زهير لبادة "أبو رشيد" (49 عامًا).. علَمٌ من أعلام مدينة نابلس "جبل النار"، وأحد رجالات حركة حماس المخلصين، تتلمذ على يد الدعاة، ورافق القادة الشهداء، بدأ حياته الدراسية في مدرسة الملك طلال في نابلس، "يساري" الفكر يوم أن كانت الحركات الشيوعية في أوجها منتصف سبعينيات القرن الماضي، ولكن كيف لشيخ مثل الشيخ الشهيد يوسف السركجي صاحب الشخصية الكارزمية والحجة القوية أن يفلت من بين يديه شابٌّ رأى فيه علامات الرجولة والشجاعة، فجعله هدفًا له، يركِّز عليه دعوته حتى استماله إلى صفوف جماعة الإخوان المسلمين؛ يوم أن كان "أبو رشيد" طالبا في المرحلة الثانوية.
وفي العام 1981م انتقل الشيخ "لبادة" إلى المرحلة الجامعية؛ حيث درس العلوم الاقتصادية والمالية في "جامعة النجاح الوطنية" في نابلس، ليكمل هناك- بعد أن استقرت فلسفة الحركة الإسلامية في نفسه، وسيطرت على وجدانه- مشواره الدعوي إلى جانب الشيخ الشهيد جمال منصور ود. ناصر الدين الشاعر اللذين كانا يومها من قادة العمل الطلابي الإسلامي في جامعات الضفة الغربية.
أبو رشيد في مرج الزهور
تروي "أم رشيد" زوجة زهير لبادة لـ(إخوان أون لاين) قصة زوجها، فتقول: "تعرَّض "أبو رشيد" طوال مسيرته الدعوية والحركية للاعتقال ست مرات على يد سلطات الاحتلال؛ حيث اعتُقل في العام 1988م بتهمة الانتماء إلى حركة حماس والمشاركة في فعاليات الانتفاضة الأولى، ومكث وقتها (6 شهور) في الاعتقال الإداري، ثم اعتُقل لمدة (سنة) في العام 1991م، وفي أواخر العام 1992م أُعيد زوجي أبو رشيد إلى مرج الزهور جنوب لبنان، برفقة أكثر من 400 من قادة وعناصر حركة حماس في الضفة الغربية وغزة، وعاد نهاية العام 1993م، وفور وصوله إلى الأراضي الفلسطينية اعتقلته سلطات الاحتلال لمدة (6 شهور).
أبو رشيد في سجون عباس
وتضيف "أم رشيد": بالرغم من الاعتقال والإبعاد فإن أبو رشيد ظلَّ حاملاً لراية الدعوة والجهاد؛ حيث اعتُقل في العام 1994م للمرة الرابعة، وبقي في السجون الصهيونية لمدة (عامين) بتهمة علاقته مع المهندس الشهيد يحيى عياش، وفي العام 2002م وأثناء الاجتياح الصهيوني الكبير لمدينة نابلس اعتُقل أبو رشيد عدة أيام، وأُفرج عنه بسبب سوء حالته الصحية، وفي العام 2008م اعتُقل أبو رشيد لمدة شهرين ونصف لدى أجهزة السلطة الفلسطينية، وتعرَّض للعديد من أساليب التعذيب النفسية والجسدية، بالرغم من سوء وضعه الصحي، وفور الإفراج عنه من سجون السلطة اعتقلته قوات الاحتلال بتاريخ 15 مايو 2008م، ولا يزال حتى اليوم معتقلا إداريًّا في سجن مستشفى الرملة الصهيوني المخصص للأسرى المرضى.
الجسد المنهك
وتشير "أم رشيد" إلى حالة زوجها الصحية، فتقول: "يعاني أبو رشيد منذ عدة سنوات من فشل كلوي ويقوم بغسيل للكلى ثلاث مرات أسبوعيًّا، وهو بحاجة إلى عملية زراعة مستعجلة، إلا أن إدارة المعتقل ترفض إجراء هذه العملية له".
وتحدثت "أم رشيد" لـ(إخوان أون لاين) عن ظهور مضاعفات جديدة في وضعه الصحي؛ حيث يعاني من مشكلات في أعصاب رجليه ويديه؛ فهو لا يشعر بالحرارة ولا بالبرودة إلا عندما يحترق، ومشكلة أخرى في مفصل مرفق قدمه اليسرى، كما يعاني من الحساسية الشديدة وحكة شديدة في الجلد وانخفاض في ضغط الدم، والذي يصل إلى 35: 50 درجة، كما ظهر معه فيروس نشط في دمه من نوع (CMV)؛ الأمر الذي يؤدي إلى عدم تقبل جسمه لأعضاء جديدة في حال أُجريت له عملية زراعة الكلى.
الدعوة والصلاة
وتضيف "أم رشيد" إلى أن ما يزيد من ألم زوجها ووجعه هو عدم قدرته على الصلاة بسبب النوم المتواصل لمدة يومين متتاليين، بعد أن يأخذ حقنةً خاصةً اسمها "ينرجان"، وتضيف: "أنهى أبو رشيد حفظ كتاب الله كاملاً وهو في الأسر، كما استمر في الدعوة إلى الله، بالرغم من مرضه الشديد، قدوتُه في ذلك نبي الله يوسف، فهو يواصل إمامة إخوانه الأسرى المرضى في الصلاة ويدرِّس لهم ويعظهم، ويرفع من معنوياتهم، يساعد هذا المريض، ويشدُّ من عزم آخر، لقد كان محبوبًا من جميع الأسرى ومن مختلف التنظيمات الفلسطينية، حتى إن أحد الأسرى الذين معه في نفس الغرفة قال له مداعبا: إنه يدعو الله أن لا يُطلق سراحه؛ من كثرة حبه وتعلقه به.
وتطرَّقت "أم رشيد" إلى حادثة مرَّ بها أبو رشيد قبل عدة أيام؛ حيث اشتدَّ عليه مرضه وأنهكه الوجع، ولم يعد يقوى عليه، واعتقدوا أن حالته نفسية، فأرسل له الصهاينة طبيبة نفسية مختصة كان هدفها معرفة إذا كان في نية زوجي الانتحار أم لا، فأجابهم أبو رشيد بلغة الواثق: إن مرضاكم عديمي الإيمان هم الذين يفكرون في ذلك، أما نحن المسلمين فلا.
عرضت عليه الدنيا
وتضيف الزوجة الصابرة: بالرغم من أن "أبا رشيد" كان صاحب شركة مقاولات وتعهدات بناء كبيرة على مستوى الضفة الغربية، وبالرغم من أن الدنيا فتحت له ذراعيها، فإنه اختار الآخرة؛ فهو كان من الزاهدين العابدين والحريصين على الصلوات الخمس جماعةً في المسجد، كما كان كلُّ همِّه قبل اعتقاله بأيام أن يتمَّ الانتهاء من بناء "مسجد الكوثر" في منطقة سكنانا في "وادي التفاح"؛ حيث كان من أكثر المتبرِّعين وأشدهم تحمسًا لتشييد بيت الله".
وتختم "أم رشيد" كلامها عن زوجها، فتقول: لقد نذر أبو رشيد حياته لله.. كان دعاؤه الدائم: اللهم إني راضٍ عنك.. فارضَ عني.