منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات التشريعية الأخيرة، واكتساحها لمقاعد النواب في القدس المحتلة، بدأت سلطات الاحتلال تخطط للتخلص من نوابها المقدسيين، فضيَّقت عليهم الخناق حتى وصل الأمر إلى اعتقالهم جميعًا وزجهم بالسجن لأكثر من ثلاثة أعوام، وبعد الإفراج عنهم خرجوا، وكلهم أمل أن يخدموا المقدسيين، ويعيدوا الفعاليات التي غابت عنهم، ولكن الكيان الصهيوني كان لهم بالمرصاد فاستدعاهم وسحب هوياتهم المقدسية وسلمهم أوامر بالإبعاد عن مدينتهم بحجة أنهم ترشحوا ضمن قائمة حماس.

 

ولم يكن إبعاد نواب القدس وطردهم هو الخطر الأكبر بحد ذاته؛ حيث تعتبر سياسة تهجير الفلسطينيين من القدس إحدى الوسائل المعتمدة لدى الاحتلال لإحداث تغيير في الكثافة السكانية تكون فيها الغلبة له.

 

وكانت المحكمة العليا الصهيونية صادقت على قرار شرطة الاحتلال إبعاد أربعة من نواب القدس المحتلة في المجلس التشريعي الفلسطيني بعد أن كانت الشرطة قد صادرت هوياتهم والنواب هم: أحمد عطون، محمد أبو طير، محمد طوطح والوزير السابق خالد أبو عرفة.

 

النواب الأربعة ذاقوا المشهد ذاته.. استدعاء وانتظار لساعات طوال ومن ثم تسليم ورقة الإبعاد بعد سحب الهوية، ليختتم الاحتلال سنوات اعتقالهم بقرار إبعادهم عن مدينتهم وأهلهم تحت الحجة ذاتها، وليس ذاك إلا بدايةً لترحيل المقدسيين وتهجيرهم من بيوتهم حسب ما أكد عليه المهددون بالإبعاد.

 

وأدانت العديد من الفعاليات الرسمية والشعبية الفلسطينية والعربية والدولية هذه الخطوة واعتبرت أنها تأتي في إطار محاولات تهويد القدس وتفريغها من أهلها. وأمهلت دولة الاحتلال النائب محمد أبو طير حتى مساء الأحد لمغادرة القدس، وأمهلت الثلاثة حتى مطلع الشهر المقبل. وسبق لسلطات الاحتلال أن اعتقلت النواب الأربعة فترات متفاوتة، بهدف المساومة لإطلاق سراح جنديها الأسير في قطاع غزة جلعاد شاليط.

 

تهويد القدس

النواب أكدوا في أحاديث منفصلة مع (إخوان أون لاين) أن قرار إبعادهم يأتي ضمن محاولات الكيان لتهويد المدينة المقدسة، مشددين على أن قرار الطرد مخالف لكل الأعراف والقوانين الدولية التي تحظر على المحتل أن يطرد سكان المدينة المحتلة.

 

 الصورة غير متاحة

 أحمد عطون

فقد أكد النائب عطون أن النواب لن يتجاوبوا مع القرار معللاً: "لأننا نعتبر أنفسنا أصلاء في هذه المدينة وهم الدخلاء عليها، ونحن باقون فيها ولن نغادرها". وقال عطون: "لن نغادر مدينة القدس المحتلة لأننا نعتبر أنفسنا المواطنين الأصليين والاحتلال هو الدخيل على هذه المدينة وليس نحن.

 

وحول الخيارات التي يمكن أن يقومون بها، قال عطون لدينا خيارات عديدة، وسندافع عن وجودنا في مدينة القدس، مشيرًا إلى أن هذه الخيارات ليست كبيرة لأن القدس تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، وشدد على ضرورة الانتصار الجماهيري لإلغاء هذا القرار، مؤكدًا على ضرورة الضغط على القيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي للتدخل لدى الكيان الإسرائيلي من أجل إجباره على إلغاء هذا القرار.

 

وأضاف أن الدول العربية والسلطة تملك قرارات الضغط على الكيان من أجل وقف هذا القرار، مشيرًا إلى أن قرار الإبعاد هذا يأتي في إطار إفراغ مدينة القدس من سكانها الأصليين وجعلها عاصمة أبدية للكيان الإسرائيلي. وأكد أن هذا القرار يخالف القانون الإسرائيلي وأيضًا القانون الدولي بتهجير السكان الأصليين من أماكن سكانهم.

 

وتعود قصة النواب الأربعة إلى ما قبل أربع سنوات عندما طلب منهم وزير الداخلية الصهيوني آنذاك بعد الانتخابات الاستقالة من المجلس التشريعي وإلا فسيتم سحب هوياتهم المقدسية التي تعطيهم حق الإقامة الدائمة في القدس دون أن يحملوا الجنسية الإسرائيلية.

 

يشار إلى أن النائب عطون من سكان القدس ذاق مرارة السجن وظلم السجان, فقد اعتقل في سجون الاحتلال أربع مرات لفترات تصل مجتمعة إلى 10 سنوات. أول اعتقال للنائب عطون كان في العام 1988 وقد مكث في سجنه حينها مدة أربع سنوات إلى أن أفرج عنه في العام 1992، ثم اعتقل للمرة الثانية في العام 1994 لمدة ثلاث سنوات وقد أطلق سراحه في العام 1997، واعتقل أيضًا إداريًّا بين عامي 1998-1999, قبل أن تعتقله قوات الاحتلال للمرة الرابعة بتاريخ 29/6/2006 مع زملائه من نواب التغيير والإصلاح البرلمانية ووزراء الشرعية الفلسطينية في الحكومة العاشرة.

 

ويعد النائب أحمد عطون واحدًا من رجالات القدس المشهود لهم بالعمل خدمة للدين والوطن وللمدينة المقدسة على وجه الخصوص, فقد نشط الرجل في العمل الوطني والسياسي كما كان ذا باع طويل في العمل الاجتماعي والثقافي والخدماتي, إذ يرأس الأستاذ عطون المنتدى الثقافي في صور باهر، وهو إمام مسجد المرابطين وخطيب في المسجد العمري، ومشرف في مركز زيد لتحفيظ القرآن الكريم.

 

وأكد عطون أنه سيقوم هو وزملاؤه بمواجهة القرار، مشددًا إلى أنه سيوجه برقيات وكتبًا لوسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية المحلية والدولية بما فيها هيئة الأمم المتحدة لاطلاع هذه الجهات على حجم الإجرام الذي تمارسه سلطات الاحتلال في مدينة القدس.

 

ويهدف الاحتلال الصهيوني من قرار ترحيل النواب عن مدينة القدس هو إبعاد تلك الشخصيات عن محيط الإجرام الذي تتخذه سلطات الاحتلال كمنهج وسياسة ضد الوجود العربي والإسلامي في المدينة ولإبعاد هؤلاء النواب عن التغيرات الجذرية الحاصلة في مدينة القدس حتى لا يقوموا بفضح المؤامرات الصهيونية". ويعتقد النواب أن المستوى السياسي الصهيوني لا يرضى عن وجودهم داخل مدينة القدس منذ البداية ولذلك أصدر تعليماته بسحب الإقامة من (315) شخصية سياسية معروفة وإبعادها عن المدينة المقدسة.

 

لن نرحل

 الصورة غير متاحة

محمد طوطح

بدوره، يعتبر النائب المقدسي محمد طوطح الذي تسلم قرارًا بالإبعاد عن مدينته بعد يوم واحد من الإفراج عنه من سجون الاحتلال، القرار بأنه يأتي حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يتلذذ الكيان في تنفيذها بحق المقدسيين، والهادفة لطردهم وإبدالهم بالمغتصبين. وأضاف: "كنا نتوقع مثل هذا القرار، فالاحتلال يفعل أي شيء لطرد المقدسيين، وبدأ بنا كي يمهد الطريق لطرد آلاف من سكان القدس.

 

وليس بعيدًا عن ذلك تهديد أكثر من 60 ألف مقدسي أخرجهم الجدار العنصري عن مدينتهم بسحب هوياتهم بحجة أنهم لم يعودوا يسكنون بالمدينة، مستشهدًا بنية الاحتلال تشريد أكثر من 1500 فرد من حي البستان وهدم منازلهم لإقامة حدائق تلمودية مكانها.

 

وأكد النائب طوطح لـ(إخوان أون لاين) أن الهدف الذي تسعى إليه الخطة الصهيونية من سحب هويته هو وزملائه المقدسيين من النواب لا تستهدفهم كأشخاص بأعينهم، وإنما تستهدف المساس بالمقدسيين أنفسهم الذين قاموا بانتخاب النواب الذين يمثلونهم، معتبرًا أن أي مساس بالنواب المقدسيين وانتهاك لحقوقهم، يكمن في طياته انتهاك واستخفاف بالخيار الديمقراطي للفلسطينيين بشكل عام، والمقدسيين على وجه الخصوص.

 

ويشكل القرار الصهيوني خطورة كبيرة وسابقة خطيرة قد يتم بعدها إبعاد أي شخصية ناشطة تعمل من أجل القدس مما يحقق أهداف الاحتلال في تفريغ القدس من سكانها الأصليين وبالتالي تهويدها كما تهدف خططهم الاستيطانية.

 

ويرى النائب طوطح أن المهلة التي سمح الاحتلال لهم بالبقاء فيها في مدينة القدس لا تعدو عن كونها تمهيدًا للإبعاد أو جس نبض، بمعنى أن قرار الإبعاد الفوري أمرًا غير مقبول سواء في المجتمع الفلسطيني أو الدولي.

 

وناشد طوطح جميع الفصائل الأهلية وجمعيات حقوق الإنسان المحلية والخارجية تنسيق الجهود فيما بينهم لمواجهة القرار بشكل جماعي لأنه سابقة خطيرة قد يبنى عليها فيما بعد إبعاد شخصيات مقدسية ناشطة تعمل من أجل القدس، معربًا في الوقت ذاته عن استيائه إزاء ردة الفعل الضعيفة، مضيفًا بقوله: "في الحقيقة لم نر إلى الآن أي تحرك حقوقي ولا دولي، سواء في الداخل أو الخارج، إلا من بعض الشخصيات المقدسية التي تدرك خطورة الأمر وبادرت في الاتصال بنا، والتنسيق معنا".

 

النائب محمد أبو طير لم يستسلم لقرار إبعاده عن قرة عينه كما يقول حيث يصر على البقاء في بيته ومدينة القدس مهما حصل، واصفًا القرار الصهيوني القاضي بإبعاده بالـباطل. وقال في حديث لـ (إخوان أون لاين): "حتى الآن لم أبعد وسأبقى في بيتي ومدينتي القدس ولن نرحل عنها طواعية"، مبينًا أنه سيبذل كافة جهوده في المحاكم لإيقاف هذا القرار.

 

 الصورة غير متاحة

محمد أبو طير

يشار إلى ان الشيخ أبو طير في قرية (أم طوبا) المجاورة للقدس, وفيها نشأ وترعرع, وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدرسة صور باهر الإعدادية. ومن اللطائف في حياة الشيخ أبو طير أنه حمل لقب "الشيخ" منذ أن كان في الإعدادية، وقد تلقى الدراسة الثانوية في مدرسة الأقصى الشرعية، وتخرج منها عام 1971 وحصل على شهادة شرعية وعلى شهادة ثانوية عامة.

 

وتعرض الشيخ أبو طير لست حالات اعتقال كانت الأولى عام 1974 وحينها أصدرت محكمة اللد العسكرية الصهيونية عليه حكمًا بالسجن 16 عامًا، وخفضت إلى 13 عامًا بعد الاستئناف، والثانية أثناء الانتفاضة الأولى في شهر شباط/ فبراير 1989 بتهمة الانتماء إلى تنظيم عسكري، وشراء سلاح،  وفي حينها أمضى حكمًا بالسجن لـ13 شهرًا، أما الاعتقال الثالث فكان في الأول من أيلول/ سبتمبر 1990 حيث أمضى حكمًا بالسجن 6 أشهر "إداري" خلال أزمة الخليج الثانية في سجن الرملة "نيتسان"، وفي المرة الرابعة بعد سنة تقريبًا من الإفراج كانت في الثامن من آذار/ مارس 1992 بتهمة حيازة وشراء سلاح للعمل العسكري لحركة حماس مع بداية نشاط كتائب الشهيد عز الدين القسّام في الضفة الغربية.

 

واعتبر أبو طير قرار الاحتلال إبعاده عن مدينة القدس جائرًا ويهدف إلى تفريغ مدينة القدس من أهلها وكتم الصوت الإسلامي المطالب بالحقوق الشرعية، مؤكدًا عدم خروجه من وطنه وأرضه، وأن الاحتلال لن يستطع اقتلاعه لأنها أرض الآباء والأجداد.

 

وانتقد أبو طير صمت سلطة فتح بما يخص قرار الإبعاد ومن قبله اعتقال النواب المقدسيين وتغييبهم عن الساحة الفلسطينية، مطالبًا بتحرك عربي وأوروبي للضغط على الاحتلال لوقف هذا القرار وانتهاكاته بحق المدينة. وأضاف: "هذا القرار جائر ويعبر عن صلف الاحتلال وغروره، وهو سياسة ممنهجة قديمة حديثة يتبعها مع نواب المدينة وأهلها بهدف تفريغ مدينة القدس من سكانها وإسكات أي صوت إسلامي ينادي بالحقوق وباحترام قدسيتها والمطالبة بالحق الفلسطيني فيها.

 

وأضاف أن السلطة اعتبرت نجاحنا في انتخابات 2006 في القدس وحصولنا على جميع المقاعد ضربة قاتلة لهم لذا أعدوا للمؤامرة بتغييبنا عن الساحة وهنا تم اعتقال جميع النواب الفائزين عن مدينة القدس "النائب محمد طوطح، وأحمد عطون، ومحمد أبو طير، وإبراهيم أبو سالم، والوزير الأسبق في الحكومة العاشرة خالد أبو عرفة".

 

وتابع: أرادونا شاهد زور على قراراتهم في المجلس التشريعي بقولهم إن المعارضة ستكون ضعيفة في البرلمان ولن يغيروا شيئًا. وذكر النائب المقدسي أن وزير الداخلية الصهيوني آنذاك أصدر قرارًا بسحب الهويات من النواب المعتقلين، وخيرنا بين الاستقالة من المجلس التشريعي أو سحب الهويات فرفضنا، وقال بعبارات واضحة: نحن لا نريد هويتهم لأن هوية القدس موصومة في قلوبنا وعقولنا، فنحن أبناء المدينة وهم الدخلاء عليها.

 

وذكر النائب أبو طير بمرارة أن هناك آلاف الأطفال المقدسيين لم يسجلوا حتى الآن من أهل القدس لأن الآباء سحبت منهم الهويات المقدسية بحجج واهية.

 

وقال وزير شئون القدس السابق خالد أبو عرفة إن قرار الإبعاد جاء بعد صدمة الاحتلال بفوز حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث بدأ يتخبط ويعتقل كل من له علاقة بها من قريب أو من بعيد، ثم أصدر قرار الإبعاد بحق نوابها ليُفهم المقدسيين أن هذه الحركة محظورة.

 

وحول تداعيات القرار أكد لـ(إخوان أون لاين) أنه تمهيد لإبعاد 60 ألف مقدسي عزلهم الجدار العنصري خارج مدينتهم بإجراءات عنصرية بحتة، علاوة على إبعاد أشخاص بعينهم بعد احتجازهم بحجة أنهم قاموا بنشاطات محظورة.

 

الرد بوثيقة الرباط

الرد المقدسي على القرار الصهيوني بإبعاد النواب جاء سريعًا حيث وقع مئات من أبناء عشائر القدس المحتلة على وثيقة سموها "الرباط المقدسي" يريدون من خلالها التصدي لسياسة تهجير الفلسطينيين من مدينتهم المحتلة.

 

وتأتي هذه الوثيقة ردًّا على قرار سلطات الاحتلال؛ حيث أكد رئيس قسم المخطوطات في المسجد الأقصى الدكتور ناجح بكيرات أن جميع عشائر القدس وافقت على وثيقة "الرباط المقدسي"، تمهيدًا لتعميمها على كل أهل فلسطين.

 

وقال النائب أبو طير: "هذه الوثيقة بمثابة إنقاذ لنا ولكل المقدسيين المهددين بالإبعاد، ونحن الآن نلتحم مع أهلنا وعائلاتنا بهذه الوثيقة ولن نفرط بقدسنا مهما حدث"، وعبَّرت المؤسسات الحقوقية والشعبية والدولية عن استنكارها الشديد لقرار إبعاد النواب، واصفةً إياه بـ"العنصري الباطل".

 

ردود أفعال

ووصفت المؤسسات القرار الصهيوني بالتعسفي المخالف لكل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية والهادف لتفريغ القدس من الشخصيات الوطنية المؤثرة والمدافعة عن المدينة المباركة وعن حقوق المقدسيين.

 

واعتبر حقوقيون فلسطينيون قرار الاحتلال قرارًا سياسيًّا غيرَ قانوني، ويتناقض مع قواعد القانون الدولي، مؤكدين أنه يهدف إلى تكريس تهويد مدينة القدس، ورأى الحقوقيون أنه في حال نفذ الاحتلال قراره بإبعاد النواب فإنه سيخالف المواثيق الدولية، واصفين القرار الصهيوني بـ"المؤشر الخطير الذي يظهر عنصرية الكيان".