لم يكن يخطر في بال الكاتب أحمد رائف صاحب كتاب "البوابة السوداء" أن قصص وفصول المعاناة التي سردها بين دفتي كتابه ستتكرر مرةً أخرى؛ ولكن هذه المرة في فلسطين مع اختلاف الزمان والمكان، وتطابق الأحداث، وتشابه الوقائع والأساليب.
مرت جماعة الإخوان المسلمين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمحنتها الأولى، وتعرضت خلالها لحرب شاملة من قِبل النظام الناصري؛ بحجة إعداد الجماعة للانقضاض والانقلاب على الحكومة، وهو ما دفع النظام في حينه إلى اعتقال الآلاف من كوادر الحركة، وزجَّتهم في سجونها لعشرات السنين، تعرَّضوا خلالها لأقسى وأعنف وأشد أساليب التعذيب التي يمكن أن لا يتصورها عقل إنسان.
واليوم وبعد نصف قرن من الزمان، ها هو التاريخ يعيد نفسه؛ حيث شنَّت السلطة وأجهزتها الأمنية حربًا استئصالية شاملة ضد حركة حماس التي خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وساقت لتبرير ذلك نفس الحجج والأوهام، تحت مسمى منع تكرار الذي حدث في غزة، ومنع وقوع "انقلاب" على أرض الضفة الغربية.
تشير الإحصائيات والأرقام الصادرة عن حركة حماس إلى اعتقال مختلف شرائح الحركة والأعمار من أطباء، وصيادلة، وأساتذة في الجامعات، ومعلمين، ومحامين، وقضاة شرعيين، ونقابيين، وأعضاء مجالس بلدية، وصحفيين، وأدباء، وكتّاب، ومهندسين، ورجال أعمال، وتجار، وخطباء مساجد، وعلماء شرعيين، وعمال، وحرفيين، كما كان لطلاب الجامعات النصيب الأكبر من هذه الحملة المسعورة على مدار الساعة واليوم، كما امتدت هذه الحملة لتشمل النساء (أخوات زينب الغزالي).
التعذيب من أول لحظة
هكذا تعامل أجهزة عباس أنصار حماس بالضفة!!
وغالبًا ما يتم اعتقال هؤلاء الكوادر، إما من خلال الاعتقال المباشر؛ حيث تصل قوات كبيرة من أجهزة السلطة وبالتحديد وصول جهازي الأمن الوقائي والمخابرات إلى المنزل المستهدف، وتقوم باعتقال الشخص "المطلوب"، أو من خلال إرسال طلب استدعاء للمقابلة في أحد مقرات تلك الأجهزة المنتشرة في جميع مدن الضفة الغربية.

فور وصول المعتقل مقر الجهاز الأمني تبدأ فصول المعاناة من أول لحظة؛ حيث يتم أخذ أمانات المعتقل، ويتم إخضاعه إلى الكشف الطبي الشكلي من قِبل طبيب متحامل وحاقد (هو بالأساس عنصر من عناصر تلك الأجهزة)، ثم يؤخذ المعتقل إلى ساحة الشبح قبل أن يُسأل أي سؤال.
وزيادة في حجم الضغط النفسي على المعتقل يتمُّ ربط أيدي المعتقل وتعصيب عينيه بوشاح أخضر (شعار حركة حماس) مكتوب عليه عبارة التوحيد، وتترافق عملية الشبح تلك مع الضرب بالكرابيج والأسلاك البلاستيكية على جميع أنحاء الجسم، كما يتم وضع كيس من "الخيش" ذي رائحة نتنة على رأس المعتقل، هذا بالإضافة إلى شتم المعتقل وأهله بالألفاظ النابية والدنيئة، كما يُجبر المعتقل على تقليد أصوات الحيوانات، وتمجيد حركة فتح، وشتم حركة حماس وقادتها.
تمتد عملية الشبح لساعات طوال قد تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 20 ساعة في اليوم، ولا يُفك المعتقل إلا عند قضاء الحاجة أو الصلاة أو الأكل، وقد يتم في بعض الحالات حرمان الأسير من الصلاة والأكل لعدة أيام.
وتترافق عملية الشبح المتواصلة مع إجبار المعتقل على سماع أصوات صاخبة ومزعجة؛ كصوت صراخ وهمي لمعتقل، يمثل أنه سيموت من التعذيب أو أصوات لأبواب تُغلق وتُفتح بشدة، هذا بالإضافة إلى الأغاني الفتحاوية التي تهاجم حركة حماس.
الشبح لساعات
وللشبح عند الأجهزة الأمنية عدة أشكال وطرق، أقلها البقاء وقفًا لعدة ساعات، كما تشمل أيضًا ربط الأيدي في قضيب معدني معلق في السقف، مع إجبار المعتقل على حنو ظهره؛ مما يسبب الآمًا شديدةً في أسفل الظهر، كما يتم في بعض الأحيان تعليق المعتقل في الهواء؛ بحيث يكون مربوطًا بواسطة حبال أو سلاسل من كتفيه؛ مما يسبب تمزقًا في العضلات، وقد يتم كذلك تعليق المعتقل من قدميه؛ بحيث يكون رأسه متدليًا إلى الأسفل، وتسبب هذه الوضعية تخثر في الدم، وقد ينتج عنها حالات تجلط، كما يتم شبح المعتقل بإجباره على الوقوف على علبة معدنية صغيرة مسننة وحادة الأطراف؛ مما يسبب حدوث جروح وتشققات في قدمي الأسير.
وغالبًا ما يبتدع زبانية وجلادو الأجهزة الأمنية طرقًا جديدةً ومبتكرةًً للتعذيب والشبح؛ حيث يقول أحد المعتقلين السابقين في سجون السلطة: "في أحد أيام الشبح، جاء الضابط المسئول عن التحقيق، وطلب من العساكر أن يقوموا بشبحي بطريقة جديدة وصعبة جدًّا، وعند سؤال المحقق من قِبل العساكر عن كيفية ابتداعه لهذه الطريقة، أجاب: بأنه شاهدها ليلة أمس في أحد الأفلام".
ويضيف هذا الشاب: وبعد عدة أيام طلب هذا المحقق من العساكر أن يقوموا بشبحي بوضعية جديدة، وعند تكرار نفس السؤال السابق أجاب أنه هذه المرة قد رأها في منامه، وأن الشيطان قد أوحى له بها.
وقد أدَّت عمليات الشبح تلك إلى إصابة العديد من معتقلي حركة حماس بكسور في الأطراف، هذا بالإضافة إلى حالات تمزق في العضلات وخلع في الأكتاف، وإصابات خطيرة في الجمجمة والرأس.
وللدلالة على ذلك نسرد هنا ما حصل مع المختطف "عامر غزال" من مدينة نابلس الذي مكث عند الأجهزة الأمنية في سجن جنيد أسبوعًا واحدًا دون علم أهله، ثم تمَّ نقله إلى أحد مستشفيات المدينة الذي وصلها مشلولاً شللاً تامًّا، لا يتحرك في جسده شيء باستثناء لسانه، وذلك بعد أن انقطع به حبل الشبح الذي كان معلقًا به في الهواء.
تكسير أضلاع وخلع أظافر
أجهزة عباس دايتون تعتقل أحد أنصار حماس بالضفة
وبعد أن يُنهك جسد المعتقل، وبعد ساعات طوال من الشبح المتواصل، يتم نقل المختطف إلى زنزانة مظلمة وعفنه تحت الأرض، لا تصلها أشعة الشمس، وهي حارة وجافة جدًّا في الصيف وباردة في الشتاء، وغالبًا ما تكون هذه الزنزانة صغيرة جدًّا، ولا تتسع إلا لمعتقل واحد، وتتسرب منها المياه العادمة، وتنبعث منها الرائحة النتنة، كما يُجبر المعتقل على النوم على بلاط الزنزانة لعدم احتوائها على الفراش أو "البطانيات"، وقد يمكث المعتقل في هذه الزنزانة عدة أشهر، ولا يسمح له خلالها بحلاقة شعره، أو قص أظافره، أو تبديل ملابسه.

وخلال مكوث المعتقل في الزنزانة يتم استجواب المعتقل من قِبل المحققين الذين لا يعتمدون سوى أسلوب الضرب لانتزاع المعلومات والاعترافات التي تُؤخذ من المعتقل في أغلب الأحيان من شدة التعذيب.
وفي بعض الحالات يتم تمديد المعتقل على طاولة، ويُجبر على مد ذراعيه ورجليه عليها، ثم ينهال عدد من العساكر بالضرب بواسطة عصًا غليظة- شبيهة بعصا الفؤوس- على أطراف الأسير؛ مما يسبب كسورًا في الأطراف، وهو المشهد الذي تكرر مع عدد من المعتقلين، كما يقوم عناصر جهاز الأمن الوقائي في كثير من الأحيان بسحب وقلع أظافر المعتقلين من أبناء حركة حماس، بواسطة كماشات خاصة، وهو ما أكده أهالي هؤلاء المعتقلين الذين سُمح لهم بزيارة أبنائهم، فور انتهاء فترة التحقيق حيث شاهدوا أظافر أبنائهم وهي مخلوعة من مكانها وملفوفة بشاش أبيض تبدو عليه علامات الدم.
وقد أسفرت عمليات التعذيب الشديدة لعناصر وكوادر حركة حماس عن استشهاد خمسة منهم، هم: الشيخ (كمال أبو طعمية) (44 عامًا)، (فادي حسني حمادنة) (28 عامًا)، الشيخ (مجد البرغوثي)، و(محمد عبد الحاج)، والممرض (هيثم عمرو)، وقد تشابهت ظروف استشهاد هؤلاء؛ حيث ظهرت على أجسادهم علامات التعذيب والدم المتجلط والبقع الزرقاء والكدمات وإطفاء أعقاب السجائر بأجسامهم.
تشويه متعمد
كما يتم في كثير من الأحيان حرمان المعتقل من النوم لعدة أيام متواصلة يصل فيها المعتقل إلى مرحلة (الهلوسة)، والتشتت الذهني من كثرة التعب الجسدي، وفي حال حاول المعتقل سرقة سنة من النوم يعاجله زبانية التحقيق بدلو (سطل) من الماء البارد.
ومن الأساليب النفسية التي يستخدمها محققو السلطة؛ هي التشكيك بقيادة حماس، وتشويه صورتها أمام الأفراد؛ حيث غالبًا ما يلعب المحققون على وتر أن قادة حماس متورطون بتصفية بعض كوادر القسام، أو أن القيادي الفلاني مشتبه بسرقة أموال التنظيم.
وإمعانًا في الأذى النفسي الذي قد يفوق في كثير من الأحيان العذاب الجسدي، يتعمد المحققون إهانة مشايخ وعلماء الحركة الإسلامية، من خلال حلق لحاهم وشعر رؤوسهم، وحتى حواجبهم، كما يتم ضربهم بالأحذية على رؤوسهم ووجوههم، كل ذلك على مرأى ومسمع من عناصر وشباب حركة حماس.
بلا محاكمة
وخلال فترة اعتقال عناصر حماس في سجون السلطة لا يتم عرضهم على المحاكم المدنية، ولا يسمح لهم بزيارة المحامي أو الترافع عنهم، وفي حال تجرَّأ واحد من هؤلاء المحامين على ذلك، يتعرض للكثير من الضغوطات من قِبل أجهزة السلطة، ويتم ملاحقته وتهديده، وفي حال أصرَّ، أيٌّ من هؤلاء المحامين على مواصلة السير بالإجراءات القانونية، وفي حال أخذ قرارًا من المحكمة العليا الفلسطينية لا يتم تنفيذ هذه القرارات، وتبقى حبرًا على ورق.
وقد قامت السلطة في بعض الأحيان بعرض هؤلاء المعتقلين على المحاكم العسكرية، وصدر بحقهم قرارات بالاعتقال لعدة سنوات، وهو الأمر الذي يعتبر مخالفًا للقانون الفلسطيني الذي يمنع ظهور المواطن المدني أمام المحاكم العسكرية، والذي يكون القاضي فيها بالأساس هو من عناصر الأجهزة الأمنية، ويكون قرار الحكم مجهزًا ومفصلاً سلفًا على مقاس الأسير.
في حقيقة الأمر يرى العديد من المراقبين أن السلطة تهدف من هذه الإجراءات القمعية بحق معتقلي وكوادر حركة حماس؛ هو الضغط عليها بغرض دفعها لتقديم تنازلات سياسية، هذا بالإضافة إلى تحطيم الروح المعنوية لهؤلاء العناصر، وبهدف ردع غيرهم، وجعلهم يفكرون ألف مرة قبل أن يتخذوا قرارًا بالانتماء لحركة حماس، أو تقلد أي منصب فيها، وهو ما عبَّر عنه صراحة أحد قادة جهاز المخابرات؛ حيث قالها إنه لن يطلق سراح أيٍّ من معتقلي حماس، ألا بعد أن يتسبب له إما بإعاقة جسدية أو مرض نفسي.