استبعد الفلسطينيون أن تُسفر القمة العربية المنعقدة في مدينة "سرت" الليبية عن أيِّ قرارات مصيرية فيما يتعلق بقضية فلسطين أو الحال العربي المشتَّت على حدِّ وصفهم، في الوقت الذي طالبوا فيه المجتمعين بإنقاذ القدس وحمايتها وفك الحصار عن قطاع غزة ووقف الاستيطان، ووضع قضية الأسرى على سلَّم الأولويات.

 

وعزا الغزيون تشاؤمهم من نتائج القمة إلى أنها اعتيادية، ولن تكون أفضل من سابقاتها؛ حيث يحضرها عددٌ من الزعماء العرب، ويتغيب عددٌ كبير منهم.

 

وشهدت محافظات غزة اليوم مسيرات ومهرجانات حاشدة، طالب خلالها الفلسطينيون القمة العربية بأن تكون قمة أفعال لا أقوال.

 

وكانت الدورة الثانية والعشرون للقمة العربية افتتحت ظهر اليوم بدعوة من قطر وليبيا إلى اتخاذ قرارات تتجاوز الأقوال إلى الأفعال في ما يتعلق بفلسطين وغيرها, والعمل على إخراج العمل العربي المشترك من أزمته الراهنة.

 

وطالبت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" القمة العربية بمواقف حاسمة وعملية وجادة لحماية مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك، والمقدسات الإسلامية من المخططات الصهيونية الرامية إلى تهويدها، وطرد المواطنين الفلسطينيين من المدينة المقدسة.

 

ودعت حماس في مذكرة أرسلتها للقمة العربية إلى اتخاذ خطوات ملموسة، ومشاريع عملية لدعم المقدسيين، وصمودهم في مواجهة الطرد والتهويد، والعمل على رفع الحصار المفروض على قطاع غزة.

 

ودعت الحركة القمة إلى اتخاذ قرار حاسم برفع الحصار عن قطاع غزة، وفتح معبر رفح الحدودي بين القطاع ومصر أمام حركة الأشخاص والبضائع واتخاذ قرار عاجل بالبدء في تنفيذ برنامج إعمار البيوت والمرافق التي دمَّرها العدوان الصهيوني البشع على غزة.

 الصورة غير متاحة

الشهيد محمود المبحوح اغتالته فرق الموساد الإجرامية بدبي

 

وتطرقت المذكرة إلى عملية اغتيال القيادي العسكري في حركة "حماس" محمود المبحوح في دبي على يد جهاز الاستخبارات الصهيوني "الموساد"، وقالت: "إن هذه الجريمة تمثّل اعتداء على سيادة دولة عربية هي دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة"، داعية القمة إلى "شجب هذه العملية النكراء، وإدانة "إسرائيل" على جرائمها، واعتداءاتها، والدعوة إلى محاسبتها وملاحقتها قانونيًّا وسياسيًّا في كل المحافل الدولية، ومن ذلك وضع البرامج والآليات اللازمة لمحاسبة (إسرائيل) على جرائمها التي رصدها تقرير غولدستون".

 

وعن الموقف السياسي الفلسطيني والعربي ومفاوضات التسوية؛ قالت "حماس": "بالمختصر المفيد، وبروح النصح الصادق والمخلص، فإن سلوك العدو الصهيوني المستهتر بنا كأمة، وبجهودنا الفلسطينية والعربية، ومبادراتنا للسلام ومحاولاتنا الدءوبة لإنجاح المفاوضات، والرافض لحقوقنا المشروعة رغم أنها في حدها الأدنى، والذي يواصل احتلاله لأراضينا، والاعتداء علينا، وتهويد قدسنا ومقدساتنا، ويبني المزيد من المستوطنات ضاربًا بعرض الحائط الدعوات الدولية والإقليمية الرافضة لذلك.. إن ذلك يوجب علينا فلسطينيين وعربًا، وكأمة واحدة تحترم نفسها أن نعيد النظر بجدِّية في الموقف السياسي الراهن، ليس بالذهاب إلى خيار الحرب ولكن بإعادة النظر في خياراتنا، والبحث عن إستراتيجية وتكتيكات جديدة، تفرض على العدو تغيير سياسته وسلوكه، وتدفع العالم لاحترامنا ووضعنا في صدارة أولويَّاته واهتماماته، وأن يحسب لنا حسابًا في سياساته ومواقفه من أطراف الصراع".

 

وأضافت: "إننا ما زلنا نسعى نحو السلام، ونحرص عليه، لكن السلام العادل، والحقيقي الذي يليق بالشعوب والأمم لا يمكن أن يتحقق إلا إذا استند إلى أوراق قوة حقيقية وقدرة على تنويع الخيارات".

 

وبشأن المصالحة الفلسطينية؛ فقد أكدت حركة "حماس" في المذكرة التي وجهتها إلى القمة العربية بأن "السبب الأكبر وراء الانقسام الفلسطيني هو التدخل الخارجي والانقلاب على نتائج الانتخابات الفلسطينية. وما زالت التدخلات الخارجية تعمل على تعطيل جهود المصالحة الفلسطينية من خلال وضع فيتو أو شروط سياسية عليها".

 

وقالت "إن إنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة الفلسطينية خيار حتمي لا بد منه، وهو خيارنا وقرارنا. وقد تجاوبنا مع الرعاية المصرية الكريمة لحوار المصالحة، وعقدنا حول ذلك ست جولات في القاهرة، انتهت بتوافقات وتفاهمات مهمة حول ملفات المصالحة المختلفة، ثم تحاورنا مع الأشقاء في مصر حول الورقة ما قبل النهائية للمصالحة، وتوافقنا في ضوء ذلك على عقد جلسة المصالحة النهائية في شهر أكتوبر 2009م، لكن فوجئنا للأسف بأن وثيقة المصالحة النهائية التي طلب منَّا الأشقاء في مصر التوقيع عليها، تختلف عما توافقنا عليه في عدة نقاط نرى أنها مهمة وضرورية، ليس فقط لأننا توافقنا عليها كأطراف فلسطينية في جولات الحوار بل لأنها ضرورية لنجاح الاتفاق وسلامة تنفيذه، ليقود إلى مصالحة حقيقية بإذن الله".

 

وتابعت: "لذلك؛ فإننا نرحِّب بمساعيكم الكريمة، ونأمل منكم المساعدة مع الإخوة في مصر على حلِّ هذه الإشكالية بصورة كريمة للجميع، تتيح إنجاز المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام".

 

وقدمت "حماس" خلاصة الملاحظات التي تعتبرها "أساسية وجوهرية، والتي يلزم إدخالها على ورقة الاتفاق أو إلحاقها بها كجزء لا يتجزأ منها، كي يتم التوقيع عليها في جلسة المصالحة بإذن الله".

 

قمة اعتيادية

 الصورة غير متاحة

 د. ناجي شراب

   إلى ذلك وصف المحلل السياسي د. ناجي شراب القمة العربية بالاعتيادية؛ حيث يحضرها عدد من الزعماء العرب، ويتغيب عددٌ آخر, موضحًا بأن أهم ما يميزها هو أن القدس فرضت نفسها على جدول أعمالها.

 

ومن جانبه أوضح المحلل السياسي هاني حبيب بأنه لا يتوقع شيئًا مميزًا من القمة برغم من أنها تعقد في ظروف بالغة التعقيد، نتيجة انتهاء النهج التفاوضي والاقتحامات الإسرائيلية ضد المقدسات في القدس والخليل إلا أنها لن تكون أفضل حالاً من غيرها، نظرًا لعدم توفر القدرة والرغبة الحقيقية لدى العرب.

 

وأشار حبيب إلى أن تغيب عدد من الزعماء عن كلِّ قمة تعقد هو دليل على عدم الاهتمام الفعلي بالقضايا العربية والشراكة السياسية.

 

ونوَّه شراب بأن معيار نجاح قمة ليبيا هو في قدرتها على إنهاء الانقسام الفلسطيني، وفرض المصالحة على أطراف الخلاف الداخلي في الأراضي الفلسطينية, باعتبار أن فلسطين هي جوهر الخلافات العربية.

 

في حين اعتبر حبيب أن الخلاف الحاد بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل من المفترض أن يُستغل جيدًا من قبل الأطراف العربية لإشعال فتيل الأزمة بين أمريكا وإسرائيل، واستغلال ذلك في المصالح العربية إلا أن الضعف العربي يحول دون ذلك.

 

ولفت شراب إلى أن القمة هي إحدى مؤسسات النظام العربي الإقليمي، وبالتالي فهي تعكس واقع النظام العربي بضعفه وخلافاته وحالاته القطرية وتغلغل المؤثرات الخارجية فيه.

 

وأما عن قضية القدس في هذه القمة فشدَّد على أن تسمية القمة بدعم صمود القدس هو مجرد اسم وسيتمثل في الدعم المادي والمعنوي لقضية القدس, مشيرًا إلا أن القمة لن تذهب بعيدًا بقراراتها مثل سحب المبادرة العربية، أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل, مضيفًا أنها ستكون قمة توفيقية حتى فيما يخص القدس.

 

ورفض حبيب الدعوات المطالبة للقمة بسحب المبادرة العربية لكونها مبادرةً ميتةً, مطالبًا بوضع الخطط لمواجهة الأزمات التي تعصف بالمنطقة, معتبرًا أن دعوات سحب المبادرة تأتي نتيجة خلافات عربية وليس كونها فشلت أو للضغط على إسرائيل.

 

الأسرى

 الصورة غير متاحة

محمد فرج الغول

   إلى ذلك دعا رئيس اللجنة الوطنية العليا لنصرة الأسرى ووزير الأسرى والمحررين محمد فرج الغول القمة العربية المنعقدة في ليبيا بأن تضع قضية أكثر من 7500 أسير فلسطيني على جدول أعمالها، والخروج بخطوات عملية لإطلاق سراح الأسرى، ودعم صمودهم.

 

وقال الغول في رسالة عاجلة إلى القادة العرب: إن قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال تمر بأسوأ مراحلها على الإطلاق، ولم يدخر الاحتلال جهدًا، ولم يترك سبيلاً إلا ويحاول أن يضيق عليهم، ويحرمهم من حقوقهم وإنجازاتهم، حتى بات يعد عليهم أنفاسهم.

 

وطالب الغول القادة العرب باتخاذ خطوات عملية على قدر المعاناة التي يلاقيها الأسرى، وبحجم التضحيات التي يقدمونها، فهم قدموا أحلى سنين عمرهم وزهرات شبابهم ليس دفاعًا عن الشعب الفلسطيني وحده إنما عن الأمة العربية والإسلامية، وشكلَّوا رأس الحربة في مواجهة هذا المحتل المجرم نيابةً عن العرب جميعهم.

 

وشدَّد الغول على ضرورة وضع قضية الأسرى على سلم الأولويات، والعمل من أجل الضغط على الاحتلال لإطلاق سراحهم، وإلى حين ذلك تطبيق القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بأوضاعهم المعيشية، ووقف الانتهاكات اليومية المستمرة بحقهم والتي تعرض حياتهم للخطر والموت في كل لحظة.

 

كما طالب الغول القمة العربية بضرورة تبني إنشاء صندوق مالي تشارك فيه كلُّ الدول العربية لدعم صمود الأسرى، وتوفير مستلزماتهم، وتغطية نفقات معيشتهم، وكذلك النفقات المترتبة على تفعيل الجانب القانوني أمام المحاكم الدولية.

 

كما دعا وزير الأسرى إلى تشكيل لجان قانونية منبثقة عن القمة لوضع قضية الأسرى أمام المحافل الدولية، وفضح سياسة الاحتلال بحقهم، وإصدار قرار من مجلس الأمن ومحكمة لاهاي بإدانة الاحتلال بارتكاب جرائم حرب بحق الأسرى.

 

وطالب الغول القمة بتبني وتطبيق التوصيات التي أقرَّها مجلس الجامعة العربية في دورته غير العادية على مستوى المندوبين الدائمين في 14/11/2009م والذي كلَّف بها المجلس المجموعة العربية في نيويورك بدراسة تقديم طلب للجمعية العامة للأمم المتحدة لاستصدار قرار بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية في لاهاي حول الوضع القانوني للأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال.

 

وطلب المجلس من بعثات الجامعة العربية في الخارج بتكثيف حملاتها السياسية والإعلامية للتعريف بقضية الأسرى والمطالبة بإطلاق سراحهم وتخفيف معاناتهم.

 

كما طالب بإجراء الاتصالات والمشاورات لعقد اجتماع للدول الموقعة على اتفاقيات جنيف، وذلك لبحث امتناع إسرائيل تطبيق هذه الاتفاقيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكشف الغول أنه تواصل مع الأسرى في السجون وطالبوه بضرورة مناشدة القمة العربية بأن تضع قضيتهم على سلم الاهتمامات، نظرًا لما يتعرضون له من ممارسات إجرامية من قبل الاحتلال.

 

وطالب النائب المستقل في المجلس التشريعي الفلسطيني ورئيس اللجنة الشعبية لكسر الحصار لرفع الحصار عن غزة القمة العربية المجتمعة في مدينة سرت الليبية اليوم إرسال وفد عربي رفيع المستوى من جامعة الدول العربية إلى غزة للاطلاع على واقع المعاناة التي يعانيها أبناء شعبنا.

 

وأضاف الخضري: "نأمل أن تكون هناك قرارات واعدة بشأن رفع الحصار المفروض على غزة، والشعب الفلسطيني في غزة ينتظر قرارات مهمةً من القمة العربية، ولعل أهمها أيضًا الدعم المالي والاقتصادي؛ حيث إن 80 % تحت خط الفقر، 65 % يعانون من البطالة، ومعدل دخل الفرد في اليوم الواحد دولاران فقط، وعشرات آلاف العمال معطلون عن العمل، يجب أن يروا هذا الواقع، وأن يكون هناك مشروعٌ عربيٌّ لدعم وتعزيز صمود شعبنا المحاصر، وأن تكون هناك قراراتٌ لتعزيز صمود أبناء شعبنا بالعمل على إنجاز المصالحة الفلسطينية ودعم صمود القدس.

 

وأكد- بمناسبة مرور ألف يوم على الحصار- "أن ألف يوم من الحصار الإسرائيلي الخانق المستمر على غزة تعني ألف يوم من المعاناة".