يوم بعد آخر يجلس محمود عباس أبو مازن على كرسي رئاسة السلطة الفلسطينية مثله مثل باقي الرؤساء العرب، لا يفكر في مسألة القيام من على هذا الكرسي، رغم انتهاء ولايته منذ ما يزيد على العام.. فَقَدَ عباس شرعيته رسميًّا، فَقَدَ عباس شرعيته في الثامن من يناير 2009م، وبمرور الأيام يفقدها أكثر فأكثر على مستويات عدة.

 

دستوريًّا تنص المادة 36 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2005م على أن مدة رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية هي أربع سنوات، وبناء على ذلك فإن الرئيس الذي بدأ ولايته في 9 يناير 2005م تنتهي في 8 يناير 2009م، وأن أي تمديد لفترة الرئيس قبل إجراء انتخابات رئاسية يعد تمديدًا مخالفًا للدستور، الذي لم يعط الرئيس حق التمديد في أي من مواده.

 

وما يتذرع به الفريق المناصر لتمديد ولاية الرئيس بالاعتماد على القرار الرئاسي رقم 9 لعام 2005م فإن ذلك غير مقبول من الناحية القانونية؛ حيث إن هذا القرار رئاسي صادر عن الرئيس نفسه الذي يسعى إلى تمديد فترة رئاسته، بالإضافة إلى القاعدة القانونية التي تنص على أنه "لا يجوز لتشريع أن يخالف تشريعًا أعلى منه"؛ حيث إن الدستور أعلى منزلة من قرارات الرئيس، وعلى هذا فإن أي تشريع يخالف الدستور يعتبر باطلاً من الناحية القانونية الصرفة بغضِّ النظر عن محتواه.

 

ومن الحجج التي يسوقها عباس ومناصروه "مسألة الشرعية الدولية"؛ في إشارة إلى اعتراف المجتمع الدولي به كرئيس للسلطة الفلسطينية، ومن ضمن ذلك قرار جامعة الدول العربية بتأييد عباس في تمديد فترة رئاسته، رغم أن الأنظمة العربية التي استمد منها عباس بعضًا من الشرعية يعاني معظمها أزمة شرعية داخلية في أنظمة شمولية "شخصانية" لم تعرف تداول السلطة، ومع ذلك فإن هذه الأنظمة نفسها متأكدة من أزمة الشرعية التي يواجهها محمود عباس، ويبدو أنها بدأت تستخدمها الآن كورقة ضغط لتحقيق مآربها، وأوضح مثالٍ على ذلك الموقف الحاصل بين أبو مازن والرئيس الليبي معمر القذافي الذي رفض لقاءه أثناء زيارة له إلى طرابلس؛ ما دفع عباس إلى التفكير جديًّا في مقاطعة القمة العربية التي ستعقد في طرابلس 27 من الشهر الحالي.

 

ويبدو أنه يتعرض لضغط ما داخل حركة فتح واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ لإعلان مقاطعته للقمة؛ ردًّا على تصرفات الزعيم الليبي خلال زيارته ليبيا 21 من الشهر الماضي وعدم استقباله؛ حيث قالت مصادر فلسطينية لصحيفة (الشرق الأوسط) إن أبو مازن يشترط من أجل المشاركة في القمة العربية المزمعة في طرابلس أن يتصل به الرئيس معمر القذافي، ويعتذر له عمَّا حصل خلال الزيارة، ويعلن عن ذلك، وهو ما لم يرجح حدوثه المحللون السياسيون؛ حيث إن موقف العقيد القذافي جاء للتعبير عن غضبه من رفض أبو مازن نقل ملف المصالحة من مصر إلى ليبيا أو مكان آخر، وتأكيده أن المصالحة ستتحقق في غضون اللحظة التي توقع فيها حماس على الورقة المصرية التي وقَّعت عليها حركة فتح نوفمبر الماضي في القاهرة.

 

وكان أبو مازن وصل والوفد المرافق له إلى ليبيا وهو في طريقه إلى فرنسا، ومن بعدها بلجيكا، وفي المطار استقبله سيف الإسلام القذافي، وتركز اللقاء بينهما حول المصالحة الفلسطينية والقمة العربية، وأصرَّ أبو مازن خلال اللقاء على موقفه بشأن المصالحة، وهو الموقف الذي وصل إلى مسامع الرئيس الليبي، وبناء عليه قرر عدم استقبال عباس لكنه أرسل وزير المراسم على متن طائرة خاصة؛ ليؤكد لأبو مازن أن العقيد كان خارج العاصمة وأنه سيلتقيه فور وصوله، وطلب تأجيل الموعد ساعتين ولكن ذلك لم يحصل، وتواصلت الوعود باللقاء وفي المساء أقام وزير الخارجية موسى كوسا مأدبة عشاء على شرف الرئيس والوفد المرافق له، وفي اليوم التالي التقى عباس برئيس الوزراء الليبي المحمودي البغدادي..

 

لكن الخلاف بين الجانبين لم يكن محوره الأساسي مسألة الوساطة في المصالحة الفلسطينية فقط، وإنما كذلك فكرة التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني في القمة العربية؛ حيث رأى الجانب الليبي ضرورة مشاركة ممثلين عن حركة المقاومة الإسلامية حماس في قمة طرابلس، في الوقت الذي أصر فيه محمود عباس على عدم السماح بذلك.

 

وتبدو إثارة هذه الفكرة معبرة بما يكفي عن خلل ما في شرعية رئاسة عباس للسلطة الفلسطينية، وأنه لا بد من التعجز على كتف حماس من أجل اكتمال الشرعية؛ وهو على ما يبدو دافع لتحريك عجلة المصالحة الفلسطينية؛ لكن من ناحية أخرى يشير إلى تداعي شرعية عباس عربيًّا كما هي فلسطينيًّا، فما يحدث من خلافات بين السلطة الفلسطينية وتونس التي وضعت يدها على أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية؛ خوفًا من تسريبه إلى جهات أجنبية، بالإضافة إلى رفض دمشق لطلب عباس زيارته لها في الوقت الحالي.

 

شرعية عباس ليست حديثًا فلسطينيًّا أو عربيًّا فقط، وإنما هي حديث صهيوني كذلك؛ حيث يتردد الحديث داخل الكيان الصهيوني عن مدى شرعية عباس، وقدرته على الجلوس أمام قادة الكيان على طاولة المفاوضات، ويرى المحللون الصهاينة أن عباس يمكن التفاوض معه؛ لكنه بالتأكيد لا يمكنه تنفيذ ما سيتم التوصل إليه من خلال المفاوضات، فهو لا يمتلك القدرة على ذلك على الأقل فيما يتعلق بقطاع غزة، كما أنه بالفعل لا يمثل كل الشعب الفلسطيني على الأقل، وهو ما تتحجج به حكومة الكيان الصهيوني؛ لعدم الخوض في مفاوضات سلام تفاديًا لخسارة شعبيتها وصورتها أمام الرأي العام الصهيوني، والذي لا يرى الحل إلا في المزيد والمزيد من دماء الفلسطينيين، وهذا ما عبَّر عنه رئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز عندما أكد أنه ليس لديه أملٌ في التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين في عهد الرئيس عباس؛ لأنه فاقد للشرعية بين أبناء شعبه، وعاجز عن الوفاء بما يلتزم به من تعهدات أو اتفاقات.

 

ورغم عدم ثقة الكيان الصهيوني في إجراء محادثات سلام مع عباس، ورغم ما يمارسه الكيان ضد المقدسات الإسلامية في القدس الشريف وبناء معبد الخراب؛ تمهيدًا لهدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان هذا الشهر، طبقًا لما أوردته صحيفة (يديعوت أحرونوت) فإن عباس مصمم على السلام كخيار لا بديل عنه لمواجهة الاحتلال والانتهاكات الصهيونية، ومصمم على مقابلة القادة الصهاينة؛ حيث تتم ترتيبات للقاء يجمعه ورئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز في روما الشهر المقبل، كما أنه سيعرض اليوم على الموفد الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل خريطة التسوية مع الكيان الصهيوني التي تقوم على موافقة فلسطينية بالتنازل عن أراضٍ بنسبة 1.9 % فيضم الكيان الصهيوني هذه الأراضي من الضفة الغربية إلى تخومه والمقامة عليها الكتل الاستيطانية الكبرى في مقابل أن يحصل الفلسطينيون من الكيان الصهيوني على أرض بديلة بالمساحة ذاتها، وذلك في إطار المفاوضات غير المباشرة التي تضغط واشنطن لتدشينها، والتي من المقرر أن تستمر أربعة أشهر.

 

وفي تصريح سابق له، رأى الرئيس عباس المنتهية ولايته أن حكومة نتنياهو ليست معنية بأي مفاوضات جادة لتحقيق السلام، وأن كل ما يفعله في القدس وفي الضفة الغربية دليل على أنها تريد إجهاد عملية التفاوض؛ حتى قبل أن تبدأ، وأن السلطة الفلسطينية تذهب إلى المفاوضات، ليس لأنها تثق في نتنياهو وحكومته؛ بل لأنها تريد إعطاء الإدارة الأمريكية فرصة لدفع مفاوضات السلام نحو الاتجاه الصحيح، وهو ما ينسفه محتوى تقرير سري نشرته صحيفة (هاآرتس) كانت أعدته وزارة الخارجية بالكيان الصهيوني أكدت فيه أن إدارة باراك أوباما لن تخصص اهتمامًا كبيرًا في السنة القريبة لعملية السلام، وستفضل الاستعداد لانتخابات الكونجرس.

 

ويرى معدو التقرير أن الإدارة الأمريكية واعية لتعقيدات القضية، وأنها لا يمكن حلها في الوقت الراهن؛ لذلك اكتفت في هذه المرحلة بتحريك العملية السياسية؛ حتى إذا كان ذلك من خلال مفاوضات غير مباشرة؛ يتمخض ما سبق عن واقع استمرار التوسعات الاستيطانية في القدس خاصة والضفة الغربية عامة، والاعتداءات على المقدسات الإسلامية، واستمرار خطة تهويد المدينة دون أي عوائق.

 

وفي الوقت الذي يتحدث فيه عباس عن أن ممارسات الكيان الصهيوني في القدس "خطوط حمراء" لا يمتلك من أوراق اللعبة السياسية شيئًا بديلاً، يدافع به عن القدس والأقصى إلا بعض الكلمات أو السكوت، ومصافحة قادة الكيان الصهيوني، واللجوء إلى المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة التي تخلق له زخمًا يستطيع من خلاله إدانة وشجب التصرفات والمواقف الصهيونية أثناء المفاوضات... فهل يعطيه اعتراف الكيان الصهيوني به كرئيس والجلوس معه على طاولة واحدة شيئًا من الشرعية التي يفقدها يوم وراء يوم؟!