مع بداية فصل الشتاء تبدأ معاناة أهالي قطاع غزة المستمرة كل عام؛ نتيجة الحصار الدولي والعربي على القطاع منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، ومعاناة الشتاء في القطاع لها أشكال متعددة تتنوع بين قلة الغاز وبرودة الجو، فضلاً عن انقطاع الكهرباء، أما أكثر أشكال المعاناة؛ فإنها تتمثل في سكان المخيمات الذين هُدِّمت منازلهم وشُردت أسرهم بعد الحرب الصهيونية الأخيرة على القطاع.
(إخوان أون لاين) يرصد في هذا الموضوع مأساة العديد من هذه الأسر، ويهديها للحكام العرب والمسلمين، كما نضعها أمام منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية التي تتشدق بدفاعها عن المضطهدين في الأرض، بصرف النظر عن قضاياهم السياسية أو انتماءاتهم العرقية والدينية.
5000 أسرة في العراء
فهذه عارفة العطار تجلس أمام خيمتها تستجدي بعض الدفء من شمس نوفمبر الفاترة، والخوف يأكل قلبها من تكرار مأساة الشتاء الماضي التي عاشتها مع نحو 5000 أسرة فلسطينية، يسكنون تلك الخيام المتهاوية بقطاع غزة، بعدما دمَّر العدو الصهيوني منازلهم في اعتدائه الأخير أول 2009م الجاري.
لا تنسى عارفة ذات الأربعين ربيعًا يوم وضعت طفلتها الصغرى حنين، وكيف خرجت من المستشفى إلى الشارع أو إلى خيمتها التي باتت رغم حالتها الرثة وثقوبها اللانهائية هي سكنها الوحيد بعد تدمير منزلها.
ولم تكن خيمتها في حاجة لتلك الريح أو الأمطار؛ لتصير مخزنًا للأوبئة والحشرات يهدد حياة أسرتها المكونة من زوجها وستة أطفال، وتقول: "كتب الله عليَّنا أن نعيش طوال الشهور الماضية في واقع مرير؛ فلا نستطيع ممارسة حياتنا التي تعوَّدنا عليها في منزلٍ كان من طابقَيْن به كل مستلزمات الحياة ما يوفر لنا حياة كريمة، ولكن للأسف فقدنا كل شيء إبَّان الحرب الهمجية التي شنها العدو الصهيوني على قطاع غزة، وها أنا أحاول أن أوفِّر بعضًا من حياةٍ لأولادي الستة الذين فقدوا بيتهم ومدرستهم أيضًا"!!
وتشكو عارفة انعدام توفر المياه النقية والكهرباء والوقود، مع جعل أسرتها فريسة سهلة للرياح والأمطار، مع نقص التدفئة اللازمة؛ وإصابتها بذبحة صدرية ووعكات أخرى تلزمها البقاء في المستشفى الأسابيع القادمة، وستترك زوجها وأطفالها الستة في هذه الظروف الذي لا يقوى إنسان على تحمُّلها.
وتجدد العطار طلب مئات الغزاويين بسرعة الانتهاء من خطة إعمار منازلهم، والتي تأخرت نتيجة الحصار، وضعف التبرعات والقيود السياسية والأمنية التي يفرضها جيران القطاع عليهم؛ للضغط على حركة المقاومة الإسلامية حماس، وهو السبب نفسه الذي يؤجل دعم الدول المانحة لإعادة إعمار غزة.
عجز المسلمين
صالح أبو ليلة (45 عامًا) زوج وأب لستة أولاد، يتعجب من وهن إخوانه العرب والمسلمين وعجزهم عن نصرة فلسطين وأهلها؛ ما يعطل خطط الإعمار، ويعرِّض نحو 5000 أسرة لمختلف الأمراض والأوبئة، ويجبرهم على العيش على فتات الجمعيات الخيرية والهيئات الإغاثية.
ويقول الأب بحسرة: "بيتي كان مكونًا من طابقين، والآن لا أملك إلا خيمة تتلاعب بها الرياح وتغرقها الأمطار؛ لذا يعاني أولادي من وعكات صحية، بسبب العيش في الشارع، وعدم توافر الظروف الصحية وانتشار الذباب والحشرات طوال الوقت، فضلاً عن أننا فقدنا حتى ملابسنا الشتوية تحت أنقاض البيوت.
وتابع: "أنظر إلى أبنائي وطفلتي الرضيعة المريضة، فلا أرى لهم ذنبًا إلا تأييد مقاومة الاحتلال في وقت خذلهم الجميع ونسيهم إخوانهم، فلا يقصد خيمهم سوى الأمراض والموت أو بعض الكلاب الضالة التي قد تهاجمهم ليلاً بحثًا عن دفء أو طعام.
وتقول كوثر معروف (41 عامًا): "لقد فزعنا من نومنا على مياه المطر المنسكبة من ثقوب خيمتنا المرقعة، فلجأنا لخيمة جيراننا لنحتمي بها، إلا أن أحد أبنائي الذي نهض مفزوعًا أسقط لمبة الغاز على الفراش؛ ما أدى إلى حرق الخيمة".
وتضيف معروف- وهي أم لعشرة أبناء "ضاع الملجأ- ورجعنا كالمتسولين ننتظر المساعدات من أهل الخير"، وتدعو المواطنة المكلومة الحكومة الفلسطينية في غزة بالعمل على بناء بيتها أو توفير مسكن بديل؛ ليحمي أطفالها من برد الشتاء، مؤكدة أن الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها صعبة، ولو كان بمقدورها استئجار بيت لاستأجرته لإيواء أطفالها.
مآسي الحرب
السيدة أم عمار السلطان (55 عامًا) أم وجدة لعدة أحفاد من جبل الريس شرق مدينة غزة، أفقدتها الحرب بيتها المُكوَّن من خمسة طوابق؛ تبكي حال أطفال أبنائها الذين فقدوا بيوتهم وملابسهم تحت الأنقاض، وتقول: "تحت هذا الركام توجد بيوت أولادي وبيتي وملابسنا وأثاثنا وكل ما نملك، ومع دخول الشتاء مبكرًا هذا العام ذهبت إلى السوق لأرى ما يمكننا شراؤه من ملابس تحمي الأولاد، إلا أن المعروض قليل جدًّا ورديء، ورغم ذلك غالي الثمن ما لن يمكننا من شراء كسوة كل عام لنواجه الشتاء بأجسادنا وملابسنا الرثة"!!.
"حكومة هنية"
من جانبه، يوضِّح إبراهيم رضوان وكيل وزارة الإسكان أن هناك حوالي 60 ألف أسرة متضررة جرَّاء الحرب على غزة, مشيرًا إلى أن 3500 أسرة دُمِّرت بيوتهم بشكل كلي ولم يتم بناؤها حتى الآن، فيما يهدد السقوط بيوت الباقين.
وأكد أن الحكومة ووكالة غوث اللاجئين ومنظمة (UNDB) قدموا مساعدات مادية للمتضررين، كل حسب الضرر الذي وقع عليه, كما قدمت الحكومة غرفًا صغيرة متنقلة "كرافانات" لـ120 أسرة، واستطاعت ترميم 5 آلاف بيت آيل للسقوط، بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية، إلا- والحديث لرضوان- أن كل ذلك ليس كافيًا أو مجديًا مع تأخر خطة الإعمار؛ نتيجة الحصار الاقتصادي والسياسي وشح مواد البناء.
ويصف رضوان نسبة المهجَّرين القاطنين في الخيام بالقليلة, قياسًا بمن تمكنوا من تأجير منازل بالمساعدات المادية المقدمة لهم، مؤكدًا عمل الحكومة الدءوب لتسكين باقي المهجَّرين قبل شدة برد الشتاء.
وطمأن رضوان جميع الأسر المدمرة بيوتهم بأن الحكومة تعمل لبناء بيوتًا لهم على مساحة (100- 110 أمتار مربع), لافتًا إلى أن هناك 1000 منزل مبني من "الأسباست" تم تدميرهم، إلا أن الحكومة ستبنيه بالخرسانة المسلحة.
كارثة إنسانية
فلسطينية على حطام منزلها تردد سأظل وأولادي ولن أرحل
وحذَّرت منظمات الأمم المتحدة العاملة في قطاع غزة من كارثة إنسانية تضرب القطاع المحاصر صهيونيًّا وعربيًّا منذ يونيو 2007م، وتزيد معاناة سكانه بحلول فصل الشتاء وما يصاحبه من برودة قارسة ورياح عاصفة وأمطار غزيرة.

وقالت المنظمات في تقريرها: "فصل الشتاء سيتسبب في كارثة إنسانية بغزة، فالخيام التي تقطنها العائلات ممن هدمت قوات الاحتلال منازلهم لا تستطيع الصمود في وجه الرياح والأمطار".
وجاء في التقرير الذي حمل توقيع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وبرنامج الغذاء العالمي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي: أن "الاحتلال دمَّر أكثر من 3500 وحدة سكنية بالكامل على رؤوس قاطنيها، وشرَّد عشرات الآلاف من الأسر، وألحقت شظايا نيرانه وقذائفه الصاروخية أضرارًا جسيمة بـ50 ألف وحدة سكنية"، وأضاف أن: "القطاع يحتاج إلى نحو 60 ألف وحدة سكنية بشكل عاجل لإيواء المتضررين من الحرب بتكلفة مليار دولار أمريكي على الأقل".
ولفت إلى أن "الحصار الذي يمنع مواد البناء عن القطاع منذ قرابة أربع سنوات؛ يجعل الأخير بحاجة إلى 4000 طن يوميًّا من الأسمنت و100 طن يوميًّا من الحديد لإعادة الإعمار".
وشدد على أن "الفلسطينيين الذين يعيشون في خيام الإيواء لا يجدون حاليًّا حتى الخيمة لإيوائهم، بعد أن تمزقت بفعل الشمس الساطعة خلال الصيف أو تطايرت بفعل الرياح الخماسينية الأخيرة".
وطالبت تلك المنظمات بإنهاء الحصار وإعمار المنازل المهدمة، ووضع خطة لإعادة تأهيل وتطوير المشاريع المتضررة جراء العدوان الصهيوني بين السابع والعشرين من ديسمبر والثامن عشر من يناير الماضيين، والذي تسبب في استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني وجرح أكثر من 5400 آخرين، فضلاً عن تدمير وإصابة نحو 60 ألف منزل، وتشريد أهلها بصورة أو بأخرى.
خيام وركام
![]() |
وأشارت الحملة إلى أن سلطات الاحتلال تواصل تشديد حصارها المفروض على قطاع غزة، وتمنع إدخال كافة المستلزمات والمواد والمعدات الضرورية؛ لإعادة بناء ما دمَّرته آلة الحرب الصهيونية من منازل ومؤسسات وبنية تحتية في القطاع.
وأوضحت أن الصمت العربي والدولي تجاه استمرار الحصار الصهيوني على قطاع غزة يعطي الفرصة لدولة الاحتلال للإمعان في تشديد الحصار؛ ما يعني المزيد من المعاناة للأطفال والنساء والشيوخ في القطاع الذين يعيشون واقعًا إنسانيًّا متدهورًا.
ولفتت الحملة إلى واقع البنية التحتية في قطاع غزة، وبخاصةٍ الطرق وشبكة الصرف الصحي والمياه التي تحتاج إلى إعادة تأهيل في ظلِّ ما تعرَّضت له من دمار وعدم القدرة على إصلاحها؛ بسبب نقص المواد والمعدات والآليات.
وأشارت إلى ما ورد في تقرير القاضي "ريتشارد جولدستون" حول جرائم الاحتلال في قطاع غزة، والذي اعتبر أن الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة وإغلاق المعابر الحدودية ومنع إمدادات الوقود، والطعام والدواء؛ يمثل عقابًا جماعيًّا للمدنيين الفلسطينيين ويؤدي إلى عواقب إنسانية وبيئية مدمرة.
وحمَّلت الاحتلال الصهيوني المسئولية الكاملة تجاه تدهور الواقع الإنساني ومعاناة المواطنين الفلسطينيين المحاصرين بالقطاع, داعيةًَ كافة المؤسسات الإنسانية الوطنية والدولية إلى التحرك العاجل لإغاثة الأسر التي تعيش في مراكز الإيواء وفي منازلها المدمرة بما يخفف من معاناتها.
