حظيت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لسوريا أمس باهتمام إعلامي ودولي كبيرين، خاصةً أن الزيارة بين دولتين تُصنف كلٌّ منهما في اتجاه يخالف توجه الاتجاه الآخر، فالمملكة العربية السعودية تعتبر قطبًا من أقطاب الدول التي تصنف بالمعتدلة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تميل إلى عقد السلام مع الكيان الصهيوني كوسيلة للحصول على الأراضي التي يحتلها الكيان، في حين تصنف سوريا أنها قطب من أقطاب الدول المتطرفة، والتي تتخذ من المقاومة مبدأ أساسيًّا لدفع الكيان الصهيوني إلى الانسحاب من الأراضي العربية التي يحتلها.

 

وتعتبر زيارة الملك عبد الله لسوريا- والتي تستمر يومين- ولقاؤه بالرئيس السوري بشار الأسد بدايةً لإنهاء حالة الجمود التي سيطرت على العلاقات بين البلدين الشقيقين منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م؛ حيث أيدت المملكة العربية السعودية الغزو في حين رفضت سوريا العدوان الأمريكي على العراق، وكان لكل منهما مبرراته.

 

ولكن الحقيقة أن الفجوة اتسعت بين البلدين بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني المقرب من السعودية رفيق الحريري، واتهام سوريا بأنها المسئولة عن اغتياله وذلك عام 2005م، ومنذ ذلك الحين انقطعت الزيارات بين الزعيمين عبد الله وبشار بعد فترة طويلة من العلاقات الطيبة وتبادل الزيارات بين البلدين.

 

وكادت العلاقات السعودية- السورية أن تعود إلى حالتها الطبيعية قبل شهور من حرب لبنان الثانية صيف عام 2006م، ولكن ومع اندلاع الحرب وقفت سوريا بجانب حزب الله الشيعي واعتبرته ضحية لآلة الحرب الصهيونية، في حين اتهمت السعودية حزب الله بالمسئولية عن إشعال الحرب بالمنطقة.

 

ومنذ ذلك الحين والعلاقات بين البلدين آخذة في التدهور حتى جاء العدوان الصهيوني على غزة في ديسمبر ويناير الماضيين؛ حيث وقفت سوريا بجانب الدول التي تدعم المقاومة، ولكن السعودية اختارت لنفسها مكانًا بين الدول التي تنادي بالسلام وتتهم المقاومة الفلسطينية بأنها السبب في إشعال الحرب مع الكيان الصهيوني.

 

ولكن العلاقات بين البلدين بدأت في التحسن بعد عقد المؤتمر الاقتصادي العربي في الكويت مطلع هذا العام، وحضره الملك عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد والذي كان بداية جدية لتحسن العلاقات بين البلدين؛ فقد تم تعيين سفير سعودي جديد في يوليو من هذا العام بعد غياب السفير السعودي عن سوريا لمدة عام.

 

العلاقات بين البلدين أخذت شكلاً آخر نحو تغليب العلاقات الأخوية على حساب القضايا الجانبية والفرعية؛ ففي 23 سبتمبر الماضي حضر الرئيس السوري افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا المعروفة باسم كاوست، والتقى بعبد الله واتفقا على فصل موقفهما من لبنان عن العلاقات الثنائية بين الجانبين، وبالفعل رحب كلٌّ منهما بالمبادرة وبعث الرئيس السوري بدعوة يطلب فيها من عبد الله زيارة دمشق، وبالفعل لبَّى عبد الله الزيارة التي يعتبرها كثير من المحللين السياسيين العرب والغرب بدايةً لفتح صفحة جديدة من العلاقات في مختلف مجالات أوجه التعاون بين البلدين.

 الصورة غير متاحة

اشتعال المواجهات بين الجيش اليمني والحوثيين في صعدة

 

تأتي هذه الزيارة في وقت تمر فيه عملية السلام بأزمة كبيرة على كافة الأصعدة، كما تأتي في ظل تدهور الوضع الإنساني والأمني في كثير من دول الشرق الوسط؛ فاليمن يمر بأزمة كبيرة بسبب الصراع العسكري الدائر على الأرض بين جماعة الحوثي الشيعية والقوات الحكومية والتي راح ضحيتها الكثير من أبناء الشعب الواحد، مع توقعات بسقوط مزيد من الضحايا مع غياب دور الوساطة العربية والإسلامية، والتي يمكنها أن توقف الحرب المشتعلة بين الفريقين، في الوقت الذي يتعرض فيه اليمن لمحاولات تقسيم.

 

ليس اليمن فقط الذي يعاني فلبنان، وهي الساحة الحقيقية لمصالح سوريا والسعودية تعاني حاليًّا من أزمة كبيرة مع عدم قدرة النائب عن كتلة الـ14 من آذار/ مارس والتي فازت بالأغلبية في الانتخابات التي أجريت منذ 3 شهور من تشكيل حكومة وحدة وطنية يتفق عليها الجميع.

 

هذه الزيارة يعتبرها الكثيرون مفتاحًا لحل الأزمة اللبنانية؛ حيث يتوقع أن تضغط سوريا على حزب الله وتضغط سوريا على الأكثرية النيابية للتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف للإسراع في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية.

 

كما أن الساحة الفلسطينية تنتظر حاليًّا وساطة عربية وتدخلاً سوريًّا سعوديًّا لدى كل من حركتي فتح وحماس لإنقاذ ملف المصالحة الوطنية، بعد إعلان حركة حماس أنها تنظر حاليًّا في تأجيل التوقيع على وثيقة المصالحة الوطنية؛ بسبب قيام السلطة الفلسطينية بسحب تقرير جولدستون الذي يدين الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم حرب في غزة قبل التصويت عليه أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

 الصورة غير متاحة

جولدستون أثناء تقفده للدمار الذي حل بقطاع غزة

 

ومن الواضح أن هذه الزيارة ستكون بدايةً لمصالحة عربية شاملة؛ فقد توقع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن بن حمد العطية أن تفتح زيارة الملك عبد الله لسوريا آفاقًا جديدةً للعالم العربي، خاصة أن الزعيمين لهما دور كبير في دعم القضايا العربية والإسلامية وفي المقدمة القضية الفلسطينية.

 

وكان وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط قد علَّق على زيارة عبد الله وتلبيته لدعوة الأسد بزيارة سوريا بأنها فتحت الباب وهيأت المناخ لعقد لقاءات عربية- عربية في سبيل تحقيق المصالحة بين جميع الأقطار العربية.

 

واعتبر محللون سوريون أن الزيارة ستساهم في تنسيق العمل بين البلدين الشقيقين، وتوحيد المواقف في مواجهة السياسات الصهيونية، كما توقع المحللون أن تساهم الزيارة في فتح صفحة جديدة بين السعودية وإيران.

 

كانت الرئاسة السورية قد أكدت أن القمة التي عقدها الزعيمان ستكون بداية لتوحيد صوت العرب في المحافل الدولية والإقليمية في الوقت الذي تسعى فيه سوريا لجمع كلمة المسلمين والعرب من خلال قيامها بالتنسيق المشترك مع إيران وسوريا لخلق فضاء عربي إسلامي يستطيع مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

 

من هنا، يتضح أهمية تلك الزيارة على المستويين العربي والإسلامي، والتي يمكن أن تساهم في تبديد مخاوف العرب من إيران خاصة أن تلك الزيارة تأتي في وقت اقتربت فيه الولايات المتحدة من إيران بموافقتها على عقد محادثات مباشرة بين الإيرانيين والأمريكيين لأول مرة منذ 30 عامًا، وهو الأمر الذي سيدفع الدول العربية في المنطقة لمد جسور التعاون والحوار مع إيران، كما فعلت الولايات المتحدة.

 

وعلينا أن ننتظر الآن ما ستأتي به الأيام وما سيكشف عنه مستقبلاً بعد تلك الخطوة الإيجابية التي يتابعها الغرب كما يتابعها العرب والمسلمون.