فتحت مدارس قطاع غزة أمس أبوابها أمام طلابها، بعد إجازة صيفية استمرت لثلاثة أشهر، انشغل فيها الطلاب بإعالة عائلاتهم التي أضناها الحصار المفروض منذ ثلاثة أعوام.

 

فمع ساعات الصباح الأولى شُوهد الآلاف من الطلاب يتوجهون إلى المدارس التي تمَّ استصلاح بعضها، بعد أن دمَّر الاحتلال الصهيوني 35 مدرسةً حكوميةً من إجمالي 384 مدرسةً تابعةً لوزارة التربية تضم 250 ألف طالب، وتضرر عدد من مدارس (الأونروا) التي تضم 200 ألف طالب، كما حدث مع مدرسة الفاخورة في بلدة جباليا شمال القطاع؛ حيث استشهد أكثر من 40 مواطنًا كانوا يحتمون بداخلها.

 

ونالت مدارس شمال غزة القسط الأكبر من التدمير، وتمَّ ترحيل طلابها إلى مدارس أخرى لتعمل بنظام الفترتين والثلاث.

 

وفور وصول الطلاب إلى مدارسهم عاد إلى ذاكرتهم عدد من زملائهم الذين استشهدوا، وأُصيب بعضهم بإعاقات ستمنعهم من الجلوس على مقاعدهم الدراسية من جديد؛ مما أدخل الحزن إلى نفوس الطلبة.

 

وفي مدرسة الذكور في بيت لاهيا، تجمع الأولاد في باحتها حاملين حقائبهم وهم يصرخون ويلهون بمحاذاة قاعة أحرقت؛ نتيجة استهدافها بقذيفة صهيونية.

 

وأُصيبت هذه المدرسة، وأُحرقت إبان الحرب الأخيرة، واستشهد فيها صبيان في الخامسة والسابعة، وأُصيب العشرات بجروح، بينهم والدتهما التي بُترت ساقها.

 

وحاولت قوات الاحتلال من خلال عدوانها السافر أن توحي للطلاب في غزة وعن بعد أن صوت المدفع أقوى من جرس المدرسة؛ لكنها لم تفلح في إخضاعهم، فالعدوان زادهم صلابةً وصمودًا وتشبثًا بالعلم والوطن.

 

وفي مدرسة الحياة تعلموا أنه لا شيء مستحيل، رغم كل المآسي والصعاب ومع ساعات الصباح الأولى شوهد الآلاف من الطلاب يتوجهون إلى المدارس التي استصلحتها كلٌّ من وزارة التربية والتعليم و(الأونروا)، وجهَّزتها للدوام في جميع محافظات قطاع غزة.‏

 الصورة غير متاحة

الصهاينة قصفوا مدارس الأونروا

 

وحسب (الأونروا) عاد نحو 250 ألف طالب للدراسة، رغم أن قوات الاحتلال دمرت الكثير من المدارس الحكومية أو التابعة لـ(الأونروا) تدميرًا كليًّا.

 

وتقول إحدى الطالبات لـ(إخوان أون لاين): "أريد أن أوجه رسالةً إلى العدو الصهيوني الجبان.. نحن لا نخافكم.. سوف نتعلم ونكبر حتى لو في الخيام.. لن تكسر عزيمتنا".‏

 

بينما يقول الطالب سائد محمود إن تدمير مدرسته بالكامل من قِبل جيش الاحتلال لن يثنيه عن مواصلة تعليمه، والحصول على أعلى الدرجات، رغم أنه كما يشير يضطر إلى التنقل ما بين مدراس شمال القطاع، والانضمام إلى فصول، وصل تعداد الطلبة فيها قرابة 80 طالبًا.

 

وانعكس الحصار الصهيوني المفروض على غزة على العام الدراسي الجديد؛ حيث اضطرت العديد من العائلات الغزية إلى إرسال أطفالها وأبنائها إلى المدارس بملابس العام المنصرم، رغم أن بعضها أصبحت صغيرة على الطلاب.

 

 

ويعاني مواطنو قطاع غزة من عدم توفر الزي المدرسي ومستلزمات الدراسة، بسبب إغلاق المعابر، وما يصل لغزة عبر الأنفاق أو المعابر الأرضية لا يفي باحتياجات القطاع، ويباع بأسعار مرتفعة جدًّا، ليس بمقدور الأسر التي يعتمد 80% منها على المساعدات أن تشتريها.

 

يقول المواطن محمود حجاج من سكان غزة إن حالة الفقر والبطالة حالت هذا العام دون تمكنه من توفير احتياجات العام الدراسي لأبنائه الخمسة، وأكد أنه لم يقم كعادته بالتوجه إلى السوق وشراء الملابس لأطفاله؛ بسبب حالة الفقر التي يعيشها، مشيرًا إلى الاستعاضة بالملابس القديمة.

 

وشهدت أسواق غزة خلال الأيام الماضية ركودًا كبيرًا في حركة البيع والشراء؛ حيث بدت الحركة خفيفة نظرًا لقلة المبيعات وارتفاع الأسعار.

 

ويقول رمزي العبد بائع للملابس المدرسية إن ما باعه منذ بدء التحضير لموسم الدراسة هذا العام يُعد أقل من الثلث الذي كان يبيعه في مواسم سابقة.

 

وأشار العبد إلى أن بعض العائلات استعاضت بالملابس القديمة؛ نظرًا لارتفاع حالة الفقر التي يعيشها السكان.

 الصورة غير متاحة

 طالبات أمام إحدى مدارس غزة

 

وفي سوق مدينة غزة، كان أحمد جندية (37 عامًا) ينحني على كومة من الزي المدرسي وقال: "لا أحد لديه مال للشراء"، مشيرًا إلى أنه محظوظ؛ لأنه يحصل على سبعة دولارات يوميًّا.

 

وقال: "تحت هذا الحصار أشعر أنني في سجن كبير، لا يمكن لأحد أن يغادر، البلد مغلق الآن، ونحن تحت سيطرة جهة أخرى، لا يمكنك أن تصل حتى إلى حدود بلدك آمنًا".

 

المواطنة سوزان صلاح كانت تفتش في كومة من أقلام الرصاص الرخيصة عن شيء ما، يمكن أن تشتريه لابنيها في بداية العام الدراسي الجديد.

 

وقالت صلاح التي كانت ترتدي وشاحًا على رأسها لـ(إخوان أون لاين): "ليس لدينا مال، نحن سجناء هنا"، مشيرة إلى أن زوجها الذي يشتغل عاملاً في الكيان الصهيوني قد حوصر في قطاع غزة.

 

يُشار إلى أن 80% من سكان القطاع أصبحوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية المقدمة من مؤسسات دولية وجمعيات محلية، وتعيش نحو 40% من أسر غزة تحت خط الفقر المدقع.

 

ولم يتوقف الأمر على الملابس؛ حيث طال الحصار أيضًا الكتب المدرسية، فالطفل محمد عاد للبيت في اليوم الأول مكفهر الوجه على غير عادته، رافضًا تناول طعام الغداء الذي قدمته له أمه.

 

محمد الذي يدرس في الصف الرابع بالمدرسة الابتدائية في حي الشجاعية، غضب كثيرًا؛ لأن مربي صفه، وزَّع عليه وعلى زملائه كتبًا مدرسية قديمة استخدمها الطلاب في السنة الماضية وأغلبها ممزق، وعندما حاولت أمه تهدئة روعه، أخرج كتاب القراءة من حقيبته وعدَّد أمامها الصفحات التي وجدها قد قصت من الكتاب.

 الصورة غير متاحة

أطفال غزة يؤدون واجبهم المدرسي على ضوء لامبة جاز

 

تقول والدة الطفل لـ(إخوان أون لاين): "كيف بإمكانه الاطلاع على الدروس التي لم تعد موجودة في الكتاب"، وأضافت أنه قرر كتابة الصفحات التي أزيلت من كتاب محمد حتى يكون بإمكانه مذاكرتها، والأمر هذا ينطبق أيضًا على أبنائه الأربعة الآخرين الذين يتعلمون في مدارس المخيم.

 

وكانت وزارة التربية والتعليم في غزة أكدت أنها أنهت كافة استعداداتها لبدء العام الدراسي، وبيَّنت أن نحو 250 ألف طالب وطالبة من مدراس الحكومة توجهوا إلى مقاعد الدراسة، حيث ستستقبلهم 383 مدرسة حكومية منتشرة في كافة محافظات قطاع غزة.

 

كما سيتوجه أكثر من 200 ألف طالب وطالبة إلى مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، بالإضافة إلى توجه طلبة رياض الأطفال الخاصة التي تشرف عليها وزارة التربية والتعليم العالي.

 

وأكدت الوزارة أنها انتهت من تحضير المدارس لاستقبال الطلبة؛ من حيث صيانتها، وتزويدها بالأثاث، واستكمال كافة احتياجاتها، كما تمَّ توفير الكتب وتوزيعها على المديريات ومن ثم إلى المدارس، وبيَّنت أن توفر الكتب هذا العام أفضل من العام الماضي، وأن نسبة العجز أقل بكثير، وسيتم استخدام الكتب القديمة بدل العجز مؤقتًا؛ لحين توفر الكتب الجديدة.

 

وأبرقت وزارة التربية والتعليم العالي بتهانيها للكادر التعليمي في فلسطين وللإداريين والطلبة وأولياء أمورهم؛ بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، وبداية العام الدراسي الجديد، متمنية دوام النجاح والتوفيق لكافة الطلبة.