القضاء على المقاومة والضغط على الفلسطينيين لتقديم المزيد من التنازلات، ربما هو وجه التشابه بين الجدارين، الجدار الفولاذي المصري على حدود قطاع غزة، والجدار العنصري الصهيوني الذي حوَّل الضفة الغربية إلى شطرين منفصلين.
يشار إلى أن سلطات الاحتلال قررت إقامة الجدار العنصري في يونيه عام 2002م تحت مبررات منع المقاومة الفلسطينية من تنفيذ عمليات استشهادية، وتسلل المقاومين إلى العمق الصهيوني، فيما بررت السلطات المصرية إقامة الجدار الفولاذي بحفظ الأمن القومي ومنع تهريب السلاح لقطاع غزة.
يمر الجدار العنصري بطول الضفة الغربية وهو يفصل بين الأراضي المحتلة في الضفة من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، أقامته سلطات الاحتلال داخل حدود الضفة، وليس على حدود الرابع من حزيران عام 1967م، أو ما يُعرف "بالخط الأخضر"، يبلغ طوله 350 كم، ويتكون من سياج إلكتروني وحائط بطول ثمانية أمتار، تحيط به من الجانبين طرق معبدة وسياج من الأسلاك الشائكة وأنفاق، مزود بكاميرات وأجهزة إنذار مبكر وأبراج مراقبة.
أما الجدار الفولاذي الذي تبنيه مصر على الحدود مع قطاع غزة فهو مدعوم من ساحل البحر الأبيض بأنبوب ضخم لضخ المياه، يمتد لمسافة عشرة كم؛ ويهدف لجعل التربة رخوة والقضاء على إمكانية حفر الأنفاق من هذه المنطقة.
وطبقًا للتفاصيل فإن الأنبوب الضخم يمتد من ساحل البحر الأبيض المتوسط تجاه الشرق بمحاذاة الحدود بين مصر وغزة لمسافة عشرة كم، ويتفرع من هذا الأنبوب إلى باطن الأرض عدد كبير من الأنابيب بقطر ست بوصات مثقوبة من كل الجهات، وبعمق ثلاثين مترًا.
وبحسب المصادر ستُدق أسافين ضخمة من الفولاذ سمكها 15 سم وعرضها نصف متر وطولها 22 مترًا وهي متراصة على طول الحدود البالغة عشرة كلم، موضحةً أن هذا النوع من الفولاذ جاء جاهزًا من أمريكا، وهو غير قابل للتفجير أو الاختراق بالإمكانيات الموجودة.
الجداران
![]() |
|
أطفال غزة يتظاهرون قرب الحدود المصرية ضد الجدار الفولاذي |
وأضاف البسوس أن الهدف الثاني سياسي وذلك بالضغط على سلطة رام الله والحكومة الفلسطينية بغزة؛ لإعطاء بعض التنازلات السياسية سواء على صعيد المصالحة من جهة حماس أو عملية التسوية من جهة فتح.
أما المدلول الأمني, فهدف الكيان معلن للجدار بالضفة بمنع تسلل المقاومة لداخل الأراضي المحتلة؛ للحد من العمليات العسكرية، أما بغزة فمن أجل منع تهريب الأسلحة عبر الأنفاق.
من جهته اعتبر المحلل السياسي عادل سمارة من رام الله التشابه بين الجدارين يكمن في قضية واحدة تتمثل بالمقاومة, قائلاً: "يهدف الجداران إلى اجتثاث المقاومة الفلسطينية من المنطقة، ومنحها من التحول لحالة شعبية وجماهيرية ليس فقط في فلسطين بل خارجها".
هاني المصري
بينما المحلل السياسي هاني المصري لا يرى أية تشابه بين الجدار الفاصل الذي يقيمه الكيان الصهيوني لاقتطاع الأراضي الفلسطينية والفولاذي المصري, قائلاً: "لا يوجد ربط بين المسألتين، فمصر دولة عربية من حقها أن تقيمه رغم احتجاجنا كفلسطينيين, والكيان الصهيوني دولة محتلة".

وأكد سمارة أن التشابه بين الجدار الفاصل بالضفة والفولاذي بغزة يدلل على الموقف السياسي للنظامين المصري والصهيوني المكمل للإستراتيجية الأمريكية المعادية للمقاومة, قائلاً: "لو لم توجد المقاومة في فلسطين لما وجدنا الجدار الفاصل الصهيوني والفولاذي المصري".
وفيما يتعلق بالفرق بين الجدارين يقول البسوس: "الفرق الرئيسي بينهما أن الجدار الفاصل يبنى بأيدي العدو الصهيوني والفولاذي بجهود مصرية وعربية؛ مما يشكل حاجزًا كبيرًا بين الجانب الفلسطيني والمصري".
بينما يشير المحلل سمارة إلى أن الاختلاف الأساسي بينهما يكمن في الجنسية فقط, واصفًا المعاناة الناجمة من الجدارين مجرد شكلية؛ لأن الهدف الرئيسي لهما هو التضييق على المقاومة.
ويضيف المراقبون أن شروع الجانب المصري ببناء الجدار الفولاذي خطوة تجاه تقويض ومعاقبة وإسقاط حكم حركة حماس بالقطاع، وعزلها عن المعادلة السياسية الفلسطينية, مشيرين إلى أن قرار بنائه ليس قرارًا مصريًّا بحتًا بل بمشاركة أمريكيَّة صهيونية.
علاقة بعيدة
الوزير السابق في حكومة فياض اللا شرعية د. إبراهيم أبراش بدوره استبعد أن يكون هناك علاقة بين بناء مصر للجدار الفولاذي بملف المصالحة الوطنية الفلسطينية, قائلاً: "بناؤه ورقة ضغط على حماس".
فيما اعتبر الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف خطوة مصر وراء بناء الجدار الفولاذي رسالة ضغط واضحة لحركة حماس للاستجابة بضرورة التوقيع على الورقة المصرية دون الأخذ بالملاحظات المطروحة, قائلاً: "الأولى على الجانب المصري تعطيل هذه الخطوة لو أراد أن يخالف الرغبة الأمريكية".
يذكر أن جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية ومتحدثين عن وكالة غوث اللاجئين أكدوا أن السلطات المصرية تلتزم الصمت وراء تلك الخطوة، وتترك مهمة الدفاع عن هذه الخطوة غير القانونية وغير الأخلاقية لبعض الصحف المقربة منها.
![]() |
|
أوضاع معيشية صعبة لأطفال غزة في ظل الحصار |
يضيف المحلل الصواف: "بناء الجدار دليل على أن مصر مشاركة في تشديد الحصار على غزة، فهي تريد معاقبة حماس التي رفضت التوقيع على الورقة لوجود ملاحظات عليها، كما أنها تريد إثارة سكان القطاع ضدها", مؤكدًا أن بناء الجدار يهدف إلى عدم تمكين الفلسطينيين من حفر الأنفاق التي من خلالها يتم دخول البضائع للقطاع.
وأثارت الخطوة المصرية ببناء الجدار ردود أفعال فلسطينية ودولية غاضبة في الوقت الذي أفتى علماء الأمة بتحريم بناؤه، ونظمت العشرات من المؤسسات الحقوقية والأهلية في أنحاء مختلفة من العالم مسيرات ضخمة أمام السفارات المصرية؛ رفضًا لبناء جدار الموت الفولاذي.
واستبعد المراقبون أن يؤثر الجدار الفولاذي على إمكانيات وأداء المقاومة الفلسطينية كما تسعى السلطات المصرية، وأكد المحلل والخبير العسكري يوسف الشرقاوي أن المقاومة الفلسطينية لا يمكن كسرها، وأنها ستبتكر أساليب جديدة لإسقاط جدار "العار" كما أسماه.
وأكَّد الشرقاوي أن الجدار سيسقط كبقية الجدران التي سبقته، وسيُعجل بسقوط النظام المصري، وعودة مصر إلى الصف العربي لتحصن المقاومة ضد الكيان الصهيوني.
وانتقد الشرقاوي الإعلام العربي الذي لم يكشف عن هذا الجدار الفولاذي، وبقي مكتوف الأيدي حتى أتى صحفي سويسري وأعلن عنه، معتبرًا أن الإعلام العربي مسخر لمدح الحكام العرب.
وحذر مختصون اقتصاديون وبيئيون من مخاطر بناء الجدار وآثاره السلبية والخطيرة على قطاع غزة.
واعتبر خبير مائي أن بناء الجدار يُشكل حصارًا مائيًّا على قطاع غزة مثل مصائد المياه الجوفية التي حفرها الاحتلال على حدود غزة الشرقية والشمالية، مشيرًا إلى الحصار الجوي والبحري من الغرب من قبل الاحتلال، وحصار "الناتو" البحري.
وبين الخبير المائي نزار الوحيدي أن الخزان الجوفي على الحدود الجنوبية لقطاع غزة؛ خزان جوفي مشترك ومتداخل، داعيًا خبراء المياه والبيئة في مصر وخارجها للتدخل السريع لحماية الخزان الجوفي في قطاع غزة من تدهور إضافي وتلوث.
فيما اعتبر قانونيون بناء الجدار خرقًا وانتهاكا خطيرًا لاتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو أغراض عدائية أخرى، والتي نصت عليه المادة الأولى من القانون الدولي لعام 1976م, مشيرين إلى أن القانون الدولي ألزم الدولة المجاورة للمحاصرين بضرورة فتح حدودها وإمدادهم بالغذاء والدواء حتى لا يموتوا بسبب الحصار.

