عقد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات حلقة نقاش علمية تحت عنوان "القضية الفلسطينية 2010م"، بمشاركة نخبة من المتخصصين والمهتمين بالشأن الفلسطيني، من بينهم أحمد خليفة، وأسامة حمدان، وبلال الحسن، ود. حسن أبو طالب، ود. حسين أبو النمل، وحلمي موسى، ود. سمير التقي، ود. طلال عتريسي، وفتحي أبو العردات الذي قدّم ورقة أعدّها اللواء جبريل الرجوب، وأ. د. مجدي حماد، ومنير شفيق، ود. محسن صالح، ومعين مناع.
وتأتي أهمية هذه الحلقة التي توزعت أعمالها على ثلاث جلسات، من خلال سعيها لاستشراف الاتجاهات المتوقعة للقضية الفلسطينية بمختلف محاورها في سنة 2010م، وذلك جريًا مع عادة المركز في التقييم الإستراتيجي للتطورات المتعلقة بالقضية الفلسطينية على رأس كل سنة، ومحاولة الاستشراف المستقبلي للسنة القادمة، وفي أجواء إعداد المركز لتقريره الإستراتيجي الفلسطيني السنوي.
وقد ناقشت الجلسة الأولى التي أدارها د. حسين أبو النمل؛ الوضع الفلسطيني الداخلي، وتحدّث خلالها كلٌّ من بلال الحسن وفتحي أبو العردات الذي قدّم ورقة جبريل الرجوب، وأسامة حمدان. وقد حاول الحسن في ورقته الإحاطة بثلاثة موضوعات أساسية، هي: المفاوضات وحوار الفصائل وإجراءات محمود عباس الداخلية، مشيرًا إلى أن نقطة الضعف الأساسية في العملية التفاوضية في الوقت الراهن، هي أن التفاوض لا يستند إلى أية مرجعية سوى مرجعية المتفاوضين؛ حيث الغلبة للأقوى، وشبّه المفاوضات من الجانب الفلسطيني بأنها مناظرة لا تثمر سوى ما يريده الكيان الصهيوني.
كما رأى الحسن أن ورقة المصالحة المصرية جاءت كلها إدارية خالية من أي مضمون سياسي مباشر، وأضاف أنه لا يمكن نجاح المصالحة إلا بعد تعديل الخلل في نصوصها.
ونبَّه الحسن إلى التبعات التي قد تترتب على إقدام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير على إنشاء دائرة المغتربين، والتي قال: إنه سيتم العمل بمقتضاها إلى تقسيم الفلسطينيين المتواجدين في بلدان اللجوء إلى لاجئين ومغتربين؛ الأمر الذي يمكن لو تم أن يسقط ملايين الفلسطينيين من دائرة اللجوء إلى دائرة الاغتراب، ويسهل توطينهم.
من جهته، تناول أبو العردات في المداخلة التي قدّمها نيابة عن اللواء الرجوب استمرار الانقسام الفلسطيني وما تمخض عن هذه الحالة من انقسام سياسي وجغرافي على المستوى الرسمي، وتدهور حالة حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة، واستمرار الحصار على القطاع وعدم القدرة على إعادة إعماره، وغيرها من تبعات الانقسام.
كما تناول مسألة جمود عملية السلام وتوقف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني، في ظل إمعان الكيان الصهيوني في التوسع الاستيطاني وإكمال جدار الضم والتوسع، ومصادرة المنازل الفلسطينية في القدس، والتخطيط لهدم أحياء بكاملها أيضًا في القدس، وإحكام السيطرة على منطقة الأغوار وعزلها كمقدمة لضمها.
ورأى أن الطريق للخروج من مأزق الانقسام الداخلي وجمود عملية السلام، يمرّ بتوقيع جميع الأطراف على الورقة المصرية، وتنفيذ جميع ما ورد فيها بإخلاص، وإيجاد أرضية صلبة للمصالحة الوطنية، تتضمن اتفاقًا واضحًا على مفاهيم الحل السياسي، والأمن والسلاح والميليشيات، والمقاومة، والشراكة السياسية، وبناء مجتمع ديموقراطي قائم على التعددية السياسية واحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان، ويحتكم للانتخابات الديموقراطية وصندوق الاقتراع لتداول السلطة، ويرفض استخدام السلاح ويصون الحريات العامة والعدالة الاجتماعية.
وفي ورقته رأى حمدان أن جوهر الخلاف في موضوع المصالحة كان حول البرنامج السياسي (مقاومة أو تسوية)، وفاقم الأمر ضعف الموقف العربي وتمزقه، علاوة على التدخل الأمريكي والدولي الذي وجد أُذنًا صاغية في الساحة الفلسطينية؛ لكن الانقسام كشف إشكاليتين رئيسيتين، الأولى أن النظام السياسي الفلسطيني صُمّم ليستوعب طرفًا واحدًا يحكم منسجمًا مع إرادة التسوية السياسية التي تفضي إلى تصفية القضية الفلسطينية، والثانية أن الحديث عن استقلالية القرار الفلسطيني وقدرة الفلسطينيين على بناء مرجعية وطنية جامعة ملتزمة بالثوابت هي مسألة تحتاج إلى نقاش كبير.
وطالب حمدان بضرورة إجراء عملية مراجعة لعملية التسوية وما وصلت إليه اليوم، خاصة مع انكشاف ضعف أوباما، محذرًا من الاستمرار بالانجرار وراء هذه العملية خلال سنة 2010م؛ مما سيعني مزيدًا من الخسائر، كما طالب بالعودة إلى خيار الشعب الفلسطيني الوحيد وهو التحرير والعودة، والذي أثبتت التجربة أنه لا يتحقق إلا بالمقاومة؛ فسنوات التسوية كانت العهد الذهبي لتهويد القدس وتوسيع الاستيطان، وستضع سنة 2010م السلطة الفلسطينية في موقف حرج تجاه ضرورة حسم موقفها من القدس، ومن رد الشعب الفلسطيني على تهويد القدس، متسائلاً: "هل سيتكرر موقف غزة؟".
وشدد ختامًا على المقاومة كخيار إستراتيجي، وعلى ضرورة إشراك فلسطينيي الشتات بدور فاعل ظل حتى اليوم غائبًا أو مغيّبًا، وعلى أن تحرير فلسطين هو مشروع أمة وليس مشروعًا فلسطينيًّا، وإن كانت مقدمة هذا المشروع هي جهاد الشعب الفلسطيني.
الجلسة الثانية
تناولت الجلسة الثانية التي أدارها د. سمير التقي، كلاًّ من المشهد الصهيوني والعالم العربي، وتحدّث خلالها أحمد خليفة، ود. حسن أبو طالب، وتحدّث خليفة عن المشهد الصهيوني الداخلي، مركِّزًا على علاقته بالشأن الفلسطيني أو العملية السياسية والمفاوضات.
وأشار إلى النقص الموجود في مجال الدراسات الصهيونية في الساحة الفلسطينية والعربية، في حين أن هذه الدراسات هي مطلب أساسي في الصراع.
![]() |
|
د. حسن أبو طالب ود. سمير التقي و أحمد خليفة |
ورأى أن هناك انزلاقًا تدريجيًّا متواصلاً ومستمرًّا وثابتًا للمجتمع الصهيوني بأكمله، وللبنية السياسية بأكملها، ولمواقف هذه البنية السياسية من الصراع العربي الصهيوني نحو اليمين، وأضاف أنه لم يعد في الكيان الصهيوني اليوم أحزاب لها مواقف "معتدلة أو يمكن التوصل معها إلى حل ما للقضية الفلسطينية؛ ولذلك هذا الوهم يجب أن ننتهي منه"، خاصة مع وجود نتنياهو المتطرف والمشهور بمواقفه من الفلسطينيين؛ إلا أنه أشار إلى أنه أمام الوضع الفلسطيني المتأزم، لا يمكن إنكار أن الكيان الصهيوني يعاني اليوم أيضًا من تحديات ومشاكل إستراتيجية، تثير قلقه؛ لعل أبرزها ما يسميه المشكلة الديموغرافية، وتحدي يهودية الدولة أمام الفلسطينيين (عرب 1948م) واليهود المتدينين (الحرديم)، وعندهم قلق حول ما يجب فعله مستقبلاً في حال بقيت عملية التسوية على حالها، وفرضية الانسحاب من الضفة بعد بناء الجدار وفي ظل الازدياد الديموغرافي للفلسطينيين، وبعد عجز خطة الفصل الأحادي، وطرح البعض لمسألة القبة الحديدية (الهاجس الأمني).
أما د. أبو طالب فقدم في ورقته حصادًا للمشهد الفلسطيني في سنة 2009م، ورأى أنه تمركز في أربعة نقاط: جمود العملية السياسية، الاستقطاب الحاد في الوضع العربي، تراجع الحالة الفلسطينية، تبعها حراك سياسي مفاجئ مطلع 2010م، ثم قدَّم استشرافًا للمشهد الفلسطيني في سنة 2010م، رأى فيه أن العام الحالي سيشهد اختلاط الأدوار وتعدد الاختراقات الجزئية غير الحاسمة، وبالتالي توقع عدم التوصل إلى مصالحة فلسطينية كاملة، كما رأى أن هذه السنة ستشهد مفاوضات تلتزم بها السلطة الفلسطينية، مدعومة جزئيًّا من النظام العربي؛ لكن سيشوبها كثير من الملاحظات والانتقادات، كما لم يتوقع حدوث اختراق في العلاقات المصرية السورية، ولا تدخلات سورية كبرى في ملف المصالحة الفلسطينية، ورأى أنه بناءً على المعطيات القائمة؛ فإن القمة العربية ستنعقد دون أن توفر مظلة للمفاوضات الفلسطينية- الصهيونية، كما توقع أبو طالب تعثر المساعي التركية لاستعادة المفاوضات السورية- الصهيونية، ورأى أن الكيان الصهيوني سيستمر في تعنته بشأن الاستيطان، فيما لم ير أي آفاق جديدة لمبادرة السلام العربية.
الجلسة الثالثة
أما الجلسة الثالثة والأخيرة من الحلقة، والتي أدارها معين مناع، فقد ناقشت موقف العالم الإسلامي والمواقف الدولية من القضية الفلسطينية، وتحدّث خلالها د. طلال عتريسي، وأ. د. مجدي حماد، ومنير شفيق.
في ورقته التي تحدث فيها عن القضية الفلسطينية والعالم الإسلامي، استنتج د. عتريسي أنه من المتعذر أن يتمكن الفلسطينيون- في ظل انقسامهم حول الخيارات الإستراتيجية- من جذب الدول الإسلامية إلى تأييدهم ككتلة واحدة أو كقضية واحدة؛ ما يعني أن مواقف وسياسات الحكومات الإسلامية ستستمر على الأرجح في أكثر من اتجاه، تعبيرًا عن واقع الدول الإسلامية من جهة، وعن الواقع الفلسطيني والعربي من جهة ثانية؛ لكن ذلك لا يجب أن يمنع الطرف الفلسطيني من حشد التأييد الإسلامي لقضايا ليس حولها أيُّ خلاف فلسطيني؛ مثل قضية القدس الشريف أو إلغاء المستوطنات أو هدم الجدار العنصري.
أما د. حماد الذي قدَّم ورقة بعنوان "القضية الفلسطينية والوضع الدولي.. أفكار للمناقشة"، فقد قال: إن أخطر ما ورد في "اتفاقيات أوسلو" هو التخلي الفلسطيني عن الحق في النضال على الساحة الدولية، بموجب القوانين والمواثيق الدولية لإحقاق حقوقه المشروعة، ومن ثم فقد وضعت القيادة الفلسطينية، ووضعت الفلسطينيين أنفسهم في موضع لا يحسدون عليه: يناضلون- إذا ناضلوا- ويطالبون- إذا طالبوا- بتطبيق بنود تلك الاتفاقيات الظالمة، من دون أن يستندوا إلى المرجعية الحقيقية التي هي القانون الدولي، بل ولا حتى إلى "الشرعية الدولية"، هكذا نؤكد أن "إدانة" اتفاقيات أوسلو تنبع لا من حيث إنها لم تعطنا شيئًا، بل لأنها أخذت أشياء.
وفي ورقته رأى الأستاذ منير شفيق أن ظاهرة الضعف في وجود البديل الذي يملك أن يفيد مما حدث من خلل في ميزان القوى العالمي والإقليمي، أو من حالة الفوضى من جهة السيطرة، يبرز أكثر ما يبرز في حالة الوضع العربي عمومًا، ولا سيّما من خلال بعض دوله الكبيرة؛ وذلك بسبب حالة العجز والشلل والرهان على السياسات الأمريكية والتسوية؛ الأمر الذي يمنع الوضع الرسمي العربي من أن يكون بديلاً فاعلاً يمكنه أن يفيد من حالة موازين القوى القائمة عالميًّا، وما راح يتشكل من فراغات ومن فرص حتى بالنسبة لإحداث إنجازات، بالرغم من الإدارة الأمريكية والصهيونية، فمن الممكن في لبنان- مع دعم عربي- استكمال تحرير الجنوب، خصوصًا بعد النجاح المهم في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ومن الممكن في فلسطين- مع توفير الدعم العربي- أن تحقق وحدة وطنية على أساس كسر الحصار على قطاع غزة، ودحر الاحتلال من الضفة الغربية، واستنقاذ القدس والمسجد الأقصى، وبلا قيد أو شرط، وذلك من خلال الانتفاضة الشعبية والمقاومة لا المفاوضات والمساومة.
ثم اختتم الدكتور محسن صالح الحلقة، شاكرًا الحضور ومنوهًا بما تمت مناقشته من وقائع وتوقعات وتوصيات، آملاً أن تسهم في خدمة القضية الفلسطينية والأطراف العاملة لأجلها.
-----------
* يُنشر بالاتفاق مع مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
