شكَّلت مقولة زعماء الحركة الصهيونية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" مصدر إلهام لقادة الدولة العبرية الذين عملوا على تطبيقها بشتى الوسائل الممكنة، وسنُّوا في سبيل تحقيق ذلك العديد من القرارات العنصرية منذ العام 1948م التي تهدف إلى ابتلاع الأرض وطرد المواطن الفلسطيني، في سياسةٍ عنصريةٍ جديدة لم يشهد لها مثيل في العصر الحديث.
فلم تكتفِ سلطات الاحتلال الصهيوني بمصادرة أراضي الفلسطينيين الذين أُبعدوا وهجروا عن أرضهم بعد نكبة 1948م ونكسة 1967م، بل عملت تِباعًا على مصادرة ما تبقَّى من الأرض التي بقيت بحوزة مَن ظلوا على أرضهم.
قوانين جائرة
ومنذ الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية عام 1948م شرعت دولة الاحتلال إلى "تقنين" عمليات المصادرة والاستيلاء على الآلاف الدونمات التي تعود ملكيتها للمواطنين الفلسطينيين؛ وذلك عبر سنِّ القوانين المختلفة التي تهدف بالمحصلة إلى سحب الأرض من أصحابها الحقيقيين وتهجير البقية الباقية منهم، فمن قانون الأراضي البور إلى المناطق المغلقة إلى الأراضي المشاع، إلى قانون أملاك الغائبين، إلى قانون استملاك الأراضي ووضع اليد عليها.
واليوم تصدر الحكومة الصهيونية قرارًا عسكريًّا جديدًا، وهو القرار رقم (1650) الذي يقضي بترحيل كل فلسطيني يحمل هوية يتحدد فيها مكان سكنه بقطاع غزة؛ الأمر الذي يطال في حال تنفيذه عشرات الآلاف من مواطني الشعب الفلسطيني الذين انتقلوا للسكن في أي من مدن الضفة الغربية لسببٍ أو لآخر.
كما سيشمل هذا القرار فئات أخرى كأبناء القدس وحملة التصاريح والمتضامنين الأجانب، الذين انتقلوا إلى الضفة الغربية إما بغرض العمل أو استكمالاً للتعليم، وغنيٌّ عن القول أن الآلاف من الذين انتقلوا لهذا الغرض تزوجوا وأصبح لديهم زوجات وأطفال كلهم يحملون بطاقات الهوية بنفس عنوان الإقامة المحددة في هوية الوالد.
قرار غير واضح
وللاطلاع أكثر على فحوى هذا القرار التقى مراسل "إخوان أون لاين" بالمحامي "فارس أبو حسن" مدير مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان؛ حيث أشار أبو حسن إلى أن القرار العسكري (1650) هو قرار مبهم وغير واضح في مجمله؛ حيث اقتصر على ذكر مصطلح (متسللون) دون أي يذكر تعريفًا واضحًا لهم، واكتفى بالقول: "من دخل إلى المنطقة بخلاف القانون بعد اليوم المحدد أو مَن يمكث في المنطقة ولا يحمل تصريحًا حسب القانون"، فلم يحدد ماذا يقصد بكلمة (المنطقة)، ولعل عدم الوضوح هذا هو إجراء صهيوني متعمد بحيث يصبح قانونًا فضفاضًا لإدراج أكبر عددٍ ممكنٍ من المواطنين الفلسطينيين، كما نص القرار على عقوبة (المخالفين) بالسجن لمدة سبعة أعوام، إضافةً إلى غرامة قيمتها 7500 شيكل (2000 دولار تقريبًا).
ويضيف أبو حسن: بالرغم من ذلك نقول إن القرار العسكري هو قرارٌ مخالفٌ لكافة المعايير والأعراف والمواثيق الدولية، وهو انتهاكٌ فاضحٌ للميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي يؤكد حق كل إنسان في التنقل داخل بلده والإقامة في أي مكانٍ يرغب فيه دون أي تدخل وعراقيل من أي جهةٍ كانت، كما يعتبر هذا القرار، وبغض النظر عن كل التحفظات على اتفاقية أوسلو، وسواء اتفقنا أم اختلفنا معها، فإن هذا القرار الأخير يمثل مخالفةً واضحةً لنص هذه الاتفاقية التي وُقِّعت بين منظمة التحرير والاحتلال برعاية دولية، والتي تعتبر الأراضي الفلسطينية وحدةً جغرافيةً واحدة.
وعن كيفية مواجهة هذا القرار العنصري الأخير أكد "أبو حسن" ضرورةَ تحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام بين شقي الوطن على اعتبار أنها الثغرة التي تتسلل منها كافة المؤامرات، كما لا بد من القيام بتحركٍ دولي وعربي عاجل لوقف هذا القرار عبر التوجه لكافة المنظمات الإنسانية والحقوقية المعينة بحقوق الإنسان بما فيها مجلس حقوق الإنسان في جنيف من أجل وقف تنفيذ هذا القرار العدواني، والذي ينطوي حال تنفيذه على أبعاد خطيرة.
تهجير قسري
من جانبها اعتبرت حركة حماس هذا القرار- في بيانٍ صحفي- خطوةً جديدةً ترمي إلى تفريغ الضفة الغربية من الفلسطينيين عبر إحياء سياسة التهجير القسري، لاستقدام آلاف المستوطنين الجدد لتسمين المستوطنات؛ تمهيدًا لضمها إلى الكيان الصهيوني المحتل، وهو تأكيد جديد على عدوانية الاحتلال وأهدافه الخبيثة، وضربه عرض الحائط بما يُسمَّى عملية التسوية، وهي بمثابة لطمة جديدة على وجه السلطة الفلسطينية التي ما زالت تتمسك بالمفاوضات العبثية مع العدو المجرم، وتتخذها ذريعةً واهيةً لملاحقة المجاهدين والمقاومين الذين يأخذون على عاتقهم مواجهة الاحتلال ومشاريعه الاستيطانية.
كما دعت حركة حماس أهالي الضفة الغربية إلى مقاومة تلك الإجراءات بمزيدٍ من الصمود والحِراك الجماهيري الواسع لرفض هذا القرار، ولقطع الطريق على إمكانية إصدار الاحتلال لمزيدٍ من القرارات الهادفة إلى طرد شرائح جديدة من شعبنا الفلسطيني.
وطالبت الحركة جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات الإنسانية كافةً إلى ضرورة التحرك العاجل في المحافل الدولية لمنع الاحتلال من تنفيذ هذا الإجراء التعسفي الذي يعد نكبةً جديدةً يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
قرار يهدد الأردن
كما لم تقتصر ردة الفعل على هذا القرار على الجانب الفلسطيني وحسب، بل كان للحكومة والأحزاب الأردنية موقف رافض لهذا القرار، على اعتبار أن المملكة الهاشمية هي من أكثر الدول تضررًا لتباعات هذا القرار حال تنفيذه.
حيث قال الناطق باسم الحكومة "نبيل الشريف" في مؤتمر صحفي: "إن الحكومة الأردنية لن تسمح بأي شكل كان وتحت أي مسمى لسلطات الاحتلال الصهيوني بتهجير أي فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية إلى المملكة".
وأضاف: "الحكومة تراقب الوضع عن كثب على الأرض لجهة أي تدابير عملية ملموسة قد تقوم بها سلطات الاحتلال الصهيوني لتنفيذ هذا القرار"، مؤكدًا أن بلاده "تحتفظ بالخيارات الدبلوماسية والسياسية والقانونية كافةً إزاء هذا القرار المرفوض".
ومن جانبه، أكد حزب جبهة العمل الإسلامي الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن أن "اعتزام سلطات الاحتلال الصهيوني إبعاد آلاف المواطنين الفلسطينيين من الضفة الغربية يُشكِّل تهديدًا للأردن".
وطالب المهندس "حسان ذنيبات" مسئول الملف الفلسطيني في الحزب الحكومة في تصريحٍ له "بالتصدي الحازم لهذا القرار الباطل"، مشيرًا إلى أنّ القرار "يأتي في ظل استمرار الاستيطان وتهويد المقدسات"، لافتًا إلى أن الحكومة الصهيونية المتطرفة "تمضي في اتخاذ خطوات عملية باتجاه الترانسفير، في الوقت الذي يستمر العرب في الحديث عن التسوية".
وكان الأردن قد أدان القرار الصهيوني الأخير؛ حيث استدعت وزارة الخارجية الأردنية السفير الصهيوني في عمان وسلمته مذكرةَ احتجاجٍ شديدة اللهجة من الحكومة الأردنية.
الأسرى.. بداية التطبيق
ويبدو أن الحكومة الصهيونية ماضية في تطبيق هذا القرار العنصري غير مبالية بجميع بيانات الشجب والاستنكار؛ حيث أقدمت سلطات الاحتلال على إبعاد الأسير "أحمد سعيد صباح" من طولكرم إلى قطاع غزة بعد أن أمضى في السجون الصهيونية 9 سنوات، وهو متزوج في مدينة طولكرم بالضفة؛ وذلك بموجب القرار الصهيوني القاضي بإبعاد الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية ممن لا يحملون هويات الضفة، كما ذكرت مصادر حقوقية أن دولة الاحتلال أبعدت، وفي أقل من أسبوع على دخول قرار الإبعاد حيز التنفيذ (200) مواطن من الضفة إلى قطاع غزة؛ وذلك عبر الحواجز المنتشرة في أرجاء الضفة الغربية.
إن القرارات الصهيونية المتسلسلة تكشف وبدون أدنى شك الخطط الصهيونية الرامية إلى تفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها؛ جاعلةً من مفاوضات السلام مظلة مفضلة لتبرير هذه المشاريع العنصرية وسط عجزٍ فلسطيني وشلل عربي وصمت دولي وتواطؤ أمريكي.