- مشروع "الترانسفير" نكبة جديدة للشعب الفلسطيني
- المفاوضات استهلاك محلي سواء كانت مباشرة أو غيرها
- الاعتراف بالصهاينة يعني التنازل عن 77% من أرضنا
- في عام 1953م أوقفنا قرارًا بتوطين 200 ألف لاجئ بسيناء
حاوره في غزة- البراء محمود:
الشيخ عبد الفتاح دخان أحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" خلال الانتفاضة الأولى عام 1989م، ومن قادة جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وأحد الذين عايشوا نكبة الفلسطينيين عام 48 عندما هجِّرت عائلته من قرية "عراق سويدان" قضاء المجدل؛ ليذوق وعائلته معاناة التشريد في مخيمات اللجوء، ويقطنوا مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة.
(إخوان أون لاين) في الذكرى الـ62 لنكبة فلسطين؛ كان له هذا الحوار المطول مع الشيخ دخان:
* في الذكرى الـ62 لنكبة فلسطين وتشرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم وقراهم الأصلية في فلسطين المحتلة عام 48، برأيك هل قضية اللاجئين أصبحت تستجيب للمطالب الداعية للتوطين والتعويض؟
** اللاجئون الفلسطينيون يجب أن يعودوا لديارهم التي هُجِّروا منها في 15 من مايو 1948م؛ لأنهم لا يقبلون عنها بأي بديلٍ سواء في داخل الوطن أو خارجه، ويجب ومن الضروري عدم الاستجابة لأية دعوة للتوطين أو التعويض لحق العودة.
والقانون الإنساني ينص في المادة 43 من مواثيق لاهاي بشأن الحرب ومعاهدة جنيف 1949م على حق العودة، والأمم المتحدة تنص بموجب قرارها 194 على حق اللاجئين في العودة لديارهم التي هُجرِّوا منها، ولو اجتمعت علينا كل أمم الأرض علينا، فالأيام دول وسنعود إلى ديارنا بإذن الله، ولن نفرط في شبر واحد من أرضنا فلسطين، وهذا عهد نورثه لأبنائنا ليورثوه لأبنائهم إلى أن نعود أو يعودوا".
نكبة جديدة
* كيف تنظرون لقرار الإبعاد الصهيوني القاضي بإبعاد 70 ألف فلسطيني من الضفة المحتلة لقطاع غزة، وهل تعتبرون "الترانسفير" نكبة جديدة للفلسطينيين؟
** نحن نحذِّر من قرار الإبعاد "الترانسفير" الذي أقرته حكومة الاحتلال الصهيوني والقاضي بإبعاد 70 ألف مواطن فلسطيني من الضفة للقطاع، ومن خطورته على قضية التوطين أو الأبعاد سواء في داخل الوطن أو خارجه.
ونرفض "الترانسفير" ولا نقرُّه؛ لأننا عندما كنا في مرج الزهور عرض علينا الذهاب لدول غرب أوروبا والحج فرفضنا لأننا كنا نريد العودة لديارنا لنخرج منها بكامل حريتنا دون قيود تفرض علينا"، ويجب مقاومة القرار بكل الطرق والإمكانيات الممكنة والمتاحة.
ومن الضروري لنا كفلسطينيين مقاومة قرارات الإبعاد والتهجير، والتمسك بالثوابت الوطنية، والالتزام بالإجماع الوطني، وتعرية كل من يحاول التفلت مما يجمع عليه الناس بفطرتهم السليمة، ويجب علينا أن نبارك كل سعي مخلص لإعادة اللحمة لأبناء شعبنا في الضفة وغزة وتحقيق المصالحة ودعم التوافق والتواصل مع فلسطينيي الشتات ما أمكن عبر تبادل الأفكار لتوحيد الموقف في مختلف القضايا التي تهم الشعب الفلسطيني وتخدم قضيته.
* كيف تنظرون لعودة سلطة فتح للمفاوضات مع الاحتلال، وهل طريق التسوية والاعتراف بالكيان سينجح في جلب الحقوق الفلسطينية وعودة أبناء شعبنا لقُراهم ومدنهم التي هجِّروا منها قبل 62 عامًا؟
** كل أنواع المفاوضات نوع من "الاستهلاك المحلي لا يجدي نفعًا، والمجدي والأفضل من ناحيتنا نحن كحركة إسلامية هو الجهاد والمقاومة لدحر الاحتلال وإقامة الدولة في الضفة والقطاع على حدود الـ67 وعاصمتها مدينة القدس كاملةً، لكن هذا الحل الذي ندعو له يعد حلاً مؤقتاً؛ لأنه لا يجوز مطلقًا التنازل عن شبر واحد من فلسطين؛ لأنها أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين ليوم القيامة.
أما بالنسبة للاعتراف بـ"إسرائيل" يعني التنازل مباشرةً عن 19مليون دونم من أرض فلسطين، وذلك يساوي 77% من أرضنا التاريخية، وإذا كنا نقول إن ديننا يعامل كل من باع أو فرط أو تنازل عن شبر واحد من فلسطين يعتبر مرتدًّا عن الإسلام ويعامل معاملة المرتد حيًّا أو ميتًا فيكف يجرأ المسلم على التنازل عن أرض فلسطين التي أوقفها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وتخضبت أرضها بدماء صحابة رسول الله، وجند صلاح الدين والظاهر بيبرس وأبناء فلسطين".
ولذلك يجب أن نعلم جيدًا أن جميع المؤتمرات والحوارات واللقاءات سواء كانت وجهًا لوجه أو ظهرًا لظهر كله لا يجدي ولا يأتي بأي نتيجة، والقضية الفلسطينية الوحيدة في العالم التي قامت خلال 30 قرنًا على أسس دينية، وتخليصها لا يمكن أن يكون إلا بالاعتماد على أسس دينية بالدرجة الأولى، وأسس مادية بالدرجة الثانية.
* وما هي الكلمة التي توجهِّها للمقاومة الفلسطينية والمجاهدين المرابطين في هذه الذكرى الأليمة على شعبنا؟
** المقاومة تعني مواجهة المحتل كما هو يواجهنا، السلاح مقابل السلاح، لكن المقاومة الشعبية التي تنادي بها حكومة فتح في رام الله وبعض الفصائل رديف للمقاومة المسلحة.
لكن إن صح ذلك فإن قضية فلسطين لا تعالج إلا على تلك الأسس، والقضية الفلسطينية في تقدم بزيادة الوعي والمعرفة الحقيقية، والتجربة مع الزمن أكسبت هذه القضية حياةً وروحًا جديدة، وكانت حرب الفرقان في العام الماضي علامة على ذلك؛ لأن المجاهدين خاضوها بقلة العدد، وواجهوا أعتى الجيوش في العالم، وكانت النتيجة رغم التضحيات البشرية والمادية في صالح الحركة التي اعتمدت بأخذ القضية بشكل متكامل دينيًّا وماديًّا.
وفي هذا المقام أوجه التحية للمقاومة الفلسطينية والمجاهدين في الذكرى الـ62 للنكبة الأليمة، وحماس والمجلس التشريعي يشدون على أيادي المجاهدين، ونسأل الله أن يثبتهم وأن يمكنهم من رقاب عدوهم ولهم أجر المرابطين في هذه الأرض.
* لو عدنا بالذاكرة إلى ما قبل النكبة والتي كنت شاهد عيان عليها.. فماذا حدث معكم؟!
** هوجمت قريتنا "عراق سوسين" قضاء المجدل جنوبي الأراضي المحتلة عام 48 من العصابات اليهودية أكثر من 24 مرةً، وحدثت معارك قوية عدة بين المقاومة والجيش المصري الذي كان في قريتنا من جهة وبين الصهاينة، لكن اليهود اعتمدوا على المدفعية وكنا حينها قد خرجنا من القرية أنا وشقيقي الأكبر ووالدتي واثنين من أخواتي دون مجيء والدي وجدتي معنا؛ حيث توجهنا لمنطقة الغرار "غور" بمنطقة دورا بجبال الخليل.
لكننا مكثنا في منطقة "دورا الخليل" شهرًا كاملاً ولم نعلم عن قريتنا أي شيء، وبعد مدة صعدت وأخي عبد الرحمن لسفح الجبل وكانت قريتنا "عراق سويدان" ساحلية وتظهر من الأماكن المرتفعة بشكل واضح فرأينا أعمدة الدخان تتصاعد من منازل القرية التي تعرضت لقصف مدفعي صهيوني كثيف، وعلمنا وقتها أن القرية قد احتلت، ولم نعرف بعد مصير أبي وجدتي اللذين توجها ناحية مدين المجدل.
وبعد مدة زمنية قصيرة قرَّروا اللجوء لمدينة غزة، ومضوا في طريقهم عبر صحراء النقب باتجاه قطاع غزة؛ ليقطنوا بادئ الأمر في مخيم البريج، وبدأنا يومها البحث عن والدي وجدتي، وعثر أخي الأكبر على والده مصادفة بمدينة غزة، ومن ثم توجهوا من مخيم البريج باتجاه منطقة الزوايدة، وقطنوا منذ ذلك الحين في مخيم النصيرات للاجئين هم وعدد من أقاربهم وذويهم.
أكملت دراستي الابتدائية من الصف السادس في مخيم النصيرات، ومن ثم انطلقت في دراسة الثانوية التي كانت في تلك الفترة تعادل الإعدادية في مدرسة البريج، ومن ثم عملت مدرسًا للمرحلة الابتدائية في مدرسة النصيرات التي تلقيتُ تعليمي الابتدائي فيها في صغري، وللأسف كان واقع التعليم في ذلك الوقت في عهد الحكم المصري لغزة، والمناهج كانت مرتبطة بمدارس التبشير التي أسسها الغرب أثناء استعمارهم للدول العربية بعد الحرب العالمية الثانية.
أذكر حدثًا وقع معي جيدًا خلال مشاركتي في دورة للمعلمين عام 1971م، والتي عقدتها هيئة الإشراف التعليم المصرية على قطاع غزة آنذاك؛ حيث عقدت دورة لمدة عام لمدراء مدارس غزة، وكنت حاضرًا في ذلك الوقت، وجاء علينا محاضر يدعى علي عثمان وأصله فلسطيني وقال لنا في إحدى المحاضرات: لدينا في رئاسة الوكالة منصب تشغله امرأة يعرف بأنه منصب كاتم سر الوكالة، وكنا نسأل ونستفسر كثيرًا عن هذه الوظيفة دون جدوى، وكانت تلك المرحلة التي حاول البعض فرض قرارات التوطين والتعويض على اللاجئين الفلسطينيين بمشاركة ومساومة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التي كانت تشرف على أوضاع الفلسطينيين في الداخل والخارج، وبعد فترة نُقلت هذه السيدة للعمل في إفريقيا فأقام زملاؤها حفلاً للتعرف على هامشه عن السر الذي تحمله دون أن تفصح عليه لمدة طويلة من عملها، فردَّت قائلةً: "السر يكمن في رغبة الوكالة بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن سكناهم".
* يعني هل تقصد أن الوكالة كانت تتحالف مع الاحتلال؟
** كان هدف وكالة الغوث "الأونروا" يكمن في التساوق مع الغرب والاحتلال على إنهاء قضية اللاجئين والدعوة لتجاهل ونسيان حق العودة عبر توطين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة وغزة والشتات في أماكن سكناهم؛ ليوضحوا للعالم أن قضيتهم قد حلت، وأنهم لا يعانون من مشكلات في السكن والعيش فوق أرضهم.
وأذكر أنني عندما كنت طالبًا في المرحلة الثانوية بمدرسة البريج عام 1953م صدر قرار مشروع توطين اللاجئين بصحراء سيناء بمصر عبر الإعداد لنقل 200 ألف لاجئ من القطاع لتوطينهم في سيناء، والمشروع كان مخطط له عبر قيام مصر بمنح الأرض وتقوم وكالة الغوث بدورها بتوفير المساكن وتصليح الأرض ويطلب من الولايات المتحدة الأمريكية دفع التكاليف.
وكنت وقتها مسئول الكتلة الطلابية الإسلامية الإخوانية بمدرسته الثانوية، وقمنا في تلك الفترة بدعوة من معلمين ومدير المدرسة الرافضين للقرار بتنظيم عدة فعاليات، ومسيرات مناهضة للقرار، والمطالبة بإعادة حقوق اللاجئين، وفي أغلب هذه المسيرات كانت تحدث مناوشات بينهم وبين الأجهزة الأمنية المصرية التي كانت تُشرف على القطاع حينها، وهتف الناس بإسقاط المشروع وسقط وقتها بفضل الوقفة الجماهيرية القوية.