غضون العقود الخمسة الماضية منذ حركات التحرر التي مرَّت رياحها على العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين؛ حيث تأكل النار المشتعلة في محافظة صعدة الأخضر واليابس شمال اليمن في ظلِّ الصراع المسلح القائم حاليًّا ما بين الدولة اليمنية وجماعة الحوثيين، والتي امتدت آثارها لتهدد وحدة الدولة اليمنية، مع تزامنها مع الأزمة التي افتعلتها دوائر ما يُعرف بـ"الحراك الجنوبي" بشأن مستقبل الوحدة اليمنية.
وتزداد ضبابية الصورة فيما يخص مستقبل اليمن الذي كان سعيدًا، تارةً بين "عروض" الدولة على الحوثيين لإلقاء السلاح ورفع كافة المظاهر الأمنية من على الأرض في محافظة صعدة الغنية بالنفط، في مقابل مطالب الحوثيين بتنفيذ اتفاق الدوحة المعروف باسم اتفاق "هبرة- الإرياني" الذي توصَّل إليه الطرفان العام الماضي، وتارةً أخرى مع واقع الحال على أرض الواقع وبونه الشاسع.
فقد بدأت القوات المسلحة اليمنية في استخدام كلِّ ما في جعبتها من أسلحة، بما في ذلك القصف الجوي لضرب معاقل الحوثيين في محافظتَيْ صعدة وعمران، فيما لجأت العناصر الحوثية إلى قطع الطرقات عن طريق نقاط أمنية مع اللجوء إلى أسلوب الرهائن من بين السكان المحليين والسياح الغربيون؛ حيث تحتجز القوات الحوثية أسرة ألمانية من خمسة أفراد وبريطانيّ واحد.
هذه الأوضاع- كالمعتاد في مثل هذه النزاعات الأهلية- أدَّت إلى ثمن باهظ يدفعه المدنيون؛ حيث قالت تقارير الأمم المتحدة إن الأزمة الحالية التي بدأت قبل حوالي أسبوعَيْن، أدَّت إلى نزوح أكثر من 100 ألف يمنيّ من مناطق القتال، وهو وضعٌ لم تشهده دولةٌ عربيةٌ من المفترض أنَّ بها حكومةٌ مركزيةٌ وتعيش أوضاعًا عاديةً نسبيًّا مثل اليمن؛ كما أنَّ أعداد النازحين بهذا الحجم لم تعرفها دولةٌ عربيةٌ باستثناء الصومال الذي لا يوجد به حكومةٌ مركزيةٌ منذ ما يقرب من عقدَيْن، والسودان إبَّان سنوات الحرب الأهلية بين الجنوب والشمال، وفي إطار أزمة دارفور.
وهو ما يشير إلى أمر شديد الخطورة، وهو أنَّ اليمن، في ظل التأثيرات المزدوجة لأزمة الحوثيين مع دعاة الانفصال في الجنوب، في سبيله لكي يصبح "دولةً فاشلةً" بمقاييس علوم النظم والسياسة الدولية، وهو ما تتحمل مسئوليته جميع الأطراف في الداخل بما فيها الدولة، والأطراف الخارجية المتورطة في الأزمة.
ويتهم اليمن إيران بدعم الحوثيين بالمال والسلاح؛ حيث نقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ. ف. ب) عن مسئول أمني يمنيّ قوله إنَّ الجيش اليمني في الأيام الماضية استولى على أسلحة إيرانية الصنع، تستخدمها جماعة الحوثي، موضحًا أنَّ الجيش اكتشف ستة مخازن للأسلحة المملوكة للحوثيين، وبعض الأسلحة المصنوعة في إيران وتشمل مدافع رشاشة وصواريخ قصيرة المدى وذخائر.
ومن جهة أخرى فإنَّ الحكومة اليمنية متهمةٌ بأنَّها وراء الأزمات الحالية التي يمر بها اليمن، مع استجابتها لكثير من الإملاءات الأمريكية سياسيًّا وأمنيًّا، وخصوصًا في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، بشكل تناقض في كثير من جوانبه مع ثوابت ومفردات المجتمع اليمني، بما أدَّى إلى هذه المشكلة، تمامًا كما هو الحال في باكستان، وفي كلا الحالتَيْن كان ملف عرقلة الإسلاميين ومكافحة ما يُعرَف بـ"الإرهاب" هو العامل الذي يقف خلف المشكلات القائمة في البلدَيْن.
أصل المشكلة
عناصر من مؤيدي الحوثي
يُعتَبَر ملف التمرد الحوثي أحد أبرز الملفات السياسية الأهم المطروحة على الساحة العربية في الوقت الرَّاهن على ارتباطها بعدد من القضايا السِّياسيَّة والأمنيَّة المطروحة في العالم العربي بالوقت الرَّاهن، مثل ما يذاع عن التدخُّلات الإيرانيَّة بالوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط، وكذلك الملف الأمنيِّ في مناطق الثَّغر الجنوبي للعالم العربي.

وفي هذا الإطار المعقد لهذه الأزمة فإنَّ هناك التباساتٌ كبيرةٌ فيما يخص أصل المشكلة والطرف المسئول عنها، وكذلك الخلفيات الخاصة بالأزمة، وسبل التعامل الحالي معها ما بين السياسة الرسمية لصنعاء إزاءها، والوساطة القطرية في الأزمة ذات الأبعاد الإقليمية والدولية، والأهداف غير المعلنة لجماعة الحوثيين.
ولكن قبل التعرض لهذه القضايا فإنَّه من المهم التعرف على الطرف الآخر للمشكلة، والذي يواجه الحكومة اليمنية حاليًّا، وهو جماعة حسين بدر الدين الحوثي، التي عُرِفَت إعلاميًّا بـ"جماعة الحوثي".
بدأت جماعة الحوثي من خلال تنظيم عُرف باسم جماعة "الشباب المؤمن"، وظهرت قبل سنوات في اليمن، ومن خلال الاسم، فإنَّه من الواضح أنَّ للعنوان ارتباطًا بأيديولوجية دينية.
وكان أبرز نشاط علنيّ لهذه الجماعة هو ترديد أتباعها لشعار ذو طابع دينيٍّ وسياسيٍّ بعد أية صلاة جماعة، ولا سيما صلاة الجمعة، ويقول هذا الشِّعار: "الله أكبر.. الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. النصر للإسلام"، وكان يتم ترديد هذا الشعار في بعض مساجد العاصمة اليمنية صنعاء، مثل مسجد صنعاء الكبير، وفي بعض مساجد صعدة، مثل مسجد الهادي.
وقامت الأجهزة الأمنية اليمنية باعتقال عشرات من أعضاء هذه الجماعة ممن ضبطوا أثناء ترديدهم لهذا الشعار، وأمضى بعضهم ما يقرب من عشرة أعوام في المعتقلات في صنعاء وصعدة وغيرهما، ورغم إعلان العفو العام من قبل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن كل معتقل على ذمة الشعار، بل وحتى ممن تم القبض عليه في ساحة المواجهة العسكرية؛ فإن الأغلبية الساحقة منهم ترفض الخروج من السجن ما دام ذلك مشروطًا بتعهد يضمن عدم التكرار.
ويقول محللون إنَّ ذلك يعني وجود بناء صلب من العقيدة لدى الحوثيين، حتى ليفضلون البقاء في المعتقلات عن التراجع عن شعاراتهم.
وفي أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة سعت السلطات السياسية والأمنية اليمنية لإجراء حوار مع معتقلي جماعة الشباب المؤمن، وجمعهم مع شخصيات علمية بارز تمثل المرجعية التقليدية لكل أتباع المذهب الأيزيدي- وليس الزيدي وهو خطأٌ شائعٌ في توصيف الحوثيِّين- الذي ينتمي إليه في الأصل كل أتباع الجماعة، بل وحتى المتحولون منهم إلى المذهب الإثنى عشري الجعفري، وكلاهما من مذاهب الشيعة.
وقد تمت الاستعانة بدعاة آخرين من داخل اليمن وخارجه، ومن بينهم دعاةٌ على المذهب السُّنِّي، وفي هذا الإطار استغلت السلطات اليمنية الزيارة الوحيدة التي قام بها الداعية المصري المعروف عمرو خالد إلى اليمن في ربيع العام 2004م، فجمعته بالمعتقلين من أتباع الحوثي، وألقى فيهم موعظة تتصل بالاعتدال والتوسط، والبعد عن فكر العنف، ولكنها كلها محاولاتٌ لم تفلح.
التصعيد العسكري
فرضت مجموعةٌ من العوامل حدوث التصعيد العسكري بين الجانبَيْن، وفي هذا الإطار تتهم اليمن إيران بدعم الحوثيين، ضمن مساعيها لفرض نفوذها الإقليميِّ السياسي والمذهبي في البلدان العربية، ضمن مشروع نشر الثورة الإيرانية، بينما يتهم الحوثيون الحكومة بأنَّها شنَّت الحرب عليهم بتحريضٍ من الولايات المتحدة، بعد إحساس واشنطن في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن بالخطر من شعاراتهم.
وفي العام 2004م، ذكر بعض المقربون من الحركة أنَّ السفارة الأمريكية في صنعاء قدمت تمويل غير محدود للحكومة اليمنية لشراء السلاح من المواطنين، في مقابل ذلك حثَّ حسين الحوثي مؤسس الحركة وأبوها الروحي، أنصاره على تكديس السلاح، مع التحذير من المخططات الأمريكية الساعية للهيمنة على المنطقة، وإقامة قواعد للولايات المتحدة في اليمن.
وتطورت الأمور بين حسين الحوثي والسلطة بعد عدم استجابته لدعوة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح لمقابلته في صنعاء، ورفض الحوثي التخلي عن ترديد أنصاره هذه الشعارات بالمساجد، ووقف تحريضهم على الخروج على الدولة والطعن في شرعية النظام القائم.
وكان المعتقلون- بحسب تصريحات بعض أعضاء لجنة الحوار معهم- كلما طلب منهم التراجع أو (التوبة) قالوا: "ائتوا لنا بإذن من سيدي حسين"، ولكن حسين الحوثي قُتل في المعارك التي دارت بين الحكومة والحوثيين في 8 سبتمبر 2004م.
خلفيات سياسية
القوات المسلَّحة اليمنية تواصل تعزيزها لمواجهة أنصار الحوثي
المثير للاستغراب في هذه الأزمة أنَّ جماعة "الشباب المؤمن"، التي هي أساس حركة الحوثي، كانت في الأساس مٌكوِّنًا من مكونات حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، ولكن من زاوية غير معتادة في العمل السياسي.

ففي تقريرٍ لوزارة الداخلية اليمنية صدر في العام 2005م، بعد انتهاء جولات القتال الأولى بين الجانبَيْن، فإنَّه تم ضبط وثائق تمثل توجيهات ومحاضرات خاصة بأتباع الحوثي تدعوهم للانخراط في عضوية الحزب الحاكم بهدف السيطرة عليه.
وكان المثير للاستغراب في حينه إقدام الحوثيين على هذه الخطوة؛ حيث من المعروف وجود خصومة سياسية ما بين الحزب الحاكم في اليمن مع كل ألوان طيف الجماعات والحركات الإسلامية في البلاد، وخصوصًا الجماعات السلفية والجهادية.
كما أنَّ مرجعية الحوثيين على اختلافٍ كاملٍ مع فكر الثورة والجمهورية، ومتهمةً بالدعوة إلى الانقلاب على النظام الجمهوري الحالي وإعادة النظام الإمامي المندثر في العام 1962م.
وعودةٌ إلى تسلسل الأحداث في الأزمة، فإنَّه بعد فترة من توقف المعارك بعد مصرع حسين الحوثي، تجددت الأحداث على يد أبيه الشيخ بدر الدين الحوثي؛ حيث تولى قيادة الجولة الجديدة التي بدأت شرارتها بمقتل جندي حكومي في منطقة الطلح التابعة لمحافظة صعدة في 19 مارس 2005م، وتنتهي في 11 أبريل 2005م، باجتياح القوات الحكومية لمنطقة الرزامات التي خرج منها عبد الله الرزامي، الرجل الثاني في الجماعة بعد حسين الحوثي.
تلا ذلك جولة ثالثة من القتال بدأت يوم 18 ديسمبر 2005م، واستمرت حتى اجتماعات الدوحة في شتاء العام الماضي 2008م؛ حيث قامت قطر بمحاولة وساطة بين فرقاء الأزمة في اليمن، وأسفرت عن توصل الطرفين للاتفاق المعروف باسم اتفاق (هبرة- الإرياني)- نسبة إلى كبير المفاوضين الحوثيين صالح هبرة وكبير المفاوضين الحكوميين عبد الكريم الإرياني- والمُوقَّع في العاصمة القطرية الدوحة في 1 فبراير 2008م.
وثبت الاتفاق هدنة هشة بين الطرفين، ويلزم الاتفاق كلاًّ من الحكومة والحوثيين بوقف إطلاق النار، وإعادة إعمار مناطق الحوثيين وتسليم المتمردين لأسلحتهم الثقيلة.
إلا أن الهدوء سرعان ما تبدد في 25 أبريل 2008م، بمناوشات بين الجانبَيْن، وتطورت الأمور بعد تفجير مسجد صغير قديم قرب صعدة في 2 مايو 2008م؛ حيث سقط 16 قتيلاً وعشرة جرحى في الهجوم الانتحاري الذي تم تنفيذه بواسطة دراجة بخارية، وكان خطيب المسجد معروفًا بأنَّه يُعدُّ من القادة العسكريين في المنطقة، وبكونه من المناوئين للحوثيين، كما أن المسجد كان يؤمه الكثير من الجنود الحكوميين العاملين في المنطقة.
ولكن الحوثيون الذين يقودهم حاليًّا عبد الملك الحوثي نجل حسين الحوثي بعد مقتل بدر الدين الحوثي في مواجهات العام 2007م، قالوا إنَّ الحكومة اليمنية وراء هذا التفجير لإفشال الاتفاق، وامتدت المواجهات بين الجانبَيْن العام الماضي لتقترب من العاصمة اليمنية صنعاء، ولكن الحكومة اليمنية استطاعت طرد عناصر الحوثيين من منطقة وادي بني حشيش الذي يقع على بعد 20 كيلومترًا شمال شرق صنعاء، وردتهم إلى معاقلهم في شمال اليمن.
مستقبل غامض
دعا الحوثيون إلى العودة لاتفاق الدوحة، وحتى هذه اللحظة، لا يبدو أنَّ أي اتفاقٍ سينجح في إنهاء مشكلة صعدة أو على الأقل حلحلة الأزمة قليلاً، والدَّفع بها باتجاه الحل، مع نزوح أكثر من 100 ألف شخص بسبب العمليات العسكرية، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة كما سبق القول.
وما زالت الدولة تُحمِّل الحوثيين مسئولية عرقلة وتعطيل بعض بنود الاتفاق، وأهمها البند السابع المتعلق ببسط نفوذها على كل مناطق صعدة، والحوثي يؤكد بأنَّ تنفيذ البند السابع، لن يتم إلا عند سحب السلطة للجيش من القرى والمزارع والبيوت، ورفع نقاط التفتيش من الطرق، وتغيير بعض أعضاء السلطة المحلية، وإلا فإنَّ الاتفاق مكتوب عليه الاحتضار بحسب قول قيادات الحوثيين.
الخطير في الأمر أنَّ سنوات الحرب السابقة أكسبت الحوثيين خبرةً قتاليَّةً عاليةً، ومكَّنتهم من معرفة نسق عمل القوات الحكومية وطريقتها في القتال في منطقة جغرافية تقاتل فيها الحركة إلى جانب أبنائها.
الشيء الآخر، هو أنَّ النفوذ الكبير لجماعة الحوثي لا يتوقف عند مناطق صعدة فحسب، بل هو ممتدٌ كذلك داخل السلطة نفسها اليمنية نفسها، وهذا ما أكده عبد الملك الحَوْثيِّ، بقوله: "لنا علاقةٌ طيَّبةٌ ببعض الشُّرفاء داخل المؤسسة العسكرية وداخل بعض المُؤسَّسات الرسمية الأخرى".
ولعل هذا ما ساعد الحوثيين في الحصول على أسلحةٍ من داخل المؤسسة العسكريَّة نفسها، وعزز صمودهم كل تلك الفترة الطويلة (2004- 2009م) أمام قوات الجيش اليمني.
ومن هنا فإنَّه من غير المنتظر انتهاء الأزمة بسهولة، مع تزامن هذه الأحداث مع اضطراباتٍ أُخرى في اليمن، من بينها اضطرابات الجنوب من جانب دعاة الانفصال، بالإضافةِ إلى مطالب المتقاعدين وبعض الفئات الاجتماعية الأخرى ذات المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.