ثمة حركة روسية غير معهودة يقوم بها الدب الروسي المستكين منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بدون شكٍّ ظل الدب الروسي مستكينًا من منطلق ضعف إلى أن وصل فلاديمير بوتين سدة الحكم في البلاد، ومنذ مطلع القرن الحالي بدأ الدب الروسي يستنشق هواءً مفعمًا بالأمل بعد أن تحسن أداء الاقتصاد والذي وصلت ذروة معاناته 1998م، وقد أكسبت التحسنات الداخلية الدب قدرة أكبر على الحركة خارجيًّا، واكتساب مساحة من حرية القرار السياسي الخارجي، استطاع من خلالها الوقوف في وجه الولايات المتحدة في عدد من المواقف التي رآها تهدد أمنه القومي، وعلى رأس هذه المواقف المساعي الأمريكية لنشر الدرع الصاروخي في شرق أوروبا وتطويق روسيا بسلسلة من القواعد العسكرية، تمتد من شرق أوروبا مرورًا بآسيا الوسطى وحتى كوريا الجنوبية واليابان.

 

كما أن تطورًا في المشهد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط قد حدث، وتطورًا آخر يبدو منتظر الحدوث، بالإضافة إلى تحسن ملحوظ في الأداء الاقتصادي الروسي؛ قد دفعا الدب الروسي إلى مزيد من الحركة الخارجية عمومًا وتجاه ملفات الشرق الأوسط المعقدة خاصة، بدءًا من الملف النووي الإيراني، مرورًا بقضية الجولان السورية وحصار غزة، وليس انتهاءً بما يبدو إعادة نظر في طبيعة العلاقات الروسية الصهيونية، والتي يشوبها بعض الغموض.

 

لن نبدأ بالحديث منذ الحرب الباردة وبغض النظر عن تاريخ العلاقة الروسية السورية؛ فلأول مرة منذ الثورة البلشفية عام 1917م قام الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بزيارة سوريا، بحث خلالها الجانبان احتمالية مساعدة موسكو دمشق في بناء محطة نووية لتوليد الكهرباء في سوريا، ليس هذا بحسب؛ بل قامت روسيا بعد الزيارة بأيام بتوقيع اتفاقات مع سوريا، تبيع بموجبها موسكو لدمشق طائرات حربية وأسلحة مضادة للدبابات وأنظمة للدفاع الجوي، وفي هذا الإطار قال ميخائيل ديمترييف رئيس الجهاز الاتحادي للتعاون العسكري الفني إن روسيا ستزود سوريا بطائرات مقاتلة من طراز "ميج 29" وأنظمة مدفعية مضادة للطائرات وصواريخ "بانتسير" قصيرة المدى (أرض- جو) المحمولة على شاحنات، ولم يحدد نوع الأسلحة المضادة للدبابات التي تشملها الصفقة.

 

وقد سبق وأن طلبت سوريا من موسكو طائرات "ميج 31"؛ لكن الصفقة قد توقفت بسبب اعتراضات الكيان الصهيوني، ومن ورائها اعتراضات أمريكية، لكن الصفقة التي تم توقيعها بين الطرفين بالفعل تأتي في ظل أجواء مضطربة في المنطقة؛ حيث لا تلبث التهديدات الصهيونية أن تهدأ حتى تثور من جديد في وجه كلٍّ من حركة حماس في قطاع غزة وحزب الله في لبنان ودمشق ومن ورائهم طهران.

 

 الصورة غير متاحة

 طائرات مقاتلة طراز ميج 31

وفي ظل توقعات بشن الكيان الصهيوني حربًا جديدةً في المنطقة للتخلص من هاجس الخوف الصهيوني المتصاعد مع تصاعد القوة العسكرية لمعسكر الممانعة، كما يُطلق عليه "حركة حماس- حزب الله- سوريا- إيران"، ويبدو أن المعلومات والتوقعات بشأن حرب صهيونية جديدة في المنطقة أقرب للصواب، والدليل على ذلك بعض التحركات المناوئة لأي تحرك صهيوني والمتمثلة في الآتي: "المناورات العسكرية السورية التركية المشتركة- المناورات العسكرية الإيرانية في الخليج- صفقة السلاح الروسية السورية- التحرك الدبلوماسي التركي البرازيلي تجاه الملف النووي الإيراني- التخبط داخل حكومة الكيان الصهيوني- حالة الحيرة التي يعيشها الكيان الصهيوني.. وغيرها".

 

يتساءل البعض عن مدى قوة الأسلحة الروسية لدمشق، ومدى تأثيرها في حال قيام حرب يشنها الكيان الصهيوني على سوريا؟! والواقع أن الأسلحة الروسية في أغلبها أسلحة تتسم بطابع دفاعي، علينا أن ندرك أن احتمالية زوال الكيان الصهيوني غير واردة لدى موسكو على الإطلاق؛ لكن الإستراتيجية الروسية في نفس الوقت تهدف إلى حماية حليفها السوري، وأن تكون دمشق إحدى الأوراق التي يمكن أن يلعب بها الدب الروسي أمام العم سام والكيان الصهيوني الذي ظهر وجهه العدائي لروسيا في حرب جورجيا الأخيرة، وعلى نفس الصعيد لا يستطيع أحد أن ينكر فاعلية السلاح الروسي في المواجهات العسكرية المسلحة على ساحة الشرق الأوسط، ولا يثبت ذلك فقط تجربة حرب أكتوبر 1973م، بل أيضًا الحربان الأخيرتان للكيان الصهيوني على جنوب لبنان.

 

وبالنظر إلى الجبهة اللبنانية نجد أن أغلب السلاح المستخدم لدى حزب الله هو سلاح روسي الصنع إن لم يكن محلي الصنع أو أنه روسي مطور، كما أن بعض الأسلحة الدفاعية يمكن استخدامها لأغراض هجومية، ولكن الأكيد ورغم كل التقدم الإستراتيجي الذي أحرزته المقاومة إلا أن قرار البدء في شن حرب جديدة يقع في يد الكيان الصهيوني.

 

ويجب الأخذ في الاعتبار الدور الروسي في عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل تعنت الحكومة الصهيونية الحالية، وعلى خلفية فشل إدارة أوباما بإحداث أي تغيير في مواقف تل أبيب فيما يتعلق بالمفاوضات مع الفلسطينيين؛ تأمل سوريا في استعادة مكانتها الدولية عن طريق التدخل الذي يمكنه أن يمثل إضافة حقيقية لعملية السلام، خاصة على المسار السوري، خاصة أن سوريا مستعدة للمفاوضات غير المباشرة؛ لكنها لا تجد شريكًا على الجانب الصهيوني قادرًا على الانخراط في مثل هذه المفاوضات لهذه المفاوضات؛ لهذا إن كانت هناك رغبة لدى روسيا بلعب دور في المفاوضات بين سوريا والكيان الصهيوني، والأغلب أن صفقة السلاح تهدف إلى الضغط على الكيان الصهيوني من أجل الرضوخ والجلوس على طاولة المفاوضات، كما أن هذه الوساطة لا بد وأن تستعين بتركيا الوسيط الذي لم يتخل بعد عن دوره في هذه المفاوضات، والحقيقة أنه ليس ثمة دافع، ولن يكون هناك دافع كذلك في المستقبل المنظور على الأقل يدفع الكيان الصهيوني للتخلي عن هضبة الجولان، وتبدو المسألة هنا مجرد توتر وتخفيف للتوتر وعودة له لحين أن يقطع الكيان الصهيوني بشن حرب جديدة يتردد في شنها لأنه يشك بنتيجتها حتى الآن.

 

ولم تكن زيارة ميدفيديف قاصرة على الجانب العسكري، وإنما شملت الجانب الاقتصادي ومن ثم السياسي، ولم يعد بإمكان القيادة الروسية تجاهل النشاط السوري على محور مشروع التكامل الإقليمي المعروف باسم "ربط البحار الأربعة"، والذي أطلقه بشار الأسد منذ سنوات، ويرتكز على تعاون سوري تركي إيراني عراقي، ينتهي بتكامل اقتصادي بينها أي بين دول تتوسط العالم من ناحية الحركة التجارية، وتلعب دورًا رئيسيًّا في مجال مصادر الطاقة إنتاجها وطرق تصديرها، علاوة على الموقع الملائم للسياحة، كما أن روسيا تعرف أكثر من غيرها الشوط الذي قطعته سوريا على درب تهيئة البنى التحتية للصناعات النفطية والغازية، لا سيما وأن شركات روسية مثل تات نفط وستروي ترانس غاز قد ساهمت في بناء الجزء الأكبر من هذه البنى التحتية، وتعلم أن شبكات المواصلات البرية وكذلك شبكات نقل الغاز والنفط تستعد للربط مع تركيا من جانب ومع العراق ودول أخرى في المنطقة من جانب آخر؛ ما يعني نشوء عقدة مواصلات عبر سوريا وتركيا إلى آسيا الوسطى وأوروبا، وبالعكس لا يمكن تجاهل أهميتها وتأثيرها على الاقتصاد والتجارة العالميتين.

 

ومن الملاحظ هنا أن الخطوات السورية لتنفيذ فكرة ربط البحار الأربعة ترافقت مع توطيد سوريا لعلاقاتها السياسية مع تركيا وأذربيجان وأرمينيا وصولاً إلى جورجيا، وما يفرض ذلك الحاجة بإيجاد حلول للأزمات المنتشرة على الرقعة الجغرافية التي ستنعم كل شعوبها ودولها بالازدهار إن تمكنت من تجسيد خطط التكامل الاقتصادي فيما بينها، ولا يمكن تحقيق هذا التكامل في ظل انتشار نزاعات مثل النزاع الأرميني الأذاري حول إقليم قره باخ.

 

وفي ظل استمرار العلاقات التركية الأرمينية سالبة مع وقوف واشنطن حجرة عثرة في وجه الانفتاح التركي تجاه أرمينيا، وعندما تتمكن سوريا من إقامة علاقات طيبة مع أطراف متنازعة، فمن المنطقي أن هذا سيسهم في لعبها لدور وساطة نزيهة يأتي بنتائج إيجابية في حل النزاعات وتعود بالفائدة على الجميع.

 

 الصورة غير متاحة

خالد مشعل

وعلى صعيد آخر، فقد التقى الرئيس الروسي ميدفيديف أثناء زيارته دمشق خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس؛ حيث مثل اللقاء صدمة للكيان الصهيوني، وأوضح محللون أن روسيا تحاول أن تثبت لأمريكا بأن لديها نفوذًا في المنطقة، وأنها عنصر مؤثر في قضايا الشرق الأوسط، وجاء هذا اللقاء مساندًا لحركة المقاومة الإسلامية، خاصة مع إعلان الجانب الروسي استمرار وتواصل الاتصالات الروسية بالحركة، وهو ما يضعف من الموقف الصهيوني.

 

ليس هذا فحسب بل تواردت أنباء عن مصادر إعلامية صهيونية أن رئيس الكيان شيمون بيريز قد تعرَّض لعدة إعاقات ومعاناة، وتمت معاملته على أنه مواطن عادي ما وصفته صحف عبرية بأنه إهانة، فقد انتظر داخل الطائرة لأكثر من ساعة مع أكثر من مائة مسافر آخر قبل أن تسمح السلطات الروسية بإقلاع الطائرة في طريقها إلى تل أبيب، وقالت وسائل إعلام عبرية أن سلطات المطار في روسيا وضعت الكثير من العراقيل خلال تفحصها لجوازات السفر العائدة لشمعون بيريز وحاشيته، وصممت على فحص الجوازات بحضور بيريز ورجاله بشكل شخصي وفردي إلى شباك فحص الجوازات، كما منعته سلطات المطار من دخول سيارته المصفحة حرم المطار، والوصول مباشرة إلى الطائرة؛ وهو ما يعكس الخلاف الروسي الصهيوني.

 

ويبدو أن الدب الروسي لم ينس الإساءة التي وجَّهها له الكيان الصهيوني عندما دعَّم جورجيا في مواجهته أثناء حرب الأيام الخمسة الأخيرة في العام 2008م، وفي هذا الإطار كانت تقارير صحفية قد ذكرت في حينه أن القيادة العسكرية والسياسية في روسيا درست بعد الحرب الجورجية اتخاذ عدة خطوات عقابية وانتقامية ضد الكيان الصهيوني، بسبب قيامه بتدريب الجيش الجورجي وتزويده بأسلحة صهيونية؛ حيث زوَّد الكيان الصهيوني جورجيا بطائرات بلا طيار ورشاشات من طراز تافور وعتاد وإلكترونيات حربية وصواريخ طائرات للتشويش على وسائل الدفاع.

 

وهنا يبدو وزن الدب الروسي قادرًا على إحداث أثر متوازن أمام مؤامرات العم سام والكيان الصهيوني، ويبقى في النهاية التأكيد على أن روسيا مهما كان تعاونها مع الدول العربية، إلا أنها لا تفكر في إزالة الكيان الصهيوني إطلاقًا، وإنما مجرد مصالح وحفظ التوازن في المنطقة وحماية مصالحها، ويجب على العرب أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في عالم يبدو أن أرضه سوف تزدحم بالقوى الإقليمية والدولية التي تسعى لحماية مصالحها بدلاً من انتظار المخلص سواء من الشرق أو الغرب.