يبدو أن الزائر السنوي قد بدأ بحزم أمتعته، رمضان يدخل أيامه الأخيرة والعشر الأواخر قد بدأت، فيما تطل ليلة القدر من بعيد كفرصة أخيرة لمن فاته الخير العظيم.
رمضان الضفة يبدو حزينًا ككل عام، ولكن علامات الحزن تبدو أكثر وضوحًا هذه السنة، فمساجد الضفة تئنُّ تحت وطأة ممارسات الاحتلال والسلطة القمعية لكل ما يمتُّ إلى الإسلام بصلة.
فلا وجود للإفطارات الجماعية في مساجد الضفة، تلك الموائد التي كانت تجمع الغني والفقير، الكبير والصغير، في مشهد روحاني يبعث على التكافل والتضامن بين المواطنين.
كانت تلك الإفطارات الجماعية تملأ ساحات مساجد الضفة قبل حسم غزة عام 2007م، وكانت تخفف عن الفقراء والمحتاجين، وتملأ القلوب بالمحبة وتقوية روح العمل الجماعي، من خلال كلمات مؤثرة ومواعظ دينية خفيفة، تملأ القلوب بالإيمان، وتحث على التعاون والتطوع لخدمة المسلمين ولما فيه الخير.
لكنَّ المشهد اليوم يبدو مختلفًا كليًّا؛ حيث منعت السلطة إقامة الإفطارات الجماعية، كما حظرت جميع النشاطات، وكل ما يتعلق بالعمل الخيري الذي هو من أهمِّ صفات الشهر الكريم، كما تراقب الأجهزة الأمينة أموال الصدقات، وتستدعي للتحقيق كل من يتصدَّق بماله أو يخرج زكاة ماله.
كما تمنع السلطة إقامة الاعتكافات داخل المساجد؛ حيث أجبرت الأئمة والمؤذنين على إغلاق أبواب الجوامع، بعد الانتهاء من ركعات التراويح الثمانية، كما لا تسمح الأجهزة وعبر وزارة أوقافها لأي شيخ أو صاحب علم بإلقاء موعظة أو درس ديني إلا بعد الحصول على إذن خطِّيٍّ من قِبَل الوزارة الفتحاوية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدَّ ليشمل إزالة مجلات الحائط الدعوية، ومصادرة الأشرطة والكاسيتات الإسلامية من المساجد؛ بحجة أنها تابعةٌ لحركة حماس، كما تمنع السلطة توزيع أي نشرة أو مطبوعة دينية، ويتعرَّض كل من يحاول ذلك للملاحقة من قِبَل عناصر الأجهزة الأمنية، هذا بالإضافة إلى منع إقامة أي احتفال ديني أو أمسية رمضانية.
مساجد بلا أئمة
التضييق على المساجد فى الضفة أحد جرائم السلطة
لم يقتصر حجم التضييق على الإسلاميين في الضفة الغربية عند هذا الحد، بل امتدَّ ليشمل أئمة المساجد الذين تمَّ فصل العشرات منهم على أيدي السلطة؛ بحجة انتمائهم أو تعاطفهم مع حركة حماس، كما تمَّ اعتقال عدد آخر منهم، وعُيِّن مكانهم "مشايخ السلطان" الذين يفتقرون للحد الأدنى من العلم والأخلاق.

فالشيخ فياض الأغبر إمام مسجد عاشور في نابلس ما زال معتقلاً في سجون السلطة منذ أكثر من 10 شهور، وكذلك الحال مع الشيخ تيسير عمران، كما لا يزال الشاب راغب عليوي مؤذن أحد مساجد نابلس معتقلاً منذ ما يقارب العام.
كما لا يزال أكثر من 800 عنصر من حماس تُغيِّبهم السلطة عن ذويهم وأقاربهم خلال هذا الشهر الفضيل، فيما لا تزال ألسنة ذويهم تدعو على الظالمين متسلِّحين بدعاء السحر وسهام القدر.
الاحتلال وتكامل المشهد
يبدو أن جسد رمضان قد أُنهِك بفعل ضربات السلطة والاحتلال؛ حيث يعاني المواطنون في رمضان من عمليات إذلال يومية على حواجز الاحتلال؛ حيث يتعمَّد جنود الاحتلال الموجودين على الحواجز على تأخير المواطنين حتى ساعات المغرب.
كما تتمُّ أغلب عمليات الاعتقال اليومية في مدن الضفة الغربية وقت السحور؛ حيث يتم اختطاف الشاب من بين عائلته وهو ما يعكر صفوهم ويبدد فرحتهم.
يكفينا شرف المحاولة
قوات الاحتلال الصهيوني تمنع المصلين من دخول المسجد الأقصى
أصبحت الصلاة في المسجد الأقصى يوم الجمعة أو إحياء ليلة القدر حلمًا يداعب مخيلة آلاف الشبان الفلسطينيين؛ حيث تمنع قوات الاحتلال من تقل أعمارهم عن 45 سنة من دخول المدينة المقدسة التي تطوقها عشرات الحواجز العسكرية؛ حتى أصبحت مقولة "يا ليتني عجوزًا" عبارة دارجة على ألسن العديد من الشبان.

وفي بعض الأحيان قد يفلح عدد يسير من الشبان الذين حالفهم الحظ بدخول المدينة، وذلك بعد مشوار صعب وشاق، يبدأ مع ساعات ما قبل الفجر، ويستمر حتى ساعات الظهيرة؛ حيث يسلك هؤلاء الشبان العديد من الطرق الالتفافية والوعرة مشيًا على الأقدام، وقد تتخلل عملية (التسلل) تلك الكثير من المخاطر بفعل صعوبة الطرق والملاحقة من قِبل جنود الاحتلال، غير أن كل هذا التعب والجهد يتبدد فور دخول المدينة المقدسة؛ حيث يتبادل هؤلاء الشباب التهاني والعناق الحميم في ساحات المسجد الأقصى.
يقول الشاب عبد الله الحمد من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية: "الصلاة في المسجد الأقصى أصبح حلمًا بالنسبة إليَّ؛ حيث لا يسمح لي بالدخول القدس بسبب عمري إلا من خلال بعض الطرق الالتفافية والوعرة.. إنه مشوار شاق ومرهق، وفيه درجة كبيرة من المجازفة التي قد تصيب أو تخطئ في النهاية، غير أن الصلاة في الأقصى رحلة تستحق المحاولة، وإن لم ننجح في الدخول فيكفينا شرف المحاولة، وقد نؤجر على نياتنا".
الفتيات الفلسطينيات ممنوعات هن كذلك من الصلاة في المسجد الأقصى، إلا بعد حصولهن على تصريح خاص من قِبل المخابرات الصهيونية، وفي أغلب الأحيان لا يعطى مئات الفتيات هذا التصريح؛ بسبب الإجراءات الأمنية.
وللفتيات أيضًا طرقهن الخاصة للتحايل على ذلك والعبور من خلال الحواجز الصهيونية؛ حيث تتعمد كثير من الفتيات للبس النقاب الذي تضعه النساء الكبيرات في العمر؛ حتى لا يعلم عمرهن الحقيقي، وفي غمرة التدافع والازدحام الشديدين على الحواجز الصهيونية تتمكن هؤلاء الفتيات من عبور الحواجز الصهيونية.
كما قد تقوم بعض الفتيات الممنوعات من العبور من خلال الحواجز الصهيونية باستعارة التصريح الخاص بالدخول من فتيات أخريات مسموحات لهن بالدخول؛ حيث تقوم تلك الفتيات بلبس نفس شال الرأس الذي يظهر بصورة الفتاة على التصريح، بحيث تبدو تشبهها.
وفي هذا السياق تقول الفتاة "تسبيح" من مدينة طولكرم: ""تقدمت بطلب الحصول على تصريح إلا أن طلبي رفض من قِبل قوات الاحتلال، لم أستسلم.. وللتغلب على ذلك.. استعرت تصريح العبور من ابنة عمي "آية" فهي تشبهني إلى حد كبير.. وقد استطعت العبور بفضل الله أولاً، ثم بسبب تطابق ملامح وجهي مع وجه ابنة عمي".
يجهِّز المواطنون الفلسطينيون أنفسهم لأداء صلاة الجمعة اليتيمة، وإحياء ليلة القدر في المسجد الأقصى قبل عدة أيام؛ حيث تنتشر إعلانات شركات النقل والباصات في كل شارع وحي في مدن الضفة الغربية، والتي تعلن من خلالها عن تسيير قوافل للصلاة في المسجد الأقصى، ويسارع المواطنون إلى التسجيل والحجز في تلك الشركات، وأخذ مكان لهم قبل فوات الأوان.
كما تصل مئات الحافلات القادمة من المناطق المحتلة عام 48 للصلاة في المسجد الأقصى؛ حيث يمنح هؤلاء بعض التسهيلات؛ لأنهم يحملون الهويات الزرقاء الصهيونية.
على كل حال، وبالرغم من جميع الإجراءات الصهيونية، وبالرغم من كل هذا التضييق والحصار للقدس، ما زال عشرات الآلاف من الفلسطينيين يشدون الرحال إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، قبلة السماء ومعراج الوفاء، في مشهد يدلِّل على فشل جميع تلك الإجراءات الصهيونية لطمس معالم المدينة المقدسة، وسلخها عن محيطها العربي والإسلامي.