لا تزال الأبراج الشاهقة في منطقة "تل الإسلام" غرب مدينة غزة شاهدةً على جرائم الحرب الصهيونية البشعة، رغم أعمال الصيانة الجلية، فقد لجأ قاطنو الشقق السكنية لصيانة ما حل بشققهم من دمار جزئي، وغطى البعض نوافذهم بقطع "نايلونية" بدلاً من الزجاج غير المسموح إدخاله للقطاع.
لكن الهم الأكبر يقاسيه من دُمِّر بيته عن بكرة أبيه؛ لأن غياب مواد الخام اللازمة للبناء دفعته للتنقل من مسكن إلى آخر، على أمل بالعودة إلى بيته المدمر ولو بعد حين.
وعادت حديقة برشلونة إلى طبيعتها، يفترش سكان الأبراج المقابلة حشائشها الخضراء، بعد أن عبثت بها الآليات الصهيونية، واقتلعت بعض أشجار النخيل، ودمّرت ملعبًا لكرة السلة، ومراجيح للأطفال.
وشنَّ الكيان الصهيوني هجومًا بريًّا وبحريًّا وجويًّا في الشتاء الفائت على القطاع الساحلي الضيق الذي يتسع لمليون ونصف المليون نسمة، بدعوى وقف صواريخ المقاومة الفلسطينية محلية الصنع التي تدك المغتصبات المحاذية للشريط الحدودي مع غزة، وقتلت ما يزيد عن 1500 شهيد، غالبيتهم من الأطفال والنساء، وهدمت المساكن على رءوس قاطنيها.
انفراج بعد مشقة
في بداية الأمر، لم يذعن المواطن أبو خالد اللوح (58 عامًا)، لاتصال هاتفي، مفاده "بيتك مهدد بالقصف من طائرات الـ"F16" الحربية، وعليك الرحيل"؛ لكن حركة الطائرات التي كانت تجوب سماء المنطقة دفعته للنزوح باكرًا، فمنطقة سكنه القريبة من كلية المجتمع تبدو شبه خالية من السكان، ويفصلها عن مغتصبة "نتساريم" سابقًا طريق ترابي وعر.
بعد أن أسدلت الحرب أوزارها عاد اللوح إلى مسكنه المكون من طابقين، فأُصيب بصدمة عارمة نتيجة الدمار الذي لحق به، فقد تعرَّض منزله لأربع قذائف من الدبابات الصهيونية، كما أن أثاث منزله دُمِّر بالكامل.
ودمر القصف الصهيوني الواجهة الجنوبية لمنزل اللوح التي تحتوي على مطبخ وحمام، وغرفتين وصالون، كما أن زجاج النوافذ تهشم بالكامل.
برودة الشتاء لم تترك خيارًا أمام اللوح وعائلته المكونة من 8 أفراد، فقرر صيانة منزله؛ رغم أن ما تقاضاه من تعويضات مالية من حكومتي حماس ورام الله لا يكفي لشراء طقم كنب؛ على حد قوله.
ويقول اللوح الذي أنهى صيانة بيته حديثًا: "تسلمت مبلغ 2000 يورو من حكومة حماس، و7 آلاف شيكل من حكومة فياض؛ لكنها لم تكف لأعمال الصيانة، فالقذائف كانت مصوبة إلى المطابخ والحمامات، وأسعار "بلاط الكراميكا" والأدوات الصحية تفوق الخيال؛ ما دفعني لإنهاء الصيانة على نفقتي الخاصة.
ويرى اللوح أن الكيان الصهيوني صاحب الشأن الأول والأخير في قضية الإعمار، فهو يوصد المعابر، ويمنع دخول المواد الخام اللازمة لعملية البناء، وأمام هذا الصلف الصهيوني فإن بوادر الإعمار تبقى سرابًا.
مع ذلك فهو يشعر براحة البال، مطالبًا أصحاب الضمائر الحية والمنظمات الحقوقية الدولية أن تنهي معاناة العائلات المشردة، قبل أن تئن من زمهرير الشتاء القارس.
عدد كبير من البيوت لم يسلم من القصف الصهيوني في المنطقة، فأغلبها تعرَّض لأضرار جسيمة، فما زالت آثار الدمار واضحة على واجهات المنازل، بينما عجز أصحاب البيوت المدمرة تدميرًا كليًّا عن إعمار بيوتهم.
محاولات لإعادة بناء عمارات جديدة مكان المدمرة بتل الهوى

الشقيقان أحمد ومحمد بربخ يقطنان قريبًا من مسكن اللوح؛ لكن فاجعتهما كانت أكبر من سابقهما فقد حرق الفسفور الأبيض شقة الأول، وألحق أضرارًا فادحةً في شقة الثاني.
غلاء الشقق السكنية لم يغب عن بال الشقيقين، فقررا السكن في الجزء الآخر من شقة محمد إلى أن تسلما تعويضًا من حكومة غزة، ووكالة الغوث للاجئين، كان كافيًا لإنهاء أعمال الصيانة كما يقول محمد البالغ من العمر (37 عامًا): "عشنا أيامًا سوداء ننتظر الإعمار، يسكن كل منا في غرفة مع أبنائه الصغار، وكانت حركة الجميع مقيدة؛ نظرًا لضيق المساحة"، ويضيف بحزم "على الدول العربية أن تنهي معاناة آلاف المشردين، وألا يرتهنوا للفيتو الأمريكي، وربط معاناة المشردين بقضايا سياسية لا شأن لهم بها".
وبحسب ما سجلته الجهات المختصة؛ فإن الخسائر المادية مجموعها 2 مليار دولار خسائر مباشرة لكافة القطاعات الحكومية، والمباني السكنية.
أمل مقطوع
ويعيش المئات من العائلات المشردة في خيام الإيواء، لا تقي عنهم برد الشتاء القارس ولا حرارة الصيف الملتهبة، يقتاتون ما تقدمه الجمعيات الخيرية من سلات غذائية.
في عصر كل يوم يأتي المواطن أبو أحمد الشنار (47 عامًا)، يقف أمام بنايته المدمرة والحسرة تعتري مشاعره، ينقل بصره في أرجاء كومة الركام المحيطة بمنزله والحزن يختلج صدره، ويندب حظه العاثر كغيره من المشردين بعد مرور عام على الحرب؛ لأن وعود الإعمار والمليارات الكثيرة التي تبرَّع بها المتبرعون لا تزال حبرًا على ورق.
وتتفاقم معاناة الشنار يومًا بعد يوم من جرَّاء الحرب الظالمة التي حرمته من أن يعيش تحت سقف واحد مع أولاده الخمسة، ويقول بعيون يغزوها الألم: "نعيش في مأساة حقيقية، فاستئجار شقة سكنية أمر صعب المنال، وإن وجدت؛ فسعرها لا يتناسب مع قدرتي المالية، مردفًا بضيق: أسكن مع أسرتي بغرفة واحدة من "الزينكو" في بيت جدهم، فالأموال التي تسلمناها من الجهات المانحة لا تكفي لبناء غرفة بمنافعها، كما أنها شارفت على النفاد لأنني عاطل عن العمل.
وبحسب وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة؛ فإن عدد البيوت التي دمرت كليًّا بخمسة آلاف وحدة سكنية، وهناك ما يقارب من 50 ألف وحدة سكنية تضررت جزئيًّا.
وأصبح هؤلاء المواطنون مشردين في وطنهم بلا مأوى، وفقدوا كل مقتنياتهم وأساسهم المنزلي تحت الركام؛ ما دفع جزءًا منهم للعيش في خيام الإيواء التي أقامتها وزارة الأشغال ووكالة الغوث للاجئين والمؤسسات الإنسانية، فيما انتقل بعضهم للعيش عند أقربائهم أو استئجار شقق سكنية.
وتبدو وعود الإعمار "كذبة كبيرة" في عيني الشنار يتشدق بها الرؤساء، على حد وصفه؛ بسبب ركام العثرة الذي تصطدم به حكومة الوحدة الفلسطينية التي اشترطها المتبرعون في مؤتمر شرم الشيخ للبدء في الإعمار.
ويقول الشنار الذي فقد منزلاً مكونًا من طابقين، بناه بعرق جبينه بعد 15 عامًا من العمل المتواصل: "مضى عام على الحرب، سمعنا وعودًا كثيرةً، أصمت آذاننا بالعودة إلى بيوتنا؛ لكن شيئًا لم يتحقق، ومكثنا في العراء والصقيع دون مغيث لمأساتنا".
ومنع الكيان الصهيوني إدخال المواد الخام، ومستلزمات البناء للقطاع المحاصر؛ عقابًا للغزيين، بعد أن أسرت ثلاث فصائل فلسطينية الجندي الصهيوني جلعاد شاليط في صيف 2006م جنوب قطاع غزة في عملية الوهم المتبدد.
ويأمل الشنار ألا يتحول حلم العودة لمنزله إلى أوهام مثل أهالي رفح الذين دمر الجيش الصهيوني منازلهم في عهد السلطة الفلسطينية في يناير 2002م، مضيفًا: "لا يلوح في الأفق أي بوادر لحل مشكلتنا رغم الأرقام الفلكية والتبرعات السخية للإعمار".
عام مضى على حرب غزة، بذلت الجهات المختصة ما بوسعها؛ من أجل تخفيف المعاناة عن المشردين، إلا أن تعنُّت الكيان الصهيوني وإغلاق المعابر وقف حجر عثرة في انفراج أزمة الباقين، فهل سيعيش المشردون ذكرى ثانية العام المقبل وهم يغرقون في بحر الركام؟!