قبل أيام، عندما أعلن القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون عن تقريره عن العدوان الصهيوني على قطاع غزة، تفاءل كل شرفاء وأحرار العالم خيرًا؛ حيث توقعوا أنْ يكون التقرير- وهو الأول من نوعه الذي يصدر عن جهة أممية، وهي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة- أول خطوةٍ على طريق محاكمة قادة الكيان الصهيوني السياسيين والعسكريين أمام محكمة العدل الدولية، على ما اقترفوه من جرائم بحق أبناء الشعب الفلسطيني خلال العدوان الذي استمرَّ على مدار 22 يومًا في ديسمبر ويناير الماضيين.
وظنَّ الكثيرون، وخصوصًا من ذوي شهداء العدوان الغاشم، أنَّه قد آن الأوان لكي تستريح رفات الأطفال والشيوخ وغيرهم ممن قتلتهم آلة الحرب الصهيونية المجنونة، وحتى في أسوأ وأسود حسابات هؤلاء، فإنَّهم توقعوا أنْ يتم عرقلة التقرير في مجلس الأمن بموجب "فيتو" أمريكي كما هو معتادٌ في مثل هذه الحالات، إلا أنَّ الجميع لم يتوقع أنْ يتم إهدار الدم الفلسطيني بتضامن عربي إسلامي هذه المرة!!.
لكن الذي حدث أنَّ المجموعة العربية والإسلامية داخل المجلس الأممي تنادت فيما بينها للدعوة إلى تأجيل عرض التقرير على المجلس إلى دورته المقبلة، والمقررة في شهر مارس الماضي، وكان اللافت أنَّ المبعوث الباكستاني إلى المجلس زامير أكرم هو الذي أعلن الطلب العربي الإسلامي بحجة أنَّ هذا "سيتيح مزيدًا من الوقت من أجل بحث واسع وشامل" للتقرير!!.
وكأنما أرادت الحكومات العربية والإسلامية بموقفها هذا اختيار أفضل ممثل يعبر عن موقفها هذا، حينما اختارت ممثل النظام الباكستاني الحاكم للإعلان عن هذا الموقف، فكما هو معروفٌ فإنَّ حكومة حزب الشعب الحاكم في باكستان حاليًا سمحت للولايات المتحدة بتكثيف طلعاتها الجوية فوق الأراضي الباكستانية، لضرب مواطنيها ومعاقل حركة طالبان باكستان وطالبان أفغانستان وتنظيم القاعدة.
التقرير وصاحبه!!
كان التقرير المفاجأة الذي أعدَّه جولدستون بصفته رئيسًا لبعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، قد أدان الكيان الصهيوني بعبارات صريحة، وقال: إنَّ جيش الاحتلال الصهيوني قد ارتكب في العدوان على قطاع غزَّة "أفعالاً تصل إلى حدِّ جرائم حرب، وربما بشكلٍ أو بآخر جرائم ضد الإنسانية".
وتكوَّن التقرير من 574 صفحة، وقال: إنَّ "العملية العسكرية "الإسرائيلية" استهدفت شعب غزة بأكمله" من أجل "معاقبة سكانه".
واعتبر تقرير جولدستون استمرار الحصار الصهيوني والعربي على القطاع، وإغلاق المعابر بمثابة عقوبة جماعية، تمثل جريمةً ضد الإنسانية.
![]() |
|
جرائم الصهاينة لم ير العالم لها مثيلاً في بشاعتها |
وجولدستون هو قاض من جنوب إفريقيا، يهودي الأصل، ولد في العام 1938م، ومن أبرز المناصب التي شغلها في جنوب إفريقيا أنه كان قاضيًا بالمحكمة الدستورية لجنوب إفريقيا في الفترة من العام 1994م وحتى العام 2003م.
كما عمل في الفترة ما بين العام 1994م وحتى العام 1996م، مدعيًا عامًّا رئيسيًّا في المحكمة الدولية لجرائم الحرب في كلٍّ من يوغسلافيا السابقة ورواندا، ومن العام 1999م، وحتى العام 2001م، شغل منصب رئيس لجنة التحقيق الدولية في جرائم الحرب في إقليم كوسوفا، ثم عينه الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان للإشراف على التحقيق في وقائع الفساد التي تكشفت في برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق.
وقد تمَّ تكليفه في إبريل الماضي برئاسة لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالعدوان على غزة، وقد رفض الكيان الصهيوني التعاون معه، مما دعاه إلى دخول قطاع غزة عبر معبر رفح المصري؛ حيث وافقت حكومة الوحدة الوطنية في القطاع على التعاون في الكشف عن حقيقة ما جرى في الحرب.
غموض دبلوماسي
في حقيقة الأمر، فإنَّ هناك حالةً من الغموض التي تكتنف الموقف حول حقيقة الطرف الذي طلب تأجيل نظر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وكيف تمَّ ذلك، ولكن من الثابت أنَّ الطرف العربي والدول الإسلامية لجأت لهذا الموقف استجابة لضغوط أمريكية وصفتها مصادر دبلوماسية في الأمم المتحدة بأنَّها كانت "هائلةٌ".
والأمريكيون يبررون ذلك بأنهم لجئوا إلى الضغط لتأجيل طرح التقرير لسببَيْن، الأول هو أنَّ واشنطن تعد لمبادرة جديدة للتسوية في الشرق الأوسط، ومن شأن طرح التقرير للتصويت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنْ يعرقل هذه الجهود الأمريكية- المستمرة بلا جدوى منذ حوالي 20 عامًا- في هذا الشأن.
اللقاء الثلاثي بين أوباما وعباس ونتنياهو في نيويورك
كما أنَّ الدبلوماسية الأمريكية لم تكن موفقةً بالمرة في السبب الثاني، فقد طرحت وزارة الخارجية الأمريكية مبررًا لذلك، بأنَّها رأت في اللقاء الثلاثي الذي جمع ما بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما وبين رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في نيويورك على هامش اجتماعات الدورة السنوية الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ بمثابة تضييق للفجوة بين الجانبين، ينبغي عدم إعادة توسيعه بما جاء في التقرير!!.

العرب والمسلمون في مجلس حقوق الإنسان ذكروا أنَّ موقفهم توافقي فيما يخص طلب تأجيل التقرير، والسلطة الفلسطينية تزعم أنَّها أصلاً لا تملك طلب ذلك من المجلس، فقد قال رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات: إنَّ ما أُشيع عن سحب السلطة الفلسطينية تحقيق جولدستون "خبرٌ عارٍ من الصحة تمامًا"، بزعم أنَّ فلسطين "ليست عضوًا في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وإنما تشارك بصفة مراقب، وبالتالي ليس لها سحب هذا التحقيق أو غيره".
ولكن ما لم يقله عريقات هو أنَّ السلطة الفلسطينية طلبت ذلك من الدول العربية والإسلامية صاحبة العضوية الكاملة، والتي تعرضت بدورها لضغوط أمريكية هائلة بحسب المبعوث الباكستاني.
كما أنَّ السفير الصهيوني في جنيف روني لشنو قال: إنَّ السفير الفلسطيني إبراهيم خريشة أبلغه بأن السلطة الفلسطينية ستعلن سحب دعمها لتبني تقرير جولدستون خلال تصويت مجلس حقوق الإنسان عليه، وهو ما أكده خريشة في تصريحات لقناة (الجزيرة).
وقال خريشة: إنَّه طلب رفع التقرير من جدول أعمال المجلس "حتى نضمن الحصول على إجماع وليس بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية"!!.
ولو كان التقرير قد أخذ مساره الطبيعي لكان الآن معروضًا على مجلس الأمن الدولي، ولكان من المحتمل أنْ يؤدي إلى عرض ملف جرائم الصهاينة على محكمة الجزاء الدولية، ولكن يبدو أنَّ المنطق الذي يحكم السياسة الدولية ضد الرئيس السوداني عمر البشير وقادة الحرب الأهلية في يوغوسلافيا السابقة وفي إفريقيا ليس هو- أبدًا- المنطق الذي يحكم السياسة العالمية تجاه الكيان الصهيوني، حتى لو كان الثمن هو دماء 1400 شهيد فلسطيني، 400 منهم من الأطفال!!.
