بعد جهد أمني في غاية التعقيد وإثر ملاحقة امتدت طوال عشرة أعوام استنفرت خلالها جميع الوسائل التكنولوجية والبشرية؛ تمكن جهاز "الشاباك" الصهيوني من الوصول إلى قائد كتائب عز الدين القسام الذراع المسلحة لحركة المقاومة الإسلامية حماس الذي اعتُبر المطلوب رقم واحد للمخابرات الصهيونية في الضفة الغربية.

 

ففي صبيحة الثالث والعشرين من مايو من العام 2006م حاصرت قوات كبيرة من الجيش الصهيوني منزلاً سكنيًّا مكونًا من ثلاثة طوابق في منطقة البالوع في مدينة رام الله، وقاموا بقصفه بقنابل (الانيرجا) قبل أن يقوموا باعتقال القائد القسامي إبراهيم حامد أبرز المطلوبين لجهاز المخابرات الصهيونية.

 

بعد شهر واحد فقط من الوصول إلى حامد؛ نجح مقاتلو كتائب القسام بأسر الجندي شاليط في عملية خاطفة ومعقدة عرفت بالوهم المتبدد، ومع انطلاق مفاوضات تبادل الأسرى بين حماس والجانب الصهيوني فوجئ الصهاينة بإدراج اسم إبراهيم حامد على رأس الأسماء الذين تطالب حماس بالإفراج عنهم مقابل الجندي شاليط.

 

لم يكن يخطر في بال الصهاينة أن اعتقال حامد سيشكل لهم معضلة أمنيَّة أخرى بعد اعتقاله تعجز خلالها حكومتان صهيونيتان متلاحقتان على اتخاذ قرار يقضي بالإفراج عنه ضمن صفقة الجندي الأسير جلعاد شاليط.

 

قرار الحرب أهون

وفور تسلم دولة الاحتلال لتلك القائمة رفضت الحكومة الصهيونية الإفراج عن حامد، واعتبرت اسمه ضمن الأسماء ذات الأوزان الثقيلة المعطلة لصفقة التبادل.

 

لم يستطع إيهود أولمرت وطوال ترؤسه للحكومة الصهيونية السابقة من اتخاذ قرار شجاع يقضي بالإفراج عن حامد، وكذلك كان الحال مع رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو الذي قال عشيَّة اجتماع لمجلس أمنه المصغر: "إن اتخاذ قرار بشن حرب أهون عليه من اتخاذ قرار يقضي بالإفراج عن المعتقلين الذي تطالب حماس بإطلاق سراحهم عنهم مقابل الجندي جلعاد شليط".

 

جذور إبراهيم حامد

وتنحدر أصول إبراهيم حامد إلى قرية سلواد قضاء رام الله، وهو من عائلة كان لها تاريخ طويل في مقاومة الاحتلال، ففي عام 1973م استشهد شقيقه عبد الرحيم في إحدى المعارك التي وقعت مع الجنود الصهاينة في منطقة الجولان السوري، كما يعتبر والد زوجته الشيخ عبد الرازق عبد الجليل حامد أحد مجاهدي حركة الإخوان المسلمين الذين خاضوا معارك 1936 و1948م.

 

بدأت قصة ملاحقة إبراهيم حامد عام 1998م عندما أعلنت سلطات الاحتلال ورود اعترافات عسكرية خطيرة على إبراهيم من بعض المعتقلين في السجون الصهيونية، كانت مجملها يصبُّ في أنه عضو فاعل في صفوف كتائب القسام، وأنه مسئول عن خلية عسكرية تنشط في مدينة نابلس نفذت العديد من عمليات إطلاق النار على المغتصبات القريبة من المدينة، ومنذ ذلك الوقت أعلنت سلطات الاحتلال أن حامد هو من أخطر نشطاء القسام في مدينة رام الله.

 

وقبيل اندلاع انتفاضة الأقصى بعدة أشهر وبفضل التنسيق الأمني بين الجانبين، اعتقل جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني إبراهيم حامد؛ حيث خضع في سجني بيتونيا وأريحا لتحقيق قاسٍ ومتواصل لمعرفة طبيعة دوره في كتائب القسام.

 

الكاتب وصاحب الفكر المعتدل

 الصورة غير متاحة

 أجهزة عباس دايتون تختطف أحد أنصار حماس بالضفة المحتلة

وحول هذه المرحلة يقول أحد الذين كانوا برفقة حامد في سجن بيتونيا: كان الشيخ إبراهيم حامد صاحب عقلية فذة، يقضي ليله ونهاره بالقراءة والمطالعة والكتابة، كما كان يعد الدراسات والأبحاث سواء التنظيمية أو السياسية أو الدينية، كما كان يجيد لعبة تنس الطاولة والشطرنج".

 

ويضيف أحد مرافقي حامد لـ"إخوان أون لاين": كان حامد صاحب فكر وسطي ويمثل تيار الاعتدال في كيفية التعاطي مع السلطة الفلسطينية بالرغم من ألوان العذاب الذي تعرَّض له؛ حيث كَسَرَتْ قدمه وَخَلَعَتْ أظافره أثناء التحقيق الذي كان يُشرف عليه جبريل الرجوب شخصيًّا قائد الأمن الوقائي في ذلك الوقت.

 

ويضيف: "تَخَّرج حامد من جامعة بيرزيت في تخصص العلوم السياسية، وعمل في مركز الأبحاث التابع لها، كما انتقل للعمل كباحث في قضايا اللاجئين في جامعة القدس المفتوحة برام الله، كما أصدر العديد من المؤلفات والأبحاث حول القضية الفلسطينية، وأصدر أول دراسة عن القرى الفلسطينية المدمرة عام 1948م، كما كان على بعد خطوات من نيل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية قبل أيام من اعتقاله عند أجهزة السلطة".

 

يعود لقيادة القسام

مكث حامد في سجون السلطة ما يقارب السنتين والنصف؛ حيث أطلقت السلطة الفلسطينية سراحه عام 2001م بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، وفور إطلاق سراحه؛ عاد حامد لقيادة كتائب القسام في منطقة وسط الضفة الغربية.

 

وتتهم المخابرات الصهيونية حامد بالوقوف خلف الكثير من العلميات الاستشهادية الموجعة، والهجمات المحكمة التي نفذت ضد معسكرات الجيش الصهيوني وداخل المدن العِبْرِيَّة التي أوقعت أكثر من 68 صهيونيًّا، بالإضافةِ إلى مئات الجرحى.

 

وينسب جهاز الشاباك لحامد المسئولية المباشرة عن عملية مقهى "مومنت" الصهيوني التي أوقعت 15 قتيلاً صهيونيًّا، وعملية الجامعة العبرية التي أوقعت 10 صهاينة قتلى، وعملية "ريشون لتسيون" التي أوقعت 17 صهيونيًّا، هذا بالإضافة إلى محاولة تفجير القطارات والصهاريج الصهيونية التي لو كتب لها النجاح لأوقعت مئات الصهاينة.

 

كما تتهمه المخابرات الصهيونية بمحاولة نقل الهيكلية الهندسية لصواريخ القسام من غزة، هذا بالإضافة إلى خطف وقتل المستوطن الصهيوني "ساسون" عام 2005م والذي أراد القسام إطلاق سراحه بعد مبادلته بالأسرى الفلسطينيين.

 

حامد في الأسر

ومنذ اعتقاله لدى سلطات الاحتلال خضع حامد للتحقيق على أيدي أبرز وأشهر المحققين الصهاينة الذين استصدروا قرارًا من محكمة العدل العليا الصهيونية يجيز لهم استخدام العنف أثناء التحقيق معه، واستمرت جولات التحقيق أكثر من ستة أشهر دون أن ينطق حامد ببنت شفاه بالرغم من كثرة الاعترافات التي تدينه.

 

وبعد انتهاء فترة التحقيق الطويلة والمنهكة، أبقت السلطات الصهيونية حامد في العزل الانفرادي في سجن الرملة حتى اليوم كما لم تَسْمَح له بزيارة عائلته، ويعتبر إبراهيم حامد صاحب أكبر ملف أمني في تاريخ القضاء الصهيوني؛ حيث يقع في أكثر من عشرة آلاف صفحة، هذا بالإضافة إلى مئات الشهود.

 

وفي المقابل تُصر حركة حماس على شروطها لإتمام صفقة تبادل الأسرى مقابل الإفراج عن الجندي جلعاد شليط، وترى في الإفراج عن قادتها العسكريين وأصحاب الأحكام العالية مؤشرًا حقيقيًّا على نجاح تلك الصفقة، وتنظر لها على أنها فرصة حقيقة قد لا تتكرر للإفراج عن هؤلاء القادة.