يعد اجتماع وزراء الري لدول حوض النيل، والذي عُقد في شرم الشيخ في أبريل 2010م؛ بداية التطورات المثيرة في السياسات تجاه إعادة توزيع مياه النيل فيما بين دول الحوض، وهو ما يُشكِّل مرحلة فاصلة في تاريخ العلاقات السياسية بين دول الحوض.
كما أن إصدار مجموعة دول المنبع (7 دول) لبيان منفصل يُعبِّر عن موقفها ورؤيتها بعد تتابع جولات التفاوض منذ 1996م، ثم التوصل إلى صيغة الاتفاق الإطاري في اجتماع كنبشاسا 2009م، ثم اجتماع أديس أبابا في العام نفسه، وقد اختُتمت هذه التطورات بإعلان اتفاق إطاري جديد في مايو الحالي وقَّعت عليه 5 دول؛ مما يُشكِّل ضغطًا جماعيًّا لإعادة النظر في الإطار القانوني لنهر النيل.
وقد هُيِّئت المواقف السياسية لظهور صبغة تفاوض جديدة تركِّز على الابتعاد عن مبدأ النظرة الجماعية والمصالح المشتركة لدول حوض النيل، وتركِّز في ذات الوقت على تصنيف دول الحوض إلى مجموعتين، دول المنبع ودول المصب، وبجانب أن البيان الصحفي لدول المنبع الصادر عن قمة شرم الشيخ يعد صيغةً متطورةً لإعلان كينشاسا، فمن الملاحظ أيضًا، أنه يُركِّز على عنصرين: الأول، أن فكرة الحقوق التاريخية والتي تتمسك بها مصر لا تعد محل اعتبار لدى هذه الدول، وأنه من الممكن تجاوزها، أما العنصر الثاني، فهو أن الدول السبع التي أصدرت البيان تتجه نحو اتخاذ إجراءات إنشاء مفوضية خاصة لهذا الغرض، كما اعتبرت أن جولة "شرم الشيخ" تمثِّل نهاية جولات التفاوض.
وقد جاءت التعليقات الأولية المصرية على هذه التداعيات؛ لتكشف عن غموض السياسة المصرية تجاه التحديات المماثلة للمصالح القومية، وهنا وَقَعَت السياسة المصرية في خطأ إدراك وتقدير خطورة إقدام دول المنبع على التحرك الجماعي والمستقل وبمعزلٍ عن الأطر المنظمة لاستغلال مياه النيل؛ حيث اعتبرته يعبِّر عن "وجهة نظرها فقط"، ولا يستند إلى أساس من القانون الدولي، وذلك رغم أنها تشكل غالبية دول حوض النيل، ويمكنها بناء سياسة مستقلة، لا ترتبط بالاتفاقات السابقة بما يعرِّض الحقوق التاريخية للاهتزاز.
وما يشير إلى عدم وضوح السياسة المصرية في التعامل مع مفاوضات المياه، هو أنها لجأت لتنظيمات المجتمع المدني- وخاصةً الاتحادات العمالية في دول الحوض- لمناقشة الخلافات حول توزيع المياه، وذلك رغم تهالك معظم هذه الاتحادات، وضعفها على التأثير على الحكومات لتعديل مواقفها، خاصةًً أن هذه الاتحادات لا تتمتع بخبرات أو مصالح مشتركة، وبالتالي هناك الكثير من التساؤلات حول وسائل التأثير والتفاعل مع التطورات السياسية والأمنية في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات العظمى، وخاصةً بعد تضاؤل معدلات التبادل التجاري ومحدودية التفاعل الثقافي، وتكمن التحديات ليس فقط في هامشية المصالح المصرية مع دول حوض النيل؛ ولكن في بروز منافسين آخرين كإيران والكيان الصهيوني، ومجموعة دول شرق آسيا.
وتشير التطورات التالية لمؤتمر شرم الشيخ حول مياه النيل إلى استمرار التباعد بين مواقف دول حوض النيل، فقد دعت إثيوبيا لتكوين إطار يجمع دول المنبع دون مصر والسودان، وتوصَّلت مجموعة دول المنبع لاتفاق إطاري في اجتماع- عنتيبي (أوغندا)- ينظِّم سياسات ومواقف دول المنبع دون الالتزام بالتشاور مع مصر أو السودان، وبغض النظر عن فاعلية وتأثير إطار عنتيبي، فإنه يراكم- وبمرور الوقت- أوضاعًا سياسية وقانونية، سوف تؤدي إعادة تعريف النظام القانوني لنهر النيل، وهذا التعريف سيكون انعكاسًا للأوضاع السياسية القائمة بين دول الحوض والقوى الخارجية التي تستند إليها كلٌّ من تلك الدول، ولذا لم يعد من الأهمية الالتفات إلى العوامل الخارجية المؤثرة في سياسات دول المنابع.
وتكشف التحركات الإثيوبية في المرحلة الحالية عن توجهات لعزل مصر داخل القارة الإفريقية، وزيادة الحواجز الثقافية والاجتماعية بين شمال القارة وجنوبها؛ حيث تسعى إثيوبيا لتطوير علاقتها مع مجموعة دول شرق، وقد تستطيع إثيوبيا تحقيق أهدافها في ظل تراجع الدور المصري تجاهها بشكل عام.
ولعله من الأهمية الإشارة إلى أن زيارات المسئولين في كينيا والكونغو للقاهرة، والحديث عن ضمانات بعد الإضرار بمصالح مصر أو السودان بسبب إعلان عنتيبي، لا تعدُّ سوى تطمينات وتهدئة للأزمة السياسية؛ حيث إن المضي في تطوير إطار عنتيبي يعني في المقام الأول نقض الوضع القانوني لنهر النيل، وبشكل خاص اتفاقية 1929م، والتي تشكل الأساس القانوني للنهر.
وفي هذا السياق، سوف تواجه مصر تحديات ليس فقط من تحالفات دول المنبع، ولكن أيضًا من برامج ومشروعات المانحين الدوليين والمتعلقة ببناء شبكات الري والكهرباء على طول مجرى النهر؛ ولذلك فإنه من المتوقع أن تواجه مصر أعباء كبيرة خلال السنوات المقبلة، وخاصةً مع توجّه السياسة الأمريكية والأوروبية لتطوير القرن الإفريقي ومنطقة الشرق، في إطار سياستها تجاه جنوب الصحراء؛ وهو ما يؤدي لبروز نزاعات جديدة على أسس اقتصادية وثقافية؛ وهو ما يثير أسئلة أخرى حول الاستقرار والتنمية في حوض النيل.