يمكن القول ومن دون أدنى شك أن رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو هو المنتصر الوحيد الذي خرج من اللقاء الذي عقد بتاريخ الثاني والعشرين من سبتمبر في نيويورك على هامش مؤتمر الأمم المتحدة.

 

ويجمع العديد من المراقبين والمهتمين بالقضية الفلسطينية أن رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس والرئيس الأمريكي "بارك اوباما" قد تراجعا عن مواقفهما السابقة الرافضة لإطلاق أي مفاوضات سياسية أو لقاءات تفاوضية بين الفلسطينيين والصهاينة قبل التجميد الكامل للاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية.

 

الكاتب والمحلل السياسي بلال الحسن رأى في هذا اللقاء الثلاثي تراجعًا في مواقف الرئيس عباس؛ حيث قال: "الرئيس الفلسطيني القادم إلى اللقاء من الضفة الغربية، تراجع عن مواقفه كلها، ولسان حاله يقول: إذا كان الرئيس الأمريكي قد تراجع عن موقفه فماذا أستطيع أن أفعل أنا؟ وهكذا قال وكرر وأكد أنه لن يذهب إذا لم يتم وقف الاستيطان.. ولكنه ذهب".

 

وتابع الحسن في مقالةٍ له نُشرت في صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية: "إن هذا اللقاء يُعتبر إعلانًا صريحًا من قبل الرئيس باراك أوباما انتهاء المحاولة التي أطلقها لبدء مفاوضات فلسطينية- "إسرائيلية"، تنطلق من نقطة وقف "الاستيطان"، إلا أن نتنياهو تحداه وأعلن أنه لن يجمد الاستيطان، وبعد هذا دعاه الرئيس الأمريكي ليجتمع معه في البيت الأبيض".

 

التطبيع أولاً

 الصورة غير متاحة

جلال عارف

جلال عارف الصحفي المصري قال تعقيبًا على التحركات الأخيرة في المنطقة وفي نيويورك: إنَّ المبعوث الأمريكي السيناتور جورج ميتشيل وقع في شباك الخطة الصهيونية المعتادة لكسب الوقت؛ وذلك من خلال الدخول في التفاصيل حول قضية الاستيطان التي بدأت بموقف حازم يطلب الإيقاف الكامل والفوري للاستيطان في كافة الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس، لينتهي في القمة الأخيرة إلى حديث أوباما عن مجرد "ضبط الاستيطان".

 

ويضيف عارف: "قال ميتشيل إنَّ إيقاف بناء "المستوطنات" ليس ضروريًّا من أجل استئناف التفاوض، مع التأكيد "الإسرائيلي" بأنَّه حتى لو تم القبول بوقفٍ جزئيٍّ ومؤقت لبضعة شهورٍ، تكتفي "إسرائيل" فيها ببناء بضعة آلاف من المنازل، فإنَّ القدس مستبعدة والثمن يتضمن اعترافًا بيهودية الدولة وإجراءات لبدء التطبيع".

 

وفي هذا الإطار يقول مراقبون إنَّ الرئيس الأمريكي حاول القفز على فشل الضغوط الأمريكية على حكومة نتنياهو بإطلاق عملية التفاوض بهدف الاتفاق النهائي على حل الدولتَيْن، ولكن المشكلة أنَّ التراجع الأمريكي في قضية الاستيطان، لا يمكن أن يكون عامل نجاح للمفاوضات، وأنَّ المفاوضات لا بد أنْ يكون له سقفٌ زمنيٌّ محددٌ ومرجعيةٌ واضحةٌ لا تستثني القدس أو اللاجئين من قضايا الحل النهائي.

 

اللقاء يعيق الحوار

نواب الحركة الإسلامية الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني من جانبهم انتقدوا مشاركة عباس في اللقاء الثلاثي في نيويورك بمثابة طعنة للحوار الوطني الفلسطيني الذي ترعاه القاهرة.

 

 الصورة غير متاحة

 أولمرت وعباس في أحد اللقاءات الحميمية بينهما

وقال النواب والوزراء في بيانٍ لهم سُرِّب من داخل الأسر، ووصل (إخوان أون لاين) نسخةٌ منه: "مع كل مرة تتم فيها محاصرة حكومة الاحتلال إقليميًّا ودوليًّا، يأتي أبو مازن وسلطته في رام الله مسرعين لإلقاء طوق النجاة لهذه الحكومة، سواء كانت يمينية أو يمينية متطرفة؛ فخلال رئاسة (إيهود) أولمرت للحكومة السابقة، كانت اللقاءات الحميمة التي جمعته مع أبو مازن، يوظفها للتغطية على نشاطاته "الاستيطانية" وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني".

 

حركة حماس من جانبها اعتبرت هذا اللقاء بمثابة انحيازٍ أمريكيٍّ للاحتلال الصهيوني على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ حيث تراجع الرئيس أوباما عن مواقفه السابقة بشكلٍ فاضحٍ أمام نتنياهو، وبحضور عباس في نيويورك، عندما طالب أوباما حكومة الاحتلال باتِّخاذ خطواتٍ من شأنها ضبط البناء في المغتصبات الصهيونية، بديلاً عن مطالبته السابقة بـ"تجميد" الاستيطان، وبتأكيده ضرورة استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة.

 

وأضافت حماس في أحد بياناتها الصحفية: "إنَّ دعوة أوباما إلى مفاوضاتٍ ثنائيةٍ بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني في الوقت الراهن، تأتي تراجعًا عن دعوته السابقة لمفاوضاتٍ شاملةٍ على المسارات كافةٍ مع الدول العربية المعنية، في الوقت الذي واصل فيه مطالبة تلك الدول باتخاذ خطواتٍ تطبيعيةٍ مسبقةٍ ومجانيةٍ مع الكيان الصهيوني بذريعة المساعدة في دفع عملية السلام.

 

قمة لالتقاط الصور

الصهاينة من جانبهم خفضوا من سقف توقعاتهم من هذه القمة، على اعتبار أنَّ هذا اللقاء  لن ينتهي بالإعلان عن استئناف المفاوضات السياسية من جرَّاء استمرار الخلافات حول الاستيطان ومبادئ التسوية.

 

حيث قال سكرتير الحكومة الصهيونية تسفي هاوزر في تصريح لإذاعة الجيش الصهيوني: "إن القمة ربما تمهد في أفضل الأحوال الأرضية لمستقبلٍ آتٍ، لكنها لن ترمز لتجديد المداولات بين "إسرائيل" والفلسطينيين".

 

وتابع: "يفهم كافة الأطراف أنَّ هذه المفاوضات غير بسيطةٍ ومركبةٍ، ويستنتج أوباما اليوم أنَّ كل مَن يدخل المسيرة السياسية عن بعد يدرك صعوبتها؛ حيث الطريق طويل ولا توجد عمليات اختصار لها".

 

وبطبيعة الحال فإنَّ المشهد السياسي في الكيان الصهيوني تسوده "أجواءٌ احتفاليةٌ"؛ حيث ما حدث أثبت قدرة الكيان الصهيوني على مقاومة أية ضغوطٍ أمريكيةٍ، مع ما أشارت إليه أيضًا من تراجع شعبية سياسات أوباما في الولايات المتحدة ذاتها، الأمر الذي سيخفف من ضغوطه على الكيان الصهيوني حسب توقعات موظفين كبار فيه.

 

كما أنَّ ما حدث أثبت أيضًا ضعف موقف السلطة الفلسطينية أما الكيان؛ حيث كان عباس قد تعهَّد سلفًا عن رفضه لقاء نتنياهو قبل تجميد كامل لبناء المغتصبات في الضفة الغربية المحتلة.

 

وذكرت أوساط صهيونية أنَّ إنجاز اللقاء بدون شروطٍ وكسره للمقاطعة الفلسطينية المفروضة على نتنياهو منذ مطلع العام، يُعتبر إنجازًا للكيان الصهيوني.

 

الطريف أنَّ الأوساط الصهيونية تصف ما جرى في نيويورك بأنه "كان لغرض التقاط الصور،" ولم يؤدي لتجديد المفاوضات العالقة" بخلاف ما تقوله السلطة!

 

وأما المثير والجديد في الأمر هو أنَّ الأوساط الصهيونية أكدت أنَّ عباس استجاب في نهاية المطاف لدعوة البيت الأبيض للقاء نتينياهو بعد ضغوطٍ أمريكيةٍ مكثفة عليه، بعضها تمَّ بواسطة زعماءٍ عرب.

 

وفي الختام جاء عباس إلى هذه القمة وهو لا يملك أيًّا من نقاط القوة أو الضغط سواء على الجانب الصهيوني المتعنت أو الأمريكي المنحاز، بعد تحييده لخيار المقاومة المسلحة، والذي كان هو الخيار الوحيد القادر على الضغط على الكيان الصهيوني، وبالتالي فلا يوجد أمامه أي خيار سوى الإذعان لهذه الضغوط الدولية التي أجبرته على حضور القمة، دون أي أفقٍ سياسيٍّ.