"سننتصر كما انتصرت الفيتنام".. بهذه الكلمات "الاستعراضية" استهلَّ محمود عباس زيارته للفيتنام، ولكن يبدو أن "أبو مازن" لم يكن يعي حقيقة ما يقول، ولم يروِ لنا قصة انتصار الفيتناميين، فهو يجترُّ الكلمات اجترارًا كالفرزدق الذي توعَّد جريرًا بالقتل.

 

وحتى نسعف ذاكرة أبو مازن نضعه في مقارنة بسيطة مع الثورة الفيتنامية، وكيف انتصرت على أعتى قوة في العالم، لعل عباس يتقن قراءة التاريخ ويستخلص العبر من دروس الماضي في كيفية انتصار الشعوب وهزيمة المحتل.

 

لقد قاوم الشعب الفيتنامي وطوال سنوات عشر من الحرب الطاحنة (1965-1975م) الجيش الأمريكي، وقدَّم خلال تلك الثورة ما يقارب مليوني قتيل وأكثر من 12 مليون جريح، هذا بالإضافة إلى تدمير مدن وأحياء بكاملها دون أن يكلَّ الفيتناميون أو يملوا، ودون أن يقدم الفيتناميون أي تنازل أمام الغطرسة الأمريكية، بدعوى اختلال توازن القوى كما تحجَّجت بذلك منظمة التحرير حين وقَّعت على التنازل عن ثلثي مساحة فلسطين.

 

عباس بوق الصهاينة

أعلن الفيتناميون انتصارهم في حربهم مع الولايات المتحدة، بالرغم من عدد قتلاهم وجراحهم، وبالرغم من عدد المنازل التي قصفت ودمرت، ولم يقلِّلوا أو يستخفُّوا بصمود شعبهم وتضحياته كما هو شأن عباس الذي وقف إلى جانب الدعاية الصهيونية حين انتهت حرب غزة بقوله إن غزة دُمِّرت ولم تنتصر.

 

لم يعمل قادة الثورة الفيتنامية على تجريم مقاومة شعبهم ولم يصفوا الهجمات التي شنَّها الثوار الفيتناميون بالحقيرة كما هو الحال مع السيد عباس، كما ضرب الفيتناميون بيدٍ من حديدٍ على كل من تعاون من الأمريكيان ونفّذ بحقهم أقصى العقوبات ولم ينسِّقوا أمنيًّا معهم كما هو الحال مع سلطة عباس العتيدة.

 

ورود بلا أشواك

قاوم الثوار الفيتناميون الجيش الأمريكي وأخرجوهم من أرضهم بفعل المقاومة المسلحة والهجمات الفدائية (استخدم الفيتناميون هذا النوع من الهجمات) وأوقعوا أكثر من 57.000  قتيل في صفوف الجيش وأكثر من 150.000 جريح، ولكن يبدو أن سيادة (الرئيس) يريد أن يخرج الجيش الصهيوني من الأراضي الفلسطينية على طريقته الخاصة وعلى قاعدة "هز الكتف بحنيَّة"، ومن خلال أضواء الشموع، والوقوف دقيقة صمت وعبر المقاومة السليمة التي تستثني حتى مقاومة الحجر أو عبر إلقاء الورد بعد قصقصة شوكه على الاحتلال خوفًا من أن يتأذى الجندي الصهيوني.

 

لقد أسر الفيتناميون- وخلال حربهم مع الولايات المتحدة- أكثر من 500 عسكري ومدني، ولم يقوموا بتسليمهم للجانب الأمريكي إلا بعد تبادل الأسرى الفيتناميين وليس كحال سلطة "الغلابة" التي استنفرت كل مناديبها في غزة بحثًا عن "شاليط" لتسليمه للصهاينة بالمجان، كما تحوَّل عناصرها في الضفة إلى مرشدين سياحيين يدلون ويرجعون "التائهين" من "المستوطنين" والمستعربين إلى قواعدهم و"مستوطناتهم" بعد أن يأخذوا معهم الصور التذكارية ليعلِّقوها خلف مكاتبهم أو يضعوها في سيرهم الذاتية بحثًا عن ترقية "دايتونية".

 

مفاوضات بلا أوراق ضغط

توجَّه قادة الثورة الفيتنامية إلى طاولة المفاوضات مع الجانب الأمريكي وهم مدعومو الظهر بمقاومة فاعلة على الأرض، ولم يعملوا على نزع السلاح من بين أيدي الثوار، ولم يلقوا بهم في غياهب السجون، ولم يسلموهم إلى الطرف الأمريكي كما هو الحال مع سلطة المقاطعة التي ذهبت إلى المفاوضات عارية تمامًا إلا من الملابس الداخلية الملوَّنة التي رأيناها يوم أن اقتُحم سجن أريحا.

 

لقد سيق المفاوض الفلسطيني إلى المفاوضات رافع اليدين، ولا يملك أيًّا من أوراق الضغط على الصهاينة؛ ظنًّا منهم أن اعتقال المقاومين ومصادرة سلاحهم ستكون القرابين التي سيقدمونها أمام معبد الصهاينة.