تبدأ الجولة الثالثة لمفاوضات دول حوض النيل العشرة حول اتفاقية الإطار القانوني والمؤسسي لمبادرة حوض النيل غدًا بمدينة شرم الشيخ، والتي ستستغرق ثلاثة أيام، بعدما تمَّ التأجيل لمرات عديدة؛ حيث كان من المقرر عقدها في منتصف فبراير الماضي.
ويتزاحم العديد من التوقعات حول احتمالية لجوء دول حوض النيل إلى التوقيع المنفرد على الاتفاقية بتهميش اعتراضات مصر والسودان، وأخرى تتوقع لجوء مصر إلى طلب مد مهلة المفاوضات إلى 6 شهور أخرى، فيما يرى ثالث ضرورة تنازل مصر عن بعض نقاط الخلاف؛ نظرًا لوضعها الحرج كي تدفع بعجلة المفاوضات بين الجانبين.
وتُعقد تلك الجولة وسط أجواء مشحونة بالتوتر والقلق إزاء النتائج المرتقبة من تلك الجولة، بعدما أُسدل الستار على جولة المفاوضات الثانية في العام الماضي على مد مهلة المفاوضات لمدة 6 شهور؛ نظرًا للاختلافات الجوهرية بين دول المنبع من جانب وبين دولتي المصب (مصر والسودان) من جانب آخر.
أبرز الخلافات
ويتصدر المشهد الآن الخلاف بين دول المصب والمنبع في أن مجموعة الدول الموجودة في المنابع الشرقية للهضبة الاستوائية، مثل إثيوبيا، لا تعترف بالاتفاقيات الحالية، وتقر أنها ليست طرفًا فيها، بالإضافة إلى قولها إن اتفاقية عام 1929م كانت الدول مستعمرة من بريطانيا، وهي الآن كدول مستقلة غير ملزمة بهذه الاتفاقيات، حيث إنها غير قانونية وغير ملزمة ولا تعبر عن مصالحها، فضلاً عن اعتراضها على اتفاقية 1959م؛ لأنها تجاهلت تلك الدول، وجعلوا مصب النهر في دولتين فقط هما (مصر والسودان).
أما على المستوى الفني فتتعدد نقاط الخلاف؛ حيث عندما اكتملت دراسة المبادرة في الجولة الثانية من المفاوضات، تم التغلب على معظم نقاط الخلاف الفنية، والتي كانت تشمل 18 نقطة متعلقة بمكان البلد الذي سيتم فيها المشروعات وبأي شكل ستقوم، ولكن يكمن محور الخلاف الآن بين مصر والسودان من ناحية، وبين الدول الثمانية الأعضاء من ناحية أخرى؛ في ثلاثة محاور، تتلخص في الأمن المائي والاعتراف بالحقوق التاريخية، وفي الرقابة المسبقة على المشروعات، وفي طريقة تعديل اتفاقية الإطار.
الإطار القانوني
ويعتبر التعديل في اتفاقية الإطار- كأول اتفاقية جماعية تلزم دول حوض النيل- أحد أبرز نقاط الخلاف بين دول المصب ودول المنبع؛ حيث ينص على ضرورة إنشاء إطار قانوني يحكم أي مشروعات يتم إقامتها، وينظم تلك العلاقات بين دول الحوض العشرة.
وتريد دول المنابع أن يتم هذا التعديل بالأغلبية بين دولتي المصب (مصر والسودان)، ودول المنابع الثمانية؛ وهو ما ترفضه مصر والسودان؛ نظرًا لامتلاكهما أغلبية عددية من الممكن أن يقوما على أثرها بإجراء تعديلات على الأطر القانونية، بعد أن يتم التوقيع عليها؛ بحيث ألا يكون في مصلحة (مصر والسودان) وقد يؤدي إلى الإضرار بمصالحهما؛ لذا تطالب مصر والسودان بأن يكون هذا التعديل بالإجماع أو بالأغلبية المشروطة بوجودهما ضمن تلك الأغلبية، على أن يكون لهما حق "فيتو"؛ حيث لا يتم تعديل الإطار القانوني إلا بموافقتهما.
الرقابة المسبقة
وأما عن النقطة الأخرى التي تشكل أحد أبرز نقاط الخلاف حول الاتفاقية فتكمن في اشتراط مصر أن يكون هناك رقابة مسبقة على المشروعات المنفردة، وأن لا تقوم دول المنبع بإقامة المشروعات دون تشاور لدولتي المصب؛ حتى تكون على معرفة دقيقة بأن تلك المشروعات لن تؤثر على تدفق كمية المياه إليها، ولن تضر بالصالح العام، وهو ما تراه دول المنبع بأنه تدخل في شئونها الداخلية، وفرض سيطرة مصر والسودان عليها دون داعٍ.
الأمن المائي
ويعتبر بند الأمن المائي والحقوق التاريخية من أبرز نقاط الخلاف في الاتفاقية؛ حيث تتمسك به مصر تمامًا، وترفضه دول المنابع رفضًا كليًّا، ويتمثل في اشتراط مصر أن يتم الاعتراف بحقها التاريخي، وأن حصتها الحالية من الماء لن يتم المساس بها، ولن يقترب منه أحد.
كما يفرض أن يكون هناك آلية للتشاور المسبق على المشروعات المنفردة على مجرى النهر؛ حيث إن دولة مصر- كدولة مصب- إذا أقامت مشروعات فلن تؤثر على أحد؛ لكن من قبلها من البلدان من دول المصب لو أقامت أي مشروعات ستؤثر على حصة مصر من المياه، وبالتالي فإن هناك ضرورة من التشاور المسبق وموافقة مصر أولاً، وهو ما رفضته دول المنبع تمامًا.
وبحسب المراقبين، لا توجد اتفاقية جماعية تجمع كل دول حوض نهر النيل؛ حيث إن الاتفاقيات الحالية أغلبها قديمة ذات طابع ثنائي؛ حيث كانت أول اتفاقية عام 1929م بين مصر وبريطانيا بصفتها الاستعمارية لكل من (أوغندا وكينيا وتنزانيا)؛ وهي التي أعطت مصر الحق في الموافقة أولاً على إقامة أي مشروعات لأي بلد حتى تتأكد أنها لن تؤثر على حصتها من ماء النهر، ولا على تدفق المياه نحو مصر في الشمال، على اعتبار أن مصر آخر دولة في المصب.
أما الاتفاقية الثانية فكانت عام 1959م بين (مصر والسودان)، وكانت بخصوص تنظيم عملية بناء السد العالي لعام 1961م لتقسيم المياه المتواجدة خلف السد بين مصر والسودان.
واقترحت مصر في عام 1997م- تحاشيًا لتلك الخلافات ولإدراكها أنها مقبلة على أزمة مياه، وأنها ستدخل في حيز الندرة المائية- مشروع المبادرة المشتركة لحوض النيل لتحديد أطر التنسيق والتعاون بين دول الحوض، ولتفعيل الاستخدام العادل والمنصف للمشروعات المختلفة، وللحصول على التمويل اللازم للمشروعات في البلدان المختلفة.
وبدأ التشاور الفعلي فيها عام 1999م، تم خلالها دراسة مجموعة كبيرة من المشروعات التي يلزمها جزأين ضروريين هما: الخبرة الفنية والتمويل.
وتناقش المبادرة كيفية الاستغلال الأمثل للمياه النابعة من النهر الضخمة، والتي تصل إلى 1300 مليار متر مكعب، ولا يصل منه خلف السد العالي سوى 84 مليار متر مكعب فقط؛ بما يعني نسبة الـ5% فقط من جملة نابع النهر، في الوقت الذي لا يصل إلى مصر 95% من هذا النابع.
إعلان الفشل
![]() |
|
د. عبد الله الأشعل |
ويصف تلك التحركات بالألعاب الوهمية التي لا قيمة لها سوى أنها عملت على مزيد من إضعاف صورة مصر ومزيد من إذلالها أمام العالم أجمع، بإظهارها في موقف الضعيف الذي يحتاج إلى شفقة.
ويقول: إن وضع مصر حرج للغاية؛ حيث إنها على حافة الانهيار، حتى إن استحداث مصر لأوراق جديدة خلال الجولة المرتقبة لتعمل على تقريب المسافات بين دولتي المصب ودول المنبع الثمانية؛ أمرٌ متأخرٌ جدًّا، كان لا بد التفكير فيه من قبل منذ بداية مهلة المد.
ويبرز د. الأشعل أكثر التوقعات المرتقبة من جولة المفاوضات الثالثة في أن الدول ستجتمع ليوم واحد فقط، وستعلن خلالها فشل المؤتمر وعدم التوقيع على الاتفاقية؛ وهو ما سيدفع بدول المنبع الثمانية إلى اللجوء للتوقيع المنفرد على الاتفاقية.
ويستنكر تصريحات وزير الري المصري المتعاقبة بأن كل شيء على ما يرام، وأن نتائج المفاوضات تبعث على التفاؤل؛ حيث إن كل الأجواء تدعو إلى القلق والتوتر، خاصةً التواجد الصهيوني القوي في إشعال فتيل الأزمة.
