لم يعد بإمكان المواطن الفلسطيني شراء أضحيته في العيد، حيث يؤرقه حلول العيد في ظل الحصار المطبق على قطاع غزة منذ ثلاثة أعوام، ومما يزيد الطين بلَّة أن الأسعار مرتفعة- إذا ما توفرت الأضحية- سواء أكان ذلك عبر الأنفاق أم ربما من القليل الذي عبر إلى القطاع مؤخرًا.
ويُحرَم سكان قطاع غزة للعام الثالث على التوالي من إحياء سنة نبيهم "إبراهيم عليه السلام"، بسبب الاحتلال الصهيوني الذي يمنع كذلك إدخال الحليب والأغذية الطازجة واللحوم، ويمنع توريد الأدوية لعلاج المرضى.
أسعار مرتفعة
واضطر العديد من المواطنين إلى بيع مصاغ زوجتاهم المتبقي؛ لأداء هذه السنة المطهرة، ولكنهم بعد حين اكتشفوا أن غزة بلا أضحية، وأن ما هربته أنفاقها عبر مصر إلى رفح ليست للذبح لصغر سنها، فيما ارتفع ثمن الخراف إلى حدٍّ لا يطيقه الفقراء، وهم يشكلون 80% من سكان القطاع المحاصر.
ويعتقد العديد من المواطنين الغزيين أن الخراف المصرية لا تحل المشكلة؛ حيث بلغت أسعارها أضعافًا مضاعفة، رغم أنها تهرب رخيصة، ولكنها بمجرد دخولها للسوق المحلي بغزة فإن أسعارها ترتفع مثل البورصة، لتفاجئ المواطن العادي الذي يجمع أوراقه المالية القليلة، ويغادر آسفًا، فلا أضحية في عيد الأضحى ولا لعبة طفل.
يقول التاجر ناهض الشيخ من سكان الشجاعية: تصلنا خراف سودانية وليبية ومصرية، وهذا شيء جيد، لكن أسعارها مرتفعة جدًّا.
الإرهاق بدا على وجه الشيخ وهو يحاول إقناع زبون له بجودة أحد الأنواع من الخراف لاستخدامها في الأضحية، قبل أن يضطر إلى القبول بتخفيض ثمنها بنسبة 15% من أجل إتمام البيع.
ويبلغ سعر الخروف القادم عبر الأنفاق من ألف إلى ألف وخمسمائة شيكل- بحسب ما قال الشيخ- وتشهد أسواق ومزارع بيع المواشي والخراف في قطاع غزة حركة تجارية خجولة وحالة من الركود نتيجةً لندرة المعروض وتدني الطلب.
ويقول عدد من التجار: إنه لا جديدَ في عيد الأضحى سوى استمرار ضعف الاحتفال الشعبي وندرة الحركة التجارية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وظروف الحصار وإغلاق المعابر.
وسمحت سلطات الاحتلال بإدخال عدة آلاف من العجول إلى قطاع غزة بعد اتصالات مع السلطة الفلسطينية بمناسبة عيد الأضحى، لكن أكثر من نصف هذه الكمية ذهبت للاستهلاك المحلي بحسب إفادات مسئولي وزارة الزراعة.
وتضاف هذه الكمية إلى آلاف الأنواع من الماشية- لا سيما الخراف- التي جرى تهريبها من مصر، وتشهد هذه الأيام كثافة في كميتها مع اقتراب العيد.
وعاد وليد أبو حسن من سوق رفح المركزي عائدًا مع أبنائه دون الحصول على الأضحية نتيجة لعجزه عن توفير ثمنها.
وقال أبو حسن بنبرة حزينة: ما ذنب هؤلاء الأطفال؟ لماذا الأسعار ملتهبة إلى هذا الحد؟
ويأتي عيد الأضحى هذا العام بعد سلسلة مواسم أرهقت كاهل الأسر الفلسطينية في قطاع غزة- الذي يقطنه 1.5 مليون نسمة- بالإضافة إلى الحصار المشدد الذي تفرضه الدولة العبرية.
من جهتها أكدت وزارة الزراعة أن تحديد أسعار الأضاحي مرتبط بتحديد الكميات التي تتوفر في القطاع، معتبرةً أن الأسعار تختلف من نوعٍ لآخر، عوضًا عن أنها لن تسمح باستغلال حاجة المواطنين للأضحية؛ حيث وعدت أنه سيتم في القريب العاجل تحديد الأسعار بشكلٍ نهائي بالتعاون مع وزارة الاقتصاد.
وأكد م. تحسين السقا مدير عام الإدارة العامة للتسويق والمعابر بوزارة الزراعة أن عدد العجول التي دخلت قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم حتى الآن أكثر من (4500 رأس) فقط من أصل (7000 آلاف) كان الاحتلال أعلن نيته السماح بإدخالها.
واعتبر أن الاحتلال يماطل في إدخال الكمية التي أعلن عنها؛ حيث يتم يوميًّا إدخال 330 رأس عجل تقريبًا، مؤكدًا أن إجراءات الإدخال البطيئة ربما تقلص من الكمية، مبينًا أن العجول التي دخلت إلى القطاع تتراوح أوزانها ما بين 350 إلى 700 كيلو.
وأكد السقا أن قطاع غزة يحتاج من الأضاحي خلال عيد الأضحى سنويًّا أكثر من 15 ألف رأس من العجول، مطالبًا بإدخال عدد أكبر من الأضاحي، شاملة الأغنام التي لم تدخل قطاع غزة منذ ثلاثة أعوام، حيث يحتاج القطاع 20 ألف رأس من الأغنام، هذا غير بقية العام، فالقطاع يحتاج 4000 رأس شهريًّا.
وشدد السقا على أن الطواقم الفنية والبيطرية بوزارة الزراعة تراقب عن كثب ما يدخل قطاع غزة من الثروة الحيوانية سواء عبر المعابر أو الأنفاق، مؤكدًا أنها لن تسمح بإدخال المصابة منها بالأوبئة والأمراض.
تحديد الأسعار
وأكدت وزارة الاقتصاد الوطني أنها ستجتمع مع تجار المواشي في غزة؛ للتباحث من أجل التوصل إلى تسعيرة للأضاحي، ومناقشة تكلفة التجار في استيراد العجول ونقلها وحتى إطعامها، وبناءً على تلك التكلفة سيرفع الأمر لوزير الاقتصاد للخروج بتسعيرة للأضاحي، ويتوقع أن يعلن عنها الأحد القادم.
وقال أحمد أبو ريالة مدير دائرة حماية المستهلك بالاقتصاد: إن عدد العجول التي وصلت القطاع قاربت على الخمسة آلاف رأس حتى نهاية الأسبوع، وحينها نكون قادرين على البت في السعر، على أن يُستكمل العدد الذي وعد الاحتلال بدخوله، والبالغ سبعة آلاف رأس الأسبوع القادم.
تَعَدٍ على الشعائر الدينية
ويعقب الوكيل المساعد بوزارة الزراعة الدكتور إبراهيم القِدرة بالقول إن الاحتلال يتعمد في كل عام أن يُفسد على الشعب الفلسطيني فرحته بعيد الأضحى، ويحرم عشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية من أداء شعيرة إسلامية مهمة؛ وذلك بحرمانهم من ذبح أضاحيهم من العجول والأغنام.
وأضاف مخاطبًا المعنيِّين في العالمَيْن العربي والإسلامي ودول العالم الحر والمؤسسات الحقوقية والدولية والمنظمات الإسلامية والدينية: لكم أن تتصوروا حجم الكارثة التي يمكن أن تحِل بقطاع غزة بسبب افتقاد المواطن الفلسطيني للحوم الحمراء والبيضاء، وبالتالي النقص الحاد في البروتين، ما يهدد الصحة العامة وخاصةً المرضى والأطفال والشيوخ. داعيًا رؤساء الدول الإسلامية والمسيحية إلى توضيح موقفها إزاء التعدي على الشعائر الدينية وانتهاك حرمات الأديان بمنع المسلمين في عيدهم من الأضحية.
ويأتي ذلك في ظل تحذير وزارة الزراعة من أن قطاع غزة شبه خالٍ تمامًا من الأعلاف ومدخلاتها اللازمة لتربية ورعاية الثروة الحيوانية والطيور، بالإضافة إلى أن اللقاحات والأدوية الواجبة للتحصين من الأمراض الخطيرة على الإنسان قبل الحيوان قد شحت هي الأخرى؛ بسبب إغلاق المعابر وتشديد وطأة الحصار الجائر على شعبنا.