شهدت بالحق فأنهيت حياتها العملية واستقالت.. لم يتحمل الغرب الديمقراطي كلمات هيلين توماس الصحفية الأمريكية اللبنانية الأصل عميدة صحفيي البيت الأبيض عندما استنكرت أفعال الاحتلال الصهيوني فشنت عليها حملة إعلامية وسياسية شنعاء وتم الضغط عليها لتقديم استقالتها وإنهاء حياتها العملية، وأعلنت مؤسسة هيرست الإعلامية على موقعها الإلكتروني أن توماس التي تعمل فيها ككاتبة عمود منذ عشر سنوات تقاعدت وأن القرار سيأخذ حيز التنفيذ فورًا.
وكانت هيلين توماس والتي ستبلغ في الرابع من أغسطس القادم التسعين عامًا قالت في حوار مع موقع (رابي لايف) اليهودي ردًّا على سؤال عما إذا كان لديها تعليق على ما يقوم به الكيان الصهيوني، وذلك بعيد مجزرة قافلة الحرية التي راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى من المتضامنين المدنيين العزل والذين كانوا قاصدين ميناء غزة في محاولة لكسر الحصار عن القطاع، فقالت توماس للحاخام ديفيد نيسينوف والذي أجرى معها الحوار: "قل لليهود أن يخرجوا من فلسطين"، فسألها عن تعليق أفضل عن الكيان الصهيوني فردت: "تذكر هؤلاء الناس محتلون وهذه ليست ألمانيا ولا بولندا"، فوجه لها سؤالاً عن المكان الذي يجب على اليهود داخل الأراضي المحتلة أن يذهبوا إليه فأجابت: "يجب أن يعودوا إلى ديارهم.. فليعودوا إلى بولندا وألمانيا وأمريكا أو أي مكان آخر".
وانتشرت كلماتها ضمن مقاطع فيديو على موقع يوتيوب وهو ما أثار جدلاً واسعًا خاصة بين أوساط اليهود الأمريكيين ووجهت إليها انتقادات حادة وشنت عليها حملة غير مسبوقة وغير متوقعة.
وقبيل إعلان هيلين تقاعدها أصدر مجلس اتحاد مراسلي البيت الأبيض بيانًا أدان فيه تصريحات توماس ووصفها بأنها "لا يمكن الدفاع عنها"، وأنها "مؤسفة نظرًا لدورها كقدوة في البيت الأبيض"، وقال الاتحاد إنه سيعقد اجتماعًا استثنائيًّا الخميس لإعادة النظر في الإبقاء على المقعد الأمامي الدائم المخصص لها في غرفة الإيجاز الصحفي في البيت الأبيض كون الجدل يعيد إحياء مسألة ما إذا كان هذا المقعد مناسبًا لكاتبة عمود.
كما وصف المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت جيبس ملاحظات توماس بأنها "هجومية وتستدعي الشجب"، وأضاف: "أعتقد أن عليها الاعتذار لأني أفترض بأن هذه الملاحظات لا تعكس رأي معظم الناس هنا وبكل تأكيد في الإدارة".
ورغم اعتذار السيدة عما صدر منها من قول كلمة الحق إلا أنهم لم يرضوا عنها، وقالت إنها تشعر بالأسف العميق على ما أدلت به من تعليقات حول القضية الفلسطينية، وقالت إن ما قالته يعكس ما تؤمن به من "أن السلام سيأتي إلى الشرق الأوسط فقط حين يعترف جميع الأطراف بالحاجة إلى الاحترام والتسامح المتبادل".
وكان المستشار السابق في البيت الأبيض لاني دافيس من بين الذين دعوا مؤسسة هيرست الإعلامية إلى اتخاذ إجراء ضد توماس على خلفية تصريحاتها كما أعلن وكيل توماس شركة تاين سبيكرز التخلي عنها، وقال الصحفي كرايج كراوفورد الذي شاركها تأليف كتاب "أصغ سيدي الرئيس" في تعليق على مدونته الإلكترونية أنه لم يعد يعمل مع هيلين في أية مشاريع كتب.
السيادة الغربية
كما رفضت رابطة مكافحة التشهير اليهودية بالولايات المتحدة اعتذار هيلين ووصفته بأنه لا يكفي وقالت في بيان لها: "إن تصريحاتها شائنة ومسيئة وغير مناسبة"، وهكذا ودون أية مقدمات اختفى تمامًا مصطلح "حرية التعبير" من قاموس الحضارة الغربية، فالكيان الصهيوني في الغرب كيان مقدس تسمو قدسيته حتى فوق مقدسات الدين سواء كان دين الغالبية العظمى وهو المسيحية أو أي دين آخر فلا يهم إطلاقًا توجيه الإهانة والإساءة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم مثلاً حيث يقع هذا موقع "حرية التعبير"، و"حرية الفكر والإبداع"، وغيرها من الكلمات المضللة التي يدعي الغرب أنه يتمسك بها بينما هو في الواقع لا يؤمن إلا بأن تكون له السيادة.
والسيادة على العالم كله تأتي عبر السيادة على العالم العربي والإسلامي عن طريق الكيان الصهيوني الذي يمثل للغرب كيانًا وظيفيًّا حيويًّا لضمان التفوق الغربي وهو بذلك يكون قدس الأقداس أما بالنسبة لمسألة المقولات الحضارية الغربية مثل "حقوق الإنسان، حرية التعبير، المساواة.. وخلافه" فهي مطبقة عندما يتعلق الأمر بأي مقدس إسلامي أو إنسان مسلم لكن عند الحديث عن الكيان الصهيوني تنقلب الموازين وتتغير المقولات وتتبدل من حرية إلى أمن ومن رأي إلى تطرف وتعصب وإساءة.
![]() |
|
باراك أوباما |
وها هو الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي جاء القاهرة بعيد توليه الحكم في البيت الأبيض ليعلن للمسلمين أنه يمد لهم يد الصديق لا يد العدو ينكشف زيفه أمام أحرار العالم، فالرئيس الذي يدافع عن الحرية كان أول المنتقدين لهيلين توماس وقال أوباما: "إنه من العار أن تكون حياتها المهنية قد انتهت بمثل هذه القضية الجدلية"، ووصف قرارها بالتقاعد بالقرار الصائب.
يكشف لنا هذا الجدل الواسع حول تصريحات عميدة صحفيي البيت الأبيض الأمريكي والنهاية التي وصلت إليها صاحبة هذه التصريحات عن عمق العداء الغربي الأمريكي للعرب والمسلمين حيث إن ثقافتهم لا تقبل مجرد النقد رغم ادعائها الديمقراطية والحرية.. ليس هذا فحسب، فحتى المنصفون منهم أمثال الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر نجد أن أسلوبهم في التفكير يبدأ من ثقافة لها علاقة باليهودية والصهيونية.
فنجد أن كارتر يبدأ كتابه الذي أثار غضب الصهاينة حول العالم "فلسطين سلام لا تفرقة عنصرية" بالتسلسل الزمني للأحداث التاريخية للقضية التي تبدأ أحداثها بخروج اليهود من مصر مع النبي موسى عليه السلام وتأسيس مملكة سليمان وداوود في أرض فلسطين منذ مئات السنين قبل الميلاد ومن هنا يأتي تأكيده لحق الكيان الصهيوني في الوجود بغض النظر عن تفاصيل تصوره الخيالي للسلام.
قدمت هيلين استقالتها واعتذارها عساها تنول الصفح والرضا من قبل الصهيونية العالمية، وبذلك انتهت حياة عميدة الصحفيين بالبيت الأبيض والتي تعد من أقدم العاملين بالمقر الرئاسي، والذي بدأت العمل به أثناء ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي في حقبة الستينيات.. وهكذا تكون نهاية من ينطق بالحق في بلاد الديمقراطية والحرية.
