يطلُّ علينا عيد الفطر المبارك، وما زالت غزة محاصَرةً، ومعابرها مغلقةً، ولكن تبقى البسمة مرسومةً على شفاه الأطفال وعلى الكبار لفرحتهم بقدوم العيد وفرحتهم برؤيتهم ابتسامة أبنائهم، فالحرب الأخيرة- رغم شراستها، ورغم جميع وسائل الحصار التي ما زالت تضرب بأطنابها في قطاع غزة منذ ثلاث سنوات وحوَّلته إلى "فقر مدقع"- إلا أن ذلك كله لم يفلح في إخفاء ملامح السعادة وأجواء الفرحة على وجوه سكان غزة الذين يستعدون خلال أيام لاستقبال عيد الفطر المبارك.

 

فغزة التي أبكت العالم على مدار ثلاث سنوات من الحصار والعدوان الأخير؛ تتزيَّن بالأضواء الملوَّنة وزحمة السير في طرقاتها وأسواقها التي تعج بالمواطنين.

 

ففي شارع "عمر المختار" الرئيسي وسط مدينة غزة، وخلال جولة لـ(إخوان أون لاين)؛ وُجد المئات من الشباب والصبايا والعائلات يتزاحمون الرصيف لشراء الملابس والحلويات استعدادًا لاستقبال العيد الذي يحلُّ بعد أشهر قليلة فقط من انتهاء الحرب الأخيرة، التي أسفرت عن استشهاد 1400 فلسطيني وإصابة المئات بجروح.

 

وتضطر الشرطة الفلسطينية عادةً إلى إغلاق شارع عمر المختار الرئيسي وسط غزة أمام حركة السير، وتفتحه للمشاة فقط، فالمحالُّ التجارية تبقى فاتحةً أبوابها طيلة الليل وحتى طلوع الفجر.

 

مشهد آخر داخل الأسواق التي تعجُّ بالمتسوقين وحاجيات العيد، رغم الإغلاق والحصار المضروب على غزة منذ ثلاث سنوات.

 

ويعزو العديد من التجار الكمَّ الهائل من الملابس والمعروضات التي تغزو الأسواق، رغم الحصار المفروض إلى الأنفاق المنتشرة بين الحدود المصرية الفلسطينية؛ حيث بات يعتمد عليها الغزيون في توفير مايحتاجه السكان من بضائع ومواد تموينية.

 

ففي سوق حي الشجاعية تمشي النساء كتفًا بكتف؛ حيث اشتهر هذا السوق في كل ما يخص النساء من مساحيق التجميل والملابس إلى بقية لوازم السيدات وأجهزة العرائس والمواليد.

 

ورغم أن الحركة نشطة كما رصدناها في غزة؛ إلا أن التجار يصفونها "بالخجولة" كالمعتاد، ويرى أحد أصحاب محلات بيع الملابس أن الإقبال على الشراء ليس كما يأملون، وعزا ذلك إلى الوضع الاقتصادي الصعب من إغلاق، وأوضاع الموظفين الذين يترقَّبون صرف رواتبهم قبل العيد، ويُجمع التجار على أن ارتفاع الأسعار خارجٌ عن إرادتهم وطال جميع الدول.

 

ملابس العيد

 الصورة غير متاحة

 أطفال غزة يعانون من الحصار الظالم

   وبين زحمة الناس وإنهاكهم في البحث عن الملابس التي تُرضي أذواقهم، التققينا في أحد المحلات التجارية في سوق "عمر المختار" المواطنة أم خليل السمن، والتي عبَّرت عن بهجتها بدخول العيد في أجواء آمنة لم تعهدها من قبل.

 

وقالت: "جئت إلى السوق لشراء ملابس العيد والحلويات والألعاب لأبنائي الثلاثة؛ لأُدخل الفرح على قلوبهم".

 

وأضافت: "كما أنني اشتريت بعض الحاجيات المساعدة في عمل العكك، فأنا كل عام أحرص على عمل كعك العيد".

 

وعن سؤالنا إذا ما كان اختلف هذا العيد عن سوابقه؛ بسبب الإغلاق والحصار ونقص المواد الأساسية؛ قالت: "هناك ارتفاع ملحوظ في الأسعار، كما أن جميع الموديلات الحديثة في السوق غير موجودة".

 

أما أبو حسين صاحب أحد المحلات في سوق "عمر المختار"؛ فأشار إلى انخفاض ملحوظ في حركة البيع خلال موسم العيد، وقال: "بدأت الناس تشتري ملابس العيد خلال الأسبوعين الماضيين، خاصةً ملابس الشباب، لكن بنسبة أقل بكثير من الأعوام الماضية".

 

تاجر آخر قاطعنا قائلاً: "لا نرفع الأسعار بإرادتنا؛ إذ إن الغلاء ظاهرة عالمية، كما أننا لا نتجه إلى شراء العديد من الأصناف بسبب ارتفاع أسعارها؛ ولمعرفتنا أنها لا تتناسب مع وضع المواطنين العام".

 

وأشار إلى أن التجار يحافظون على هامش ربح بسيط؛ حتى لا يتكبَّدوا خسارةً، فاستغلال أصحاب الأنفاق وارتفاع الأسعار أيضًا من بلد المنشأ يشكِّل السبب الرئيس للأزمة.

 

محلات الألعاب والمكسرات

وبحسب أحمد علي صاحب محل لألعاب الأطفال فإن الإقبال متفاوت بين حين والآخر، بالرغم من أن الإقبال على الألعاب والملابس يحتل الصدارة، مبينًا أن أسعار المنتجات- لا سيما الألعاب- ترتفع أوقات الأعياد.

 

ولا يتوقع التاجر حسين عليان صاحب محل لبيع المكسرات نجاحَ موسم البيع في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمادية للمواطنين، معربًا عن خشيته من استمرار حالة الكساد وضعف الإقبال على ما يعرضه، خصوصًا أنه اشترى كميات كبيرة منها، موضحًا أن الوضع حتى الآن لا يبشر بالخير كثيرًا.

 

وتمنَّى أن تنشط الحركة خلال الأيام الخمسة الأخيرة، وخصوصًا إذا صدقت الشائعات بصرف رواتب الموظفين قبل العيد.

 

غلاء فاحش

 الصورة غير متاحة

أوضاع معيشية صعبة لأطفال غزة في ظل الحصار

في حين اصطحبت أم إبراهيم أطفالها الصغار إلى ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، محاولةً إدخال البسمة على شفاههم بشراء بعض حاجيات العيد من حلوى وألعاب، إلا أنها اصطدمت بغلاء الأسعار الذي دفعها إلى تقنين الشراء بقدر المستطاع.

 

ويزيد ألم المواطنة أحلام الشيخ، مع توفيرها احتياجات العيد لأطفالها الأربعة، كون زوجها شهيدًا ولا عائل لها ولأسرتها إلا إغاثات طارئة من الجمعيات الخيرية بين الحين والآخر، وتؤكد المرأة أنها تتقاضى شهريًّا مبلغًا من المال يقدَّر بـ170 دولارًا كمخصصات لزوجها الشهيد، لكنه في ظل الغلاء واحتياجاتها الكثيرة والمتلاحقة لا يسمن ولا يغني من جوع؛ غير أنها تجتهد في الادِّخار قبل العيد بأشهر قليلة؛ لتتمكن من كسوة أطفالها، فلا يشعرون بالنقص في ظل غياب والدهم شهيدًا.

 

الكعك غائب

وللسنة الرابعة على التوالي تغيب رائحة كعك العيد من أجواء مدينة غزة؛ بسبب عدم قدرة المواطنين على توفير ما يحتاجونه بسبب الحصار وحالة الفقر.

 

أم أحمد حجاج حاولت جاهدةً أن تصنع كعك العيد لأطفالها، في ظل غياب فرحة العيد عنهم، بشراء الملابس الجديدة، واكتفائهم بما اشتروه في موسم المدرسة قبل شهر، لكنَّ محاولاتها باءت بالفشل، والأسباب مختلفة بين شحِّ الغاز المنزلي؛ حيث لا يمكنها خبزُه في بيتها وإغلاق فرن الحارة بعد معاناته من نقص الوقود، وارتفاع أسعار لوازم الكعك، خاصةً العجوة، بالإضافة إلى الدقيق والسميد والسمن والسكر، تقول المرأة: "احتياجات أسرتي كثيرة لا تتناسب مع حجم الدخل؛ لذلك قررت العزوف عن صنع الكعك هذا العام".

 

ولا تختلف عنها أم عاهد أبو سمرة؛ حيث قالت: "إنها لن تستمع إلى إلحاح أطفالها وتصنع لهم كعك العيد، وربما تكتفي بشراء بعض المحليات الجاهزة لتقدمها لمهنئيها في العيد"، والسبب لدى أم عاهد في عزوفها عن صنع كعك العيد هو فقرها والتزاماتها المالية لأطفالها الخمسة؛ منهم ثلاثة طلاب في مراحل مختلفة يحتاجون إلى كتب وقرطاسية ومصاريف مواصلات، مؤكدةً أن ما ستنفقه لصنع الكعك بإمكانها ادِّخاره لتوفير بعض من احتياجات طلابها.

 

على جانب آخر من أسواق غزة ينتشر بائعو "الفسيخ"، الذي يرى المواطنون فيه الوجبة المفضلة لديهم في أول أيام العيد.

 

وعند سؤال أحد المواطنين عن سبب شرائه؛ قال "سمكة الفسيخ لها طعم رائع، واعتدنا على شرائها منذ زمن بعيد، فكان أبي عندما كنت طفلاً يشتري لنا الفسيخ صبيحة كل يوم عيد، وما دفعني لشرائه هو التعود، وأعتبره من طقوس العيد".