يبدو أن الخلافات الدائرة بين محمود عباس رئيس السلطة المنتهية ولايته وبين وسلام فياض رئيس حكومة دايتون اللاشرعية قد بدأت تخرج للسطح ولم تعد ضميرًا مستترًا بفعل التعتيم الإعلامي؛ وما التصريحات (التلطيفية) أو (التعديلية) الصادرة عن كلا الرجلين إلا دليل حقيقي على عمق الحفرة الآخذة بالاتساع.
ولوقف حالة التدهور المستمرة في العلاقة الثنائية، أدلى محمود عباس بتصريحاتٍ لصحيفة (الشرق الأوسط) قال فيها: "إن خطة حكومة فياض القائمة على إعلان الدولة من طرفٍ واحد عام 2011م تمت بموافقته"، أما فياض من جانبه فقد أكد أن "مهمة الإعلان عن الدولة هي من صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية، لكن العمل على بناء مؤسسات هذه الدولة هي من مهام الحكومة"؛ الأمر الذي اعتبره كثيرون محاولة خجولة لتلطيف الأجواء المشحونة بين الجانبين.
التصريحات تلك كان قد سبقها حالةٌ من التراشق الإعلامي وفتح النار بين أنصار الطرفين، فقد نقلت صحيفة "هآرتس" العبرية عن مصادر مقرَّبة من محمود عباس؛ أن العلاقة بين الرجلين شهدت تدهورًا في أعقاب المقابلة التي أجرها فياض مع الصحيفة، والذي أعلن خلالها عن نيته إعلان دولة فلسطينية من جانب واحد بحلول 2011م, بشكلٍ مخالف لتوجهات أبو مازن الذي قال في وقتٍ سابقٍ إنه ضد الإعلان عن إقامة الدولة من طرف واحد، وأنه يريد الإعلان عن الدولة باتفاق دولي.
كما شدد محمود عباس في خطابه أمام المجلس الثوري لحركة فتح على أن الجهة الوحيدة المخولة باتخاذ القرارات عن الشعب الفلسطيني هي المنظمة، وأشار إلى أنه "لا الحكومات ولا الفصائل هي صاحبة القرار"، وهو ما اعتبره مراقبون نقدًا لاذعًا وصريحًا لمشروع فياض، ورأى كثيرون في حركة "فتح" في كلمة عباس تلك إشارة لعدم ارتياحه للدور السياسي المتنامي لفياض، خاصةً بعد إعلان خطة حكومته وشروعه في حملة شعبية للترويج لها، وتلقيه دعمًا دوليًّا متناميًّا لها.
العربة أمام الحصان
وذكرت الصحيفة أن "أبو مازن" ورجاله لم يرحبوا بما أسموه تجاوز الصلاحيات, ومحاولة إقرار أجندة لـ"السلطة الفلسطينية" و"رئيسها" من جانب رئيس "الحكومة" الذي من المفترض أن يكون مجرد موظف في الحكومة فقط.
انتقادات أخرى كان قد وجهها أيضًا كل من "حنا عميرة" عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية و"حاتم عبد القادر" مسئول ملف القدس في حركة فتح؛ حيث اعتبر الأول خطة فياض لإقامة دولة فلسطينية بحلول 2011م بحاجة إلى موقف سياسي عام من قبل منظمة التحرير، وألا تقتصر على الحكومة فقط لأنه لا يمكن بناؤها مع وجود الاحتلال.
كما اعتبر "عبد القادر" مشروع (دولة فياض) فكرة متناقضة ومتصادمة مع الخط العرفاتي الذي يفترض عدم إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة قبل أن يتم بناء الأساس السياسي لهذه الدولة القائم على انسحاب الاحتلال، وأضاف مسئول ملف القدس: "... أنا لا أرى ضرورة إقامة دولة فلسطينية في ظل وجود الاحتلال".
كما اعتبر مقربون من عباس الإعلان عن إقامة الدولة سيخدم إسرائيل كونها ستقوم على أرض ضيقة بمساحة نحو 50- 60% من أراضي الضفة دون القدس، وهكذا يحصل الصهاينة على ما أرادوا، في حين رأى آخرون في حركة فتح أن خطة فياض تشبه إلى حدٍّ كبير كمَن يريد أن يضع العربة أمام الحصان على اعتبار أن إقامة الدولة يكون بعد الاستقلال وإنهاء الاحتلال وليس العكس كما يرى فياض.
المستوزرون وما أكثرهم
كما لم يكن الخلاف العباسي الفياضي مقتصرًا على مسألة إعلان الدولة وحسب؛ بل امتد ليشمل مواضيع أخرى متعقلة بالحكومة وموقع حركة فتح فيها؛ حيث يرى مراقبون أن عباس لم يعد يحتمل ضغوط المستوزرين- وهو كثر- داخل حركة فتح والذين ينادون بضرورة إجراء تعديل وزاري يقضي بتدعيم الحكومة بشخصيات فتحاوية، وخاصةً في الوزارات السيادية وعلى رأسها المالية والداخلية، وترى أوساط فتحاوية أخرى أن فياض بدأ يحتسي كأسًا من المشروبات الغازية بعد أن ابتلع السلطة وبسط سيطرته على كافة مرافقها ووزاراتها عبر التعيين والإقصاء الممنهج وفقًا لهواه.
وذكرت مصادر مطلعة أن عدة خلافات سجلت بين الرجلين منذ تشكيل الحكومة الأخيرة، حيث تركزت تلك الخلافات حول أسماء عدد من الوزراء أبرزهم وزير الخارجية "رياض المالكي" الذي يريده "عباس" البقاء في منصبه؛ الأمر الذي يرفضه "فياض"؛ وأخّر الخلاف هذا بين عباس وفياض تشكيل الحكومة لأكثر من أسبوع اضطر فياض في نهاية الأمر إلى قبول إصرار عباس، كما يدور خلاف آخر بين أبو مازن وفياض حول التعديل الوزاري المرتقب.
عبد ربه في حلف فياض
ياسر عبد ربه
ويعتبر "ياسر عبد ربه" وما يملكه من صلاحيات واسعة داخل المنظمة والسلطة من النقاط الخلافية بين تيار عباس وحلف فياض؛ حيث تطالب فتح بضرورة قصقصة جناحي "عبد ربه" وإنهاء سيطرته على هيئة الإذاعة والتلفزيون، خاصةً بعد السياسة الجديدة الذي يتبعها الرجل داخل الهيئة، والتي تقوم على تهميش الموظفين- والذين في مجملهم من حركة فتح- والعمل على منح دور كبير للشركات الخاصة داخل الهيئة، في حين يطالب فياض بضرورة بقاء الرجل في منصبه، وهو الذي يفسر سر الدافع المستميت الذي يقوم به "عبد ربه" عن فياض وسياساته.

كما كشف النائب في المجلس التشريعي "حسن خريشة" في تصريحات صحفية عن محاولات فتحاوية لاستبعاد "عبد ربه" من أمانة سر اللجنة التنفيذية وعن الإعلام الرسمي، واعتبر خريشة، الاستياء الفتحاوي من ممارسات فياض وعبد ربه يتوقف على مدى قدرة فتح على ترجمة وتنفيذ ذلك الاستياء عمليًّا، على اعتبار أن ذلك الأمر يحتاج إلى قرارٍ سياسي.
وتبدو حركة فتح منزعجةً كذلك من الجولات المكوكية التي يقوم بها فياض على الخرب والقرى والمدن الفلسطينية؛ الأمر الذي تعتبره الحركة أنه يدخل في إطار الدعاية المكشوفة التي تسبق أية انتخابات رئاسية قادمة، كما تخشى فتح من أن يقوم فياض بتشكيل قوائم انتخابية تنافس الحركة في الانتخابات البلدية المزمع عقدها في الضفة الغربية خلال الصيف القادم.
وقد كشفت مصادر مطلعة أن فياض يقوم باتصالات مع بعض الشخصيات اليسارية والمستقلين والأكاديميين لخوض الانتخابات المحلية في قوائم خاصة، وهو ما تعتبره فتح التهديد الحقيقي لسيطرتها على البلديات وسط عدم إمكانية دخول حماس المنافس الأقوى غمار المنافسة في الضفة بحكم التغييب القصري للحركة بفعل الإجراءات الأمنية التي تقوم بها السلطة بحق عناصر ومؤسسات الحركة.
إن العلاقة الجدلية بين عباس وفياض تبدو اليوم متأرجحةً فلا أبو مازن قادر عن الاستغناء عن فياض على اعتبار أنه رجل المال الأول في السلطة، ولا فياض يبدو مستعدًا لإدارة ظهره لعباس فهو يمثل مفتاح حركة فتح والمنظمة التي تملك الأوراق السياسية.
والسؤال هنا: هل ينتهي خلاف عباس وفياض كما انتهت العلاقة بين عرفات وأبو مازن عندما استقال الأخير من منصبه، أم أن المعادلة تبدو اليوم مختلفة؛ وسط إجماع الطرفين على معاداة حركة حماس، كل الاحتمالات واردة والأيام حبلى بكل جديد.