احتلت مسألة الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة الصدارة أثناء قمة التفاعل وإجراء بناء الثقة في آسيا "سيكا" في إسطنبول، وهي منتدى أمني بين الحكومات في آسيا أطلقها الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزار باييف عام 1992م، حيث قادت تركيا حملةً دبلوماسيةً لكسب أكبر تأييد ممكن لإجراء تحقيق دولي برعاية الأمم المتحدة في المجزرة التي قامت بها قوات الاحتلال الصهيوني على سطح سفينة "مرمرة" التركية، والتي كانت ضمن ست سفن أخرى تسعى للوصول إلى ميناء غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع.

 

واستغلت تركيا الحدث الدولي وشنَّت هجومًا دبلوماسيًّا واسع النطاق على الكيان الصهيوني كانت نتيجته أن وجَّهت 21 دولةً مشاركةً وعضوًا بالقمة إدانتها للهجوم الذي شنَّته قوات الاحتلال الصهيوني على أسطول الحرية، وأعلن ممثلو هذه الدول أن جميع الدول المشاركة في المؤتمر باستثناء الكيان الصهيوني عبَّرت عن قلقها الكبير وإدانتها للهجوم الوحشي، الذي يُشكِّل انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي.

 

وأبدوا دعمهم للأمم المتحدة لتشكيل لجنة تحقيق دولية، وقال الرئيس التركي عبد الله جول الذي ترأَّس قمة المؤتمر حول التدابير لبناء الثقة والتحرك المشترك في آسيا: إن العلاقات بين الكيان الصهيوني وتركيا لن تكون أبدًا كما كانت بعد هذا الهجوم الدموي.

 

وعلى هامش المؤتمر أكد بوتين أن بلاده تنوي رفع مسألة إجراء تحقيق بشأن الهجوم إلى الأمم المتحدة، وقال: "لسوء الحظ أن هذا العمل وقع في المياه الدولية؛ وذلك يُشكِّل مصدر قلقٍ آخر، لذلك يتوجب بشكل خاص أن يكون الهجوم موضع تحقيق.. سنرفع المسألة أمام الأمم المتحدة.. إننا نعمل على ذلك".

 الصورة غير متاحة

 عبد الله جول

 

وأعلن جول أن جميع الدول الأعضاء في مؤتمر التعاون وتعزيز بناء الثقة في آسيا أدانت الهجوم على أسطول الحرية باستثناء دولة واحدة، في إشارةٍ إلى الكيان الصهيوني، ونقلت الجزيرة عن جول قوله في كلمته الختامية: إن ميثاق المؤتمر يفرض إجماع كل الأعضاء على أي توصية يتضمنها البيان الختامي، ونتيجةً لذلك لم يتضمن البيان نصًّا صريحًا يُدين الكيان الصهيوني.

 

يُذكر أن قمة سيكا عُقدت لأول مرة في عام 2002م، وتأسست بهدفٍ أساسي هو التعاون الأمني بين الدول الآسيوية لمواجهة ما يُسمَّى الإرهاب، ثم تطورت في السنوات الأخيرة لتشمل 20 دولةً، وأصبحت تهتم بتعزيز العلاقات الثنائية بين الدول الأعضاء، وتذليل جميع الخلافات بينها، وتضم القمة كلاًّ من: أفغانستان وأذربيجان والصين ومصر والهند وإيران والأردن وكازاخستان وقرغيزيا ومنغوليا وباكستان وفلسطين وكوريا الجنوبية وروسيا وطاجيكستان وتايلاند وتركيا والإمارات وأوزبكستان والكيان الصهيوني، وتشارك كلٌّ من إندونيسيا واليابان وماليزيا وقطر وفيتنام وأوكرانيا والولايات المتحدة والجامعة العربية ومنظمة الأمن والتعاون المشترك في أوروبا بصفة مراقبين.

 

وستتولى تركيا رئاسة المؤتمر ابتداءً من هذه القمة ولمدة سنتين، وهو ما يعزز الدور التركي المنتظر خلال السنوات والعقود القادمة، والذي يبدو أنه سيُسهم بشكلٍ أكثر فعاليةً في تقويض الكيان الصهيوني وتضييق الخناق عليه، ورغم أن أنقرة عجزت عن إدانة الكيان الصهيوني في البيان الختامي للقمة لأسباب قانونية تعود إلى أن الكيان الصهيوني عضو بالمؤتمر، وأن القرارات تؤخذ بالإجماع فإنها حصلت على إدانةٍ فرديةٍ من كل دولة على حدةٍ لجريمة أسطول الحرية.

 

كما أن تركيا تستعد لإطلاق قوافل جديدة لكسر الحصار المفروض على غزة، وهو ما يجعل المواجهة حتمية بينها وبين الكيان الصهيوني خلال الفترة الأخيرة، خاصةً بعد أن شجَّعت السياسة التركية الجديدة القاهرةَ على فتح معبر رفح، وسماح السلطات المصرية بعبور نواب المعارضة من جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من قوى المعارضة المصرية إلى الجانب الفلسطيني من رفح، كما شجَّعت إيران على أن تسعى لإرسال مساعداتها الإنسانية إلى القطاع المحاصر.

 الصورة غير متاحة

قارب صهيوني خلال عملية اقتحام إحدى سفن أسطول الحرية

 

وهددت تركيا بحماية الأساطيل الإنسانية القادمة بقطع عسكرية حتى لا يجرؤ الكيان الصهيوني على الاعتداء مرةً أخرى على القوافل الإنسانية، بالإضافة إلى ربط أنقرة لعلاقتها بالكيان الصهيوني بموقفه من إجراء تحقيقٍ دولي نزيه في جريمة مقتل 9 من مواطنيها الأتراك على متن السفينة "مرمرة الزرقاء"، وكذلك موقفه من استمرار الحصار على قطاع غزة، وإذا ما كان سينهيه وكيف؟، بالإضافة إلى موقفه من عملية السلام في الشرق الأوسط، وخاصةً مسألة التوسع الاستيطاني في القدس وتهديد المسجد الأقصى.

 

ذلك في الوقت الذي تنظر فيه الولايات المتحدة بعين الترقب والريبة إلى توجهات السياسة الخارجية التركية، وقد صرَّح وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس بأنه قَلِقٌ إزاء تدهور العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني وتداعيات ذلك على الاستقرار في المنطقة، وعبَّر عن أمله في تحسُّن العلاقات بمرور الوقت، وقال جيتس للصحفيين في لندن: إن عزوف أوروبا عن تعزيز الروابط مع تركيا لعب دورًا في دفعها صوب الشرق.

 

وهذا تحديدًا ما تلعب عليه السياسة الخارجية لأحمد داود أوغلو، والتي ترتكز على أوروبا في انطلاقها نحو الشرق، ففي الوقت الذي يظل فيه الجدل دائرًا حول جدوى وشرعية وإمكانية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي تقود تركيا عواصم الشرق نحو نظامٍ جديدٍ قد يقترب من الاتحاد الأوروبي، لكنه أقرب إلى كونه رابطةً جمَّعت هذه الشعوب لآلاف السنين، بدايةً من الإسكندر المقدوني وليس انتهاءً بالسلطان عبد الحميد الثاني.