قبل أربع سنوات سجلت حركة المقاومة الإسلامية حماس فوزًا واضحًا في الانتخابات التشريعية التي عقدت للمرة الثانية منذ إنشاء السلطة الفلسطينية؛ حيث منح أكثر من 60% من الناخبين أصواتهم لحركة حماس، لتنهي بهذا الفوز على سيطرة حركة فتح المطلقة على القرار السياسي الفلسطيني.

 

لن ندخل في هذا التقرير في متاهات وتحليلات وأسباب وتداعيات هذا الفوز فقد قيل فيه الكثير، ولكننا نرصد في هذا التقرير العقبات التي وُضعت في وجه الحركة لإجهاض تجربتها الأولى في الحكم.

 

حماس وحدها

منذ اليوم الأول الذي تلا هذا الفوز، أعلنت حركة حماس نيتها تشكيل حكومة ائتلافية تضم جميع التنظيمات الفلسطينية والشخصيات المستقلة على قاعدة حكومة وحدة وطنية؛ حيث بدأت الحركة بإجراء اتصالاتها مع الكتل البرلمانية خلال المدة التي حددها القانون.

 

انقسمت التنظيمات الفلسطينية في جولات الحوار إلى منْ رفض ذلك جملةً وتفصيلاً، وكانت حركة فتح هي صاحبة هذا الموقف المعلل سلفًا، كما حاولت التنظيمات اليسارية الصغيرة ابتزاز الحركة من أجل تولي مناصب وزارية سيادية لا تعكس الحجم الحقيقي لتلك التنظيمات، كما ضغطت حركة فتح على فصائل منظمة التحرير من أجل مقاطعة حركة حماس.

 

وبعد هذا الرفض والابتزاز قررت حماس تشكيل الحكومة منفردةً؛ حيث ضمت خيرة أبناء الحركة الأكفاء من حملة الشهادات العليا والأكاديميين وذوي الاختصاص، كما ضمت عددًا من القادة السياسيين، وقد كُلف إسماعيل هنية بتولي منصب رئيس الحكومة.

 

ميزانية مثقلة

 الصورة غير متاحة

الشعب الفلسطيني بايع حكومة حماس رغم قلة مواردها

   وبعد أن أدت الحكومة قسمها أمام رئيس السلطة وشرعت بالعمل، بدأت العقبات توضع في طريق هذه الحكومة من أجل إفشال تجربتها، حيث ورثت حكومة حماس خزينة مالية مفلسة بل ومثقلة بالديون، كما قامت حركة فتح بتعيين آلاف الموظفين الفتحاويين قبل أيام من تسليم أعضاء المجلس التشريعي القديم مهامهم الدستورية؛ وذلك بغرض إثقال كاهل الحكومة بالمصروفات والنفقات الإضافية.

 

كما أعلنت الدول المانحة عن عدم تحويل أي من أموال المساعدات لخزينة السلطة قبل اعتراف حركة حماس بالشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية، والتي تنص في مجملها على اعتراف حركة حماس بالكيان الصهيوني والالتزام باتفاقيات السلام التي وقعتها منظمة التحرير.

 

وأعلن الكيان الصهيوني من جانبه عن رفضه تحويل أموال وعائدات الضرائب لخزينة السلطة؛ بحجة أن تلك الأموال ستصل إلى حركة حماس العدو اللدود للدولة العبرية.

 

وأمام هذا العجز المالي في خزينة السلطة الحمساوية، لم يعد بمقدور وزارة المالية تأمين رواتب الموظفين والعاملين في السلطة الوطنية.

 

الإضرابات المسيّسة

انضمت حركة فتح إلى هذا الحلف الدولي لمواجهة حركة حماس وحشرها في الزاوية، وبدأت بدورها بخطة مبرمجة متدحرجة من أجل إفشال الحركة الإسلامية؛ حيث شرعت في بادئ الأمر بإجراء إضرابات مسيسة شملت مختلف الوزارات الحكومية حيث رفض غالبية الموظفين- والذين هم بالأصل من الموالين لحركة فتح- عن الذهاب إلى أعمالهم؛ مما أحدث شللاً شبه تام في جميع الوزارات والحياة العملية.

 

وبالرغم من تلك الأوضاع التي وصفت بأنها أشبه بالعصيان المدني، ظلت حكومة حركة حماس صامدة؛ حيث تفهم غالبية الجمهور الفلسطيني أن هذا الحصار هو ثمن لمواقفها السياسية المحافظة على الثوابت الوطنية.

 

الفلتان الأمني

وبعد أن فشلت حركة فتح في إخضاع حركة حماس أو كسر شوكتها، انتقلت للمرحلة الثانية والتي عرفت بمرحلة الفلتان الأمني المنظم والذي قادته حركة فتح وعناصرها الأمنية؛ حيث بدأت عمليات إطلاق النار على المواطنين وترويع الناس في الشوارع وحرق المؤسسات، وبدأت عمليات القتل المنظمة لكوادر حركة حماس في قطاع غزة والضفة الغربية.

 

ولم تستجب الأجهزة الأمنية لجميع دعوات وزير الداخلية الشهيد سعيد صيام من أجل ضبط الوضع وتأمين الأمن والحماية للمواطنين الذين اكتووا بنار الفلتان الأمني؛ وذلك لأن غالبية عناصر تلك الأجهزة هم من حركة فتح.

 

وأمام تلك الحالة قرر وزير الداخلية تشكيل جهاز أمني جديد أطلق عليه اسم "القوة التنفيذية" الذي بدأ يعيد الأمور إلى نصابها ويضبط الواقع الأمني، إلا أن هذا الجهاز نجح في فرض الأمن في قطاع غزة، ولم يستطع ذلك في الضفة الغربية.

 

وفي المقابل رفضت حركة فتح والرئاسة الفلسطينية تشكيل هذه القوة، وتحول عناصر هذا الجهاز إلى أهداف من قبل مسلحي فتح؛ حيث استُشهد العديد منهم في عمليات إطلاق نار وتفجيرات استهدفت مركباتهم العسكرية والمدنية.

 

 شاليط والنواب

 الصورة غير متاحة

 جلعاد شاليط ما زال في قبضة المقاومة

   ولكي تخرج حركة حماس من حالة الاحتقان تلك ومن أجل تصويب البندقية نحو وجهتها الصحيحة، قامت حماس بعملية أمنية معقدة باستخدام أحد الأنفاق؛ حيث استطاعت قتل عدد من الجنود الصهاينة في قاعدتهم العسكرية القريبة من غزة، كما نجحت في أسر الجندي "جلعاد شاليط"، وجاءت هذه العملية كترجمة حقيقية لشعار حماس الانتخابي الذي رفعته "يد تبني ويد تقاوم".

 

ردت الدولة العبرية على تلك العملية- التي وصفت بالضربة الأمنية للأجهزة الأمنية الصهيونية-، باعتقال جميع نواب ووزراء حركة حماس في الضفة الغربية؛ حيث وصل عدد المعتقلين أكثر من 50 نائبًا ووزيرًا، هذا بالإضافة إلى اعتقال المئات من كوادر الحركة ورؤساء المجالس المحلية والأكاديميين.

 

واعتبرت هذه الاعتقالات ضربة سياسية لحركة حماس، وأنها جاءت كجزء من المخطط الذي يستهدف إسقاط حماس؛ لأن غالبية المعتقلين ليسوا من نشطاء حماس العسكريين.

 

اتفاق مكة

 الصورة غير متاحة

الملك عبد الله يتوسط مشعل وأبو مازن أثناء إعلان اتفاق مكة

   وقَّعت حركة حماس بعد ذلك على وثيقة المصالحة التي رعتها المملكة السعودية وأُعلن عن تشكيل حكومة وحدة وطنية ضمت مختلف الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة فتح وبعض الشخصيات المستقلة.

 

لم يكتب لهذه الحكومة النجاح؛ وذلك بسبب استمرار الحصار المالي والسياسي لها، كما لم تنجح الدول العربية بتسويق هذه الحكومة، ورضخت للضغوطات الأمريكية التي منعت تحويل أي دولار لتلك الحكومة التي تضم وزراء من حركة حماس.

 

كما لم يرق هذا الاتفاق لبعض الأوساط في حركة فتح، واستمرت حوادث الفلتان الأمني الفتحاوية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

ظلت حركة حماس صابرة وضاغطة على جرحها الذي ينزف بشكل يومي، وأرسلت العديد من البرقيات التي تدعو عباس والدول العربية للجم دحلان والعناصر الأمنية، وشكلت محاولة اغتيال رئيس الوزراء إسماعيل هنية أثناء عودته من معبر رفح نقطة فاصلة في تعاطي حماس مع عناصر الأجهزة الأمنية المتمردة.

 

آخر العلاج

لم تفلح جميع دعوات حركة حماس لوقف دحلان عند حده، واستمرت عمليات القتل والحرق والتخريب؛ مما دفع عناصر حركة حماس وكتائب القسام إلى اقتحام مقرات الأجهزة الأمنية في غزة التي كانت وكرًا ومركزًا ومنطلقًا لجميع عمليات الفلتان الأمني والاختطاف والقتل والتعذيب والحرق، وحسمت حماس المعركة، فخلال 48 ساعة سقطت جميع المقرات الأمنية في أيدي الحركة وتوقفت حوادث الفلتان الأمني، وأعلنت حركة حماس في حينه أن تلك الخطوة كانت اضطرارية، وأنها تستهدف تيارًا في الأجهزة الأمنية، وأنها لم تكن موجهة لحركة فتح.

 

استئصال حماس

في المقابل ردت حركة فتح والرئاسة على تلك الخطوة بإقالة حكومة هنية، وأعلنت عن تشكل حكومة جديدة برئاسة سلام فياض، وشرعت الأجهزة الأمنية بحملة منظمة ضد حركة حماس ومؤسساتها بهدف الاستئصال والاجتثاث؛ حيث تم إغلاق وحل أكثر من 120 جمعية ومؤسسة تابعة للحركة الإسلامية، كما تم فصل مئات الموظفين من وظائفهم الحكومية بحجة تعاطفهم مع حركة حماس.

 

كما تم اعتقال واستجواب أكثر من 30 ألفًا من كوادر وأنصار وقادة الحركة، وتعرض المعتقلون الحمساويون في سجون السلطة لتعذيب شديد من أجل انتزاع الاعترافات منهم عن الأسلحة والموارد المالية والتشكيلات التنظيمية والإدارية، واستُشهد 6 من كوادر الحركة داخل أقبية التحقيق نتيجة التعذيب، ولا تزال تلك الاعتقالات مستمرة حتى اليوم في الضفة المحتلة.

 

حرب غزة

بعد أن نجحت حركة حماس في بسط الأمن في غزة، واستطاعت بفعل الدعم العربي والشعبي من تأمين الموارد المالية لإدارة شئون القطاع، وبعد أن أصبحت حماس تبسط نفوذها في غزة، شنت الدولة العبرية وبمباركة فتحاوية وتأييد عباسي حربًا على قطاع غزة، كان الهدف المعلن منه إسقاط حكم حماس وعودة السلطة لإدارة القطاع.

 

إلا أن حماس خرجت منتصرة في هذه الحرب، بدأت فتح باللعب على وتر ضرورة الحوار الوطني من أجل إنهاء الانقسام، ولكن حركة فتح في حقيقة الأمر لم تكن جادة في تلك الدعوات حيث ظلت متمترسة خلف مواقفها بالرغم من الليونة التي أبدتها حماس، كما لم يلعب الوسيط المصري دورًا حياديًّا في جولات الحوار التي استمرت أكثر من سنة ونصف السنة، ويبدو أن ملف المصالحة قد وصل إلى طريق مسدود في المرحلة الراهنة بعد الرفض الأمريكي.

 

حماس والرهان

 الصورة غير متاحة

ارتفاع شعبية حماس في الشارع الفلسطيني رغم الضغوطات المستمرة

   إن مسيرة حركة حماس طوال الأربع سنوات الماضية كانت حافلة بالكثير من الضغوطات التي لو تعرضت لها دول مستقرة لكانت عرضة للانهيار والاندثار، ويسجل لحركة حماس قوتها التنظيمية والشعبية بين المواطنين سواء في الضفة أو القطاع أو في خارج فلسطين، بالرغم من بعض الأخطاء التي وقعت بها نتيجة حداثة تجربتها السياسية في الإدارة والحكم.

 

وتراهن حركة حماس على التغيرات الإقليمية من أجل الخروج من عزلتها الدولية، على اعتبار أن حركة حماس أصبحت رقمًا صعبًا يصعب القفز عنه في أي معادلة سياسية في المنطقة، ولا يمكن لأي طبخة سياسية أن تنضج من دون نار حماس.