- أجهزة المخابرات المعادية تسعى لتقسيم السُّودان لثلاث ولايات
- اهتمامات الموساد وcia لا تقتصر على السودان ودارفور بل تمتد لمصر
- ضرب شمال السُّودان في يناير الماضي جزءٌ من هذا النَّشاط ونتيجة له
تقرير: أحمد التلاوي وسامر إسماعيل
"المياه أمن قومي لمصر" عبارة كثيرًا ما يرددها مسئولو مصر في مختلف العصور، وإن كان البعض فطنوا إلى مدلولات هذه العبارة فإن البعض الآخر تعامل معها من باب الترديد الآلي فقط.
فمحمد علي باشا على سبيل المثال كان يعلم أن الحفاظ على مياه النيل يبدأ من منابعه ولذلك عقد العديد من الاتفاقيات وكان كثير التوغل في منطقة منابع النيل، وجاء من بعده الخديوي إسماعيل الذي كرَّس الوجود السياسي والعسكري المباشر لمصر في هذه المنطقة واستمر الحال حتي الملك فاروق الذي كان يلقب بملك مصر والسودان، وبعد الثورة ورغم انفصال السودان عن مصر إلا أن الرئيس عبد الناصر كان يعلم خطورة تأمين دول المنبع من التوغل الصهيوني أو الإنجليزي، إلا أن الاهتمام ظل في تراجع حتى فوجئنا مؤخرًا بفشل مصر في وضع تعديلات جديدة على اتفاقية دول حوض النيل بما يضمن الأمن المائي لمصر، والسؤال لماذا فشلت مصر؟ ولماذا أصبح لدول حوض النيل أنياب تواجه بها مصر الدول الأكثر ثقلاً في القارة الإفريقية؟، هذا ما يكشفه التقرير التالي:
هذا التَّقرير حيث يعرض مجموعة من المعلومات عن أنشطة وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة (سي. آي. إيه) والموساد الصُّهيوني وجهاز المخابرات الفرنسيَّة الخارجيَّة (دي. جي. إس. إي)، في تشاد والسُّودان، وتقاسم هذه الأجهزة وحكومات البلدان الثَّلاثة، العمل بينهم لوقف تدخُّل الحرس الثَّوريِّ الإيرانيِّ وأنشطة البحريَّة والاستخبارات الإيرانيَّة في السُّودان، ومياه البحر الأحمر.
وفي هذا الإطار أكَّدت مصادر استخباراتيَّةٌ غربيَّةٌ في أفريقيا، ومصادرُ موقع (ديبكا فايل) الصهيوني المُقرَّب من أجهزة مخابرات الكيان، أنَّ أجهزة المخابرات الأمريكيَّة والفرنسيَّة والموساد يعملون في السُّودان بهدف تقسيمه إلى ثلاث ولاياتٍ مُستقلَّةٍ.
والهدف الرَّئيسيُّ هو التَّدمير المُتعمَّد للبنية التَّحتيَّة وبرامج النَّقل وعمليَّات تهريب الأسلحة الإيرانيَّة إلى الشَّرق الأوسط عبر الموانئ السُّودانيَّة المنتشرة على طول ساحل البحر الأحمر؛ حيث يتم نقل الأسلحة عبر الحدود المصرية، ومنها إلى أماكن عديدةٍ بالشَّرق الأوسط، بما فيها شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة ولبنان.
![]() |
|
الإبادة المزعومة لأهالي دارفور ذريعة الدول الغربية لدخول السودان |
هذه البُنى التَّحتيَّة أصبحت بالنِّسبة للاستخبارات الأمريكيَّة والصهيونية "واحدة من أهم الأسباب الرَّئيسيَّة لعدم الاستقرار بالشَّرق الأوسط".
المصادر تُشير إلى أنَّ وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة وجهاز الاستخبارات الخارجيَّة الفرنسيَّة والموساد يعملون سويًّا من أجل إسقاط "النِّظام الإسلاميِّ المُتطرِّف للجنرال عمر البشير في الخرطوم"، وإنشاء ثلاث ولاياتٍ مُستقلَّةٍ في السُّودان، ولكن بينهم اتِّصال عبر نظامٍ فيدراليٍّ بحسب (ديبكا فايل).
والولايات الثَّلاث المُقترحة هي: ولايةٌ إسلاميَّةٌ سودانيَّةٌ مركزيَّةٌ في شمال السُّودان، وولاية دارفور محل ولاية غرب دارفور الحالية، وولايةٌ مسيحيَّةٌ جنوب السودان في المناطق الغنيَّة بالنفط جنوبًا، وتسيطر أيضًا على الخانق المائي للنِّيل الأبيض.
مكاتب مخابرات
ولتنفيذ مثل هذه العمليَّة المُعقَّدة التي أُنشِئَت وفقًا لمصادر استخباراتيَّة، فإنَّ فريق عمل وكالة الاستخبارات الأمريكيَّة، والمُكوَّن أساسًا من الأفارقة، وجهاز الاستخبارات الخارجيَّة الفرنسيَّة والموساد سيعملون بفريقَيْ عمل في دولتَيْن.
أحد فريقَيْ العمل مقره تشاد، أمَّا فريق العمل العام الرَّئيسيِّ الذي يضم وكالات الاستخبارات الثَّلاث فسيكون في جيبوتي.
ومن المفترض أنَّ فريق العمل الموجود في تشاد يتلقَّى تعليماته من قِبَلِ الاستخبارات الفرنسيَّة والموساد، ويعود ذلك إلى الروابط الوثيقة التي تجمع ما بين فرنسا ونظام الرَّئيس التِّشادي إدريس ديبي، ومهمته التَّوغُّل في دارفور وجنوب السُّودان.
وفي دارفور ستكون مُهمَّته الإقامة في الإقليم، وعمل اتِّصالاتٍ بالسُّكَّان هناك، وخاصَّة عبد الواحد محمد نور رئيس جناح الزغاوة بجبهة تحرير السُّودان، والذي سبق له أنْ زار الكيان الصهيوني.
فقبل أشهرٍ قالت مصادر سودانيَّةٌ بالخرطوم إنَّ نور زار، وبطريقةٍ سرِّيَّةٍ، الكيان الصُّهيوني بصفته "ضيفًا للموساد "الإسرائيليِّ""، كما صاحبه أيضًا عددٌ من كِبار الضُّبَّاط، وتمَّ توقيع سلسلةٍ من الاتِّفاقيَّات، منها توريد الأسلحة لدارفور ومُساعدة الاستخبارات الصهيونية لدارفور.
![]() |
|
سيلفا كير |
وفي جنوب السُّودان قالت مصادر (ديبكا) إن فريق العمل الصهيوني سيعمل مع النَّائب الأوَّل للرَّئيس السُّودانيِّ سيلفا كير ميارديت زعيم الجبهة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان.
ولدى هذه المصادر معلومات تقول إنَّ الكيان الصهيوني بدأ مُؤخَّرًا في توفير كمِّيَّاتٍ كبيرةٍ من الأسلحة بما فيها دبابات ومروحيَّات ومدفعيَّة وصواريخ، لصالح قوَّات جنوب السُّودان؛ لاستخدامها في أيَّة احتمالاتٍ لتجدُّد المعارك بينها وبين القوَّات النِّظاميَّة لحكومة الخرطوم.
وفقًا لمصادر الاستخبارات الأفريقيَّة فإنَّ الولايات المتحدة وفرنسا والكيان الصهيوني يدفعون نحو الاستفتاء العام المُقرَّر إجراؤه في يناير 2011م، لتقرير مصير جنوب السُّودان، ويُؤكِّدون أنَّ نتائج الاستفتاء ستكون في صالح سيلفا كير، وحتى ذلك الحين سيكون باستطاعة أجهزة الاستخبارات الثَّلاثة مدِّ جنوب السُّودان بالسِّلاح الكافي ليقف في وجه جيش الخرطوم، ويقوم بتفكيك العلاقة بين الشَّمال والجنوب، وإعلان جنوب السُّودان دولة مُستقلَّة.
أنشطة مستديمة
ولا يُعتبر الإطار السَّابق ترتيبًا جديدًا، فهناك وجودٌ استخباريٌّ كبير للولايات المتحدة وفرنسا والكيان الصُّهيونيِّ منذ زمنٍ في هذه المناطق، ويهدف أساسًا إلى مُحاصرة انتشار الأجنحة المُسلَّحة لتنظيم القاعدة، وكذلك حصار النُّفوذ الإيرانيِّ والصينيِّ الآخذ في التنامي في السودان والقرن الأفريقي ووسط أفريقيا السَّوداء، سواءٌ عن طريق الأدوات العسكريَّة أو الاقتصاديَّة.
فبالإضافة إلى التَّواجُد والتَّأثير السِّياسيَّيْن للحكومات الغربيَّة والكيان في هذه المناطق، يوجد في الوقت الرَّاهن اتفاقيَّاتٌ وأطرٌ للتَّنسيق ما بين مخابرات الولايات المتحدة وفرنسا والكيان والصِّين وإيران، بالإضافة إلى مخابرات وقيادة حلف شمال الأطلنطي (النَّاتو)، وما بين حكومات دول شمال ووسط أفريقيا، لمحاصرة انتشار عناصر القاعدة والتَّنظيمات المرتبطة به أساسًا.
وفي يناير الماضي، نقلت مجلَّة (التَّايم) الأمريكيَّة عن مصادر أمنيَّةٍ صهيونية، أنَّ العشرات من الطَّائرات المُقاتلة والطَّائرات من دون طيَّارٍ، شاركت في عملية قصف عددٍ من الشَّاحنات في مناطق صحراويَّة شمال السُّودان بالقرب من الحدود الجنوبيَّة لمصر.
![]() |
|
المقاتلات الصهيونية أتمت مهمة قصف القافلة |
وقالت هذه المصادر إنَّ العمليَّة التي جرى التَّخطيط لها خلال أيَّامٍ معدودةٍ فقط، تمَّت بعد وصول معلوماتٍ استخباريَّةٍ إلى الموساد عن قافلة الشَّاحنات التي كانت تتألَّف من 23 شاحنةً، وأنَّها كانت تحمل أسلحة ومُكوِّنات صواريخ إيرانيَّةٍ كانت مُهرَّبةً إلى قطاع غزة؛ حيث قامت طائرات سلاح الجو الصُّهيوني "إف- 16" أمريكيَّة الصُّنع بقصف القافلة، في حين قامت مقاتلات أخرى من طراز "إف- 15" بتوفير الغطاء لها، في حال قيام طائرات سودانيَّة أو من دولٍ أُخرى بمهاجمة فريق القصف الرَّئيسيِّ.
وبعد شن الهجوم، قامت طائرات من دون طيَّارٍ بالتَّحليق فوق مكان الهجوم وتصوير الشَّاحنات المحترقة، وعندما تبيَّن أنَّ الإصابات كانت جُزئيَّةً، قامت طائرات "إف- 16" بقصفها مرَّةً أخرى.
كما أنَّ للولايات المتحدة حوالي ألفَيْ جنديٍّ من القوَّات الخاصَّة والبحريَّة والسِّلاح الجوي في جيبوتي، ويعسكرون في قاعدة ليمونيهر، ومهامهم الأساسيَّة رصد حركة العناصر الأصوليَّة المُسلَّحة في اليمن والصومال، والقيام بمهام نوعيَّةٍ في اعتقال أو قتل هؤلاء، وتقوم سفينة القيادة "ماونت ويتنير" التَّابعة للأسطول الثَّانيِّ الأمريكيِّ بتنسيق هذه المهام.
إلا أنَّ هذه هي المرَّة الأولى التي يتم فيها التَّنسيق على هذا النَّحو ما بين أجهزة مخابرات البلدان الثَّلاث، ولكن يبدو أنَّ التَّنافُس ما بين فرنسا والولايات المُتَّحدة في أفريقيا، والذي وصل إلى حدِّ تبادُل الدَّولتَيْن لإسقاط الأنظمة المُوالية لكلٍّ منهما في أفريقيا في التِّسعينيَّات، كما تمَّ في ليبيريا والكونغو الدِّيمقراطيَّة، مَنَعَ عمل مخابراتيهما معًا، فتمَّ التَّنسيق بواسطة الصهاينة.
يضاف لذلك أن الملف هذه المرَّة يبدو أنَّه يتجاوز كثيرًا الاعتبارات التي فرضت التَّنافسيَّة بين البلدَيْن، ولكن ثَمَّة تساؤلاً حول أسباب كشف موقع مُقرَّب من المخابرات الصهيونية عن هذه المعلومات في الوقت الرَّاهن، والإجابة غير واضحة، ولكنَّها في الأغلب رسالةٌ سياسيَّةٌ إلى كلٍّ من مصر والسُّودان، ومحاولةٌ للوقيعة ما بين فرقاء الحكم والأزمة في السُّودان، في الخرطوم والجنوب وفي دارفور عبر تسريب معلومات عن تعاون سيلفا كير وعبد الواحد نور مع الكيان الصُّهيوني، وتلقِّي كليهما دعمًا ماليًّا وعسكريًّا من الغرب.


