بدت أزمة حوض النيل الأخيرة عند توقيع 4 من دول المنبع اتفاقيةً جديدةً تستبعد كلاًّ من مصر والسودان وتسلب من القاهرة كلَّ حقوقها التاريخية في مياه النيل؛ إعلانًا ببدء حقبة جديدة من تاريخ حوض النيل، تكون فيه الدولة المصرية دولة المصبِّ تابعةً لما تراه دول المنبع من سياسات مائية ملائمة لها أو غير ملائمة، لكنَّ النظام المصري الهرم لم يعترف بذلك، كما لم يعترف بالفساد المستشري والبطالة والعجز وتطاول الصغير والكبير من دول وشعوب العالم على كرامة المواطن المصري، ورغم مجادلة النظام المصري في الوقت بدل الضائع بأنه لا يزال قويًّا ولا يزال يمتلك أوراقًا للتهديد والضغط ومساحة للمناورة؛ جاء إعلان العهد الجديد على لسان رئيس الوزراء الإثيوبي ميلس زناوي: "لقد بدأ عهد جديد في حوض النيل".
وأضاف أن بعض الناس في مصر لديهم أفكار قديمة وبالية، تقوم على افتراض أن مياه نهر النيل تخصُّ مصر، وأن مصر لديها الحق في تقرير من يحصل على تلك المياه، وأن الدول في الجنوب- وهي دول المنبع- غير قادرة على استخدام مياه النيل؛ لأنها دول غير مستقرة وفقيرة، مؤكدًا أن هذه الظروف تغيَّرت، وأكد أن بلاده تتمتع بالاستقرار، رغم أنها لا تزال دولة فقيرة ولكنها قادرة على تغطية الموارد الضرورية لبناء ما تشاء من البنية الأساسية والسدود على نهر النيل في تصريحات لقناة "الجزيرة"، قائلاً: إن مصر لن تستطيع منعنا من إقامة المزيد من السدود، وكانت إثيوبيا أعلنت عن افتتاح أكبر سدٍّ مائي على بحيرة تانا، التي تعتبر أحد أهم موارد نهر النيل، وذلك في سابقةٍ خطيرةٍ تؤشر إلى نية دول منابع النيل في تصعيد مواقفها ضد مصر، ويقع سد بليز في ولاية أمهرة الواقعة على بُعد 500 كيلو من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وتكلّف 500 مليون دولار، وقالت إثيوبيا إنه سيولد المزيد من الطاقة الكهربائية باستخدام الموارد المائية لبحيرة تانا، لافتةً إلى أنها المرة الأولى التي تستغل فيها إثيوبيا نهر النيل.
ميلس زناوي

وبعد أن كان هناك أملٌ في إقناع الدول غير الموقعة على الاتفاقية الجديدة بعدم التوقيع، استبقت كلٌّ من كينيا والكونغو بالتوقيع عليها ولم يتبقَّ سوى بوروندي، والتي ستوقِّع على الاتفاقية عقب الانتهاء من الانتخابات الرئاسية المقررة يوم 28 يونيو المقبل، وقامت بالتوقيع عن كينيا وزيرة الموارد المائية الكينية تشاريتي نجيلو في نيروبي بعد نقل الوثيقة من عنتيبي إلى نيروبي، وفور التوقيع دعت نجيلو مصر والسودان إلى التوقيع على الاتفاقية، وقالت الوزيرة إنه في عام 1963م عندما حصلت كينيا على استقلالها دعا الرئيس الكيني جومو كينياتا جميع الدول التي تربطها أية اتفاقيات ببلاده قبل هذا التاريخ؛ إلى إعادة التفاوض مع حكومته المستقلة، وإعادة صياغة اتفاقيات جديدة برعاية منظمة الأمم المتحدة، لكن مصر لم تستجب.
وأضافت الوزيرة أن استغلال مياه بحيرة فيكتوريا والأنهار المغذية لها أمرٌ لا غنى عنه لكينيا، فالبحيرة لها دورٌ حيويٌّ في العديد من المشاريع التنموية، لا سيما في مجالات الزراعة والقوة الكهربائية المائية والتوازن البيئي، وصرَّحت بأن الإطار القانوني لاتفاقية 1929م لا يرضي غالبية دول الحوض، وهذه الاتفاقية لم يتم التفاوض عليها مع حكومة كينيا المستقلة، هذه الاتفاقيات التي تعود إلى عصر الاستعمار أعطت حق الفيتو لبعض البلاد على حساب الأخرى، وبالتالي أخلَّت بمبدأ التعاون بين الدول والمساواة فيما بينها لاستغلال مصادر المياه.
جاء ذلك قبل زيارة رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينجا إلى مصر، والتي من المقرر أن تستغرق 4 أيام، ويأتي أودينجا على رأس وفد سياسي كيني رفيع المستوى، يضم وزيري الخارجية والري وعددًا من الخبراء والمسئولين في مجالات المياه والكهرباء، وكذلك زيارة رئيس الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، التي ستبدأ في 25 من الشهر الحالي وتستغرق أيضًا 4 أيام، وتعدُّ أول زيارة رسمية له لمصر يرافقه خلالها عدد من الوزراء، ويأتي ذلك لفرض أمر واقع على مصر؛ حيث تكون الدولتان قد وقَّعتا بالفعل على الاتفاقية، وسيكون من الصعب الرجوع عن موقفيهما، وبالتالي يمكن إرجاء ملف النيل للحديث عن ملفات أخرى أهم يمكن أن تؤثر فيهما بشكل أو بآخر بالنظر إلى ما بين البلدين من ناحية ومصر من ناحية أخرى من علاقات اقتصادية وسياسية؛ حيث تقوم مصر بدور إيجابي من خلال صندوق إفريقيا للدعم الفني، بالإضافة إلى وجود قوات عسكرية مصرية في الكونغو ضمن قوات حفظ السلام هناك، لكن ما بين البلدين ومصر من مصالح لا يقارن بما يمكن أن يحصلا عليه من مكاسب من خلال علاقاتها بالولايات المتحدة أو الكيان الصهيون.
فعلى سبيل المثال يبدو لكينيا دور إقليمي بارز في الوساطة وحل القضايا الإقليمية في شرق إفريقيا، هذا الدور الذي أهدته لها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ناحية أخرى فسيؤثر انفصال الجنوب السوداني تأثيرًا سلبيًّا في مصر؛ حيث سيكون للدولة الوليدة حصةٌ منفصلةٌ من مياه النيل، كما أنها ستنضمُّ فور استقلالها إلى اتفاقية عنتيبي، بالإضافة إلى إلغاء فكرة مشروع قناة جونقلي في النيل الأبيض، والتي كانت ستزيد من تدفق المياه تجاه مصر.
![]() |
|
رئيس الوزراء الكيني رايلا أودينجا |
والطريق المقترح أن تسير فيه الحكومة المصرية هو التحكيم الدولي وتستعين الحكومة في مصر بـ11 أستاذًا للقانون الدولي، يجري الآن اختيارهم لبحث إمكانية اللجوء للتحكيم الدولي من عدمه، ويبدو أن ذلك هو الخيار الأخير لدى نظام مبارك الذي لن يفيد في شيء حتى في حالة التحكيم لصالح مصر في نهاية المطاف؛ حيث لا يمتلك أحد تنفيذ هذا الحكم، كما أن القوى الدولية لن تسعى لتنفيذ المصالح المصرية بالحماسة التي تؤدي إلى إعطاء كل ذي حق حقه، فلطالما لجأ العرب إلى الشرعية الدولية التي لم تسفر في النهاية عن شيء.
ليس هذا فحسب، وإنما سيرد النظام المصري الصاع صاعين؛ ليس لأعداء البلاد المتربصين بمصر، سواءٌ كانوا على الحدود الشرقية المجاورة أم على منابع النيل البعيدة وإنما للشعب المصري؛ حيث تلوح في الأفق إشارات لرفع أسعار المياه، وذلك طبقًا لتعليمات البنك الدولي لمصر، والذي يتبع النظام تعليماته بالنص دون أية محاولة لإبداع أو ابتكار؛ حيث يتم التعامل مع تعليمات البنك الدولي في مصر؛ باعتبارها آياتٍ مقدسةً، وقد دعا هذا البنك مصر وعددًا من الدول التي تعاني من ندرة المياه وارتفاع تكلفة توفيرها إلى وضع نظم مناسبة لتسعير مياه الري لتخفيض التكلفة والحد من الإسراف في استخدام المياه، وأكدت دراسة عن البنك عنوانها إعادة تكاليف المياه والتسعير للري ومشاريع الصرف الصحي القدرة على وضع نظام ذي كفاءة لتسعير مياه الري يؤدي إلى زيادة قيمة إنتاج المحاصيل وتنوعها، وبالتالي يساعد على تحسين الاقتصاد القومي، وذكرت الدراسة أن تسعير مياه الري في مصر سوف يساعد على ترشيد استخدام المياه.
وهكذا فإن المواطن المصري هو الذي سيدفع ثمن المياه من أمواله قريبًا جدًّا ومن دمه فيما بعد، بينما يظل النظام الحاكم مستمتعًا بالحكم وإستراتيجية البقاء من أجل البقاء دون التحرك في أي اتجاه إيجابي دون تحصيل أي نوع من القوة إلا عصا العسكر الممتدة على يد كل مصلح في البلاد، وتبقى مصر في العهد الجديد في حوض النيل الذي أعلنه زيناوي من أديس أبابا في انتظار سنوات عجاف أشد قسوةً مما هي عليه.
في إحدى كتبه ذكر الجغرافي المصري العبقري جمال حمدان أن مصر خلال العقود القادمة إما أن تتحول إلى قوة عظمى يهابها الجميع، وإما أن تتحول إلى كيان رث ضعيف تتداعَى عليه الأمم الأخرى، وأول هؤلاء هم أبناء إفريقيا.
