بعد ما يقارب العقود الثلاثة من الصراع المسلح، وبعد سقوط ما يقرب من 45 ألف قتيل، وبعد تأسيس كيان كردي له علمه وسيادته في شمال العراق ما زال حزب العمال الكردستاني يخوض حربه ضد تركيا، ورغم ما قامت به أنقرة تحت مظلة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان من إجراءات تصب في مجملها في صالح الأقلية الكردية المضطهدة، ورغم ما يتردد بين الحين والآخر عن السلام أو وقف إطلاق النار، إلا أن المقاتلين الأكراد لم يضعوا في حسبانهم إطلاقًا التخلي عن فكرة القتال، ولا تمثل لهم إجراءات العدالة والتنمية المتسامحة أي إغراء لترك السلاح بقدر ما يمثل لهم ما وصل إليه إخوانهم في شمال العراق بمعاونة الاحتلال الأمريكي والدعم الصهيوني من إغراء أكبر بكثير؛ ليتمسكوا بالسلاح والاستمرار في المقاومة.

 

مع بداية كل صيف يخرج مقاتلو حزب العمال الكردستاني من مخابئهم في سلسلة الجبال الممتدة من شمالي العراق إلى الأناضول، ومع ذوبان آخر كتلة من الجليد تبدأ العمليات العسكرية بين الجانبين؛ لكن هذا الصيف لم يكن ذوبان الجليد فقط هو الدافع وراء العمليات العسكرية، فقد رافق التصعيد الكردي المسلح ضد تركيا أولاً التصعيد التركي ضد الكيان الصهيوني، وثانيًا اتهامات تركية بوقوف الموساد وراء تفجيرات القاعدة البحرية التركية في الإسكندرونة بداية الشهر والتي راح ضحيتها 7 جنود أتراك بعد ساعات معدودة من سيطرة سلاح البحرية الصهيوني على أسطول الحرية، ليس هذا فحسب؛ بل وتصعيد العمليات الكردية بصورة واسعة ضد أنقرة، وإعلان المقاتلين الأكراد نهاية وقف الهدنة واستئناف القتال من جديد واشتباك المتمردين الأكراد مع القوات التركية؛ ما أدَّى إلى سقوط 11 جنديًّا تركيًّا، أي أن الجنود الأتراك الذين سقطوا في عمليات حزب العمال الكردي وصلوا إلى قرابة العشرين في أقل من شهر، وهو وبغض النظر عن خسائر الجانب الآخر يؤكد عنف الهجمات الكردية.

 

يأتي ذلك في الوقت الذي يصرِّح فيه أردوغان بأن الإرهابيين لن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم، وسيموتون غارقين في دمائهم، وذلك خلال جنازة عسكرية رسمية أُقيمت في شرق البلاد لتشييع جنود قتلوا في هجوم لعناصر حزب العمال الكردستاني.

 

ورغم وجود دعوات من داخل الجيش التركي والحكومة التركية على السواء بغزو الشمال العراقي ونسف ما يسمى بحزب العمال الكردستاني، إلا أن الحكومة التركية تخشى من توريط البلاد في حرب قد تفقدها كل ما حققته من مكاسب على الصعيدين الداخلي والخارجي على السواء؛ لذلك تكتفي حكومة العدالة والتنمية بتوجيه ضربات عسكرية محدودة شمالي العراق، مع اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة للحماية في ضربات المقاتلين الأكراد، في نفس الوقت التي تتخذ فيه حزمة إجراءات ودية تجاه الأقلية الكردية التي تتراوح بين 12 إلى 15 مليون نسمة من حوالي 80 مليونًا هم تعداد سكان تركيا.

 

الأكيد أن الملف الكردي كثيرًا ما كان وما زال يعكر صفو العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني رغم متانتها السابقة، وحدث أكثر من مرة أن اتهمت جهات تركية جهات صهيونية بالتعاون مع مقاتلي العمال الكردستاني أو السكوت عن معلومات مهمة كانت ستفيد الجيش التركي في مواجهاته أمامهم، وفي ظل الأجواء الحالية بين تركيا والكيان الصهيوني؛ خاصة بعدما حدث في قافلة الحرية، وما يردده عدد من المحللين السياسيين من أن الكيان الصهيوني أصبح محاصرًا ومهددًا وفي وضع إدانة دولية بعد الخطوات التركية المتتابعة إزاء ما حدث لقافلة الحرية، وإعلان أنقرة حرصها على فك الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة، والذي يمثل تهديدًا حقيقيًّا لوجود وبقاء الكيان الصهيوني إذا ما تمت إزاحة الحصار عنه، وتم دعمه اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا بشكل جيد، وهذا ما يعرفه قادة الاحتلال جيدًا.

 

كل ما سبق وأكثر يدفع بالكيان الصهيوني متعاونًا مع واشنطن المتمركزة في بغداد؛ لكي يحرِّك يده الممدودة في شمالي العراق والمتمثلة في حزب العمال الكردستاني؛ للضغط والتأثير على الموقف التركي وتحريك أنظار الرأي العام التركي إلى وجود قضية أهم من القضية الفلسطينية ألا وهي القضية الكردية، وأن هذه القضية هي الأساس بالنسبة للشعب التركي وليست القضية الفلسطينية، وأنه لا بد من وجود تعاون مع الكيان الصهيوني طالما أنه هو الذي يمد تركيا بالتقنيات العسكرية الحديثة للتصدي للخطر الكردي؛ لكن الحكومة التركية تغلبت على تحدي السلاح تحديدًا؛ فلأول مرة استخدم الجيش التركي طائرة بدون طيار صناعة تركية خالصة بعد أن كان يستورد جميع الطائرات من هذا النوع تحديدًا من الكيان الصهيوني إلا أنه كذلك لم يتوان عن استخدام الأسلحة الصهيونية التي كان قد استوردها في السابق، وهذا ما تباهت به صحيفة (هاآرتس) العبرية؛ حيث قالت إن تدهور العلاقات الصهيونية التركية لم يمنع الجيش التركي من الاستمرار في استخدام تكنولوجيا الجيش الصهيوني من طائرات بدون طيار وأسلحة أخرى في ضرب حزب العمال الكردستاني.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن التعاون العسكري بين البلدين لم يتوقف إلا أن الحقيقة أن تركيا قد قررت بالفعل تجميد 16 اتفاقًا عسكريًّا مع الحكومة الصهيونية يشتمل على خطة لامتلاك 1000 "دبابة ميركافا 3" بقيمة 5 مليارات دولار وخطة لتحديث دبابات قيصري التركية بقيمة 50 مليون دولار، إضافة إلى مشروع آخر لتحديث 54 "طائرة فانتوم" بقيمة 632.5 مليون دولار وتحديث طائرات أخرى بقيمة 75 مليون دولار، ويشتمل التجميد كذلك صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لامتلاك صواريخ وتحديث دبابات بقيمة 575 مليون دولار، فضلاً عن مشروع آخر لإنتاج صواريخ دليلة بقيمة 150 مليون دولار.

 

كما جمَّدت تركيا خططًا للتعاون فيما يسمى بالحرب على الإرهاب ودورات إرشادية لطيارين أتراك في الكيان الصهيوني ومناورات مشتركة في المنطقة ومع دول أخرى، كذلك فإن سلاح الجو التركي كان قد قرر أيضًا إلغاء صفقة بحجم 180 مليون دولار عقدها مع الصناعات الجوية الصهيونية وشركة إيلبيت لتصنيع 6 طائرات بدون طيار.

 

وكانت صحيفة (زمان) التركية قد نشرت في وقت سابق أن أجهزة الأمن التركية تحقق في إمكانية وجود علاقة بين السيطرة على أسطول الحرية وبين التفجير في القاعدة البحرية التركية بعد تزايد الشكوك بوجود علاقة بين الموساد الصهيوني وحزب العمال الكردستاني، وفي الحقيقة المسألة ليست مجرد شكوك فهناك معلومات أكيدة وعديدة حول العلاقات بين الأكراد وجهاز الاستخبارات الصهيوني "الموساد"، فقد ذكر شلومو نكيدمون الباحث بقسم الدراسات بصحيفة (يديعوت أحرونوت) الكثير عن هذه العلاقة المشبوهة في كتابه "الموساد في العراق ودول الجوار وانهيار الأحلام الإسرائيلية والكردية".

 

كما تطرق الكاتب العراقي صلاح الخرسان إلى هذه العلاقة أيضًا في كتابه "التيارات السياسية في كردستان العراق قراءة في ملفات الحركات والأحزاب الكردية في العراق 1946- 2001م، والذي ذكر فيه أن أمر افتضاح العلاقة الكردية الصهيونية لدى النظام العراقي قد تمَّ بعد التحاق عدد من كبار المسئولين في الثورة الكردية والحزب الديمقراطي الكردستاني بالجناب الحكومي العراقي، بمن فيهم نجل الملا مصطفى بارزاني وعبيد الله بارزاني.

 

 الصورة غير متاحة

 كردستان الكبرى كما يحلم بها الأكراد

وأشارت تقارير صحفية عديدة مؤخرًا إلى تنامي الدور الصهيوني الاستخباري والاقتصادي في العراق عمومًا وفي كردستان العراق؛ خاصة فمن غير الخافي على أحد تعاون قوات البشمركة الكردية مع القوات الأنجلوأمريكية الغازية؛ وهذا ما يجعل عناصر هذه القوات الكردية تقوم بحماية قواعد عسكرية أمريكية صهيونية في مدينة الموصل شمال العراق، وتدرب كثير من تلك العناصر الكردية في معسكر الفرقة 101 الأمريكية المحمولة جوًّا، والتي كان يترأسها سابقًا الجنرال ديفيد بترايوس القائد الأعلى للقوات الأمريكية في العراق، ومهمة هذه الفرقة هي التجسس على سوريا وتركيا المجاورتين للموصل وعزم بترايوس في العام 2005 على الزحف صوب الحدود السورية مع الموصل؛ بغية احتلال مدينة القامشلي السورية المجاورة للموصل لكن عملية قاعدة الغزلاني بالموصل التي فجر فيها شخص نفسه حين كان يقود شاحنة محملة بالمتفجرات داخل مطعم للجنود الأمريكيين وقتل فيها 200 جندي أمريكي أوقفت زحف الفرقة 101، والتي يقوم الموساد بمهمة جمع المعلومات السرية لها من داخل الأراضي السورية، كما أسس الموساد بنك القرض الكردي الذي يتخذ من مدينة السليمانية التابعة لكردستان العراق مقرًّا له، ومهمة البنك المذكور السرية وتقتصر على شراء أراضٍ شاسعة زراعية ونفطية وسكنية تابعة للموصل وكركوك، بهدف تهجير أهلها واستبدالهم بالأكراد.

 

وبعد احتلال بغداد عام 2003 تشكل جيش صهيوني كردي مشترك للحفاظ على استقلال إقليم كردستان مقابل منح الشركات الصهيونية عبر القادة الأكراد في حكومتي بغداد وأربيل امتيازات استغلال الثروات النفطية والمعدنية في الموصل وكركوك وكردستان.

 

وترجع العلاقة بين الصهاينة والأكراد إلى العام 1931م قبل إنشاء الكيان الصهيوني؛ حيث كان للوكالة اليهودية مندوب في بغداد تحت غطاء العمل الصحفي وهو روفين شيلوا، وقد غاص بجبال شمال العراق وطور صلاته مع بعض الأكراد في العراق وخلال عقد الستينيات درب خبراء عسكريون من الكيان الصهيوني المقاتلين الأكراد التابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مصطفى البارزاني ونائبه أفرايم وهو يهودي عراقي، وذلك كوسيلة للحد من التهديد العسكري العراقي المحتمل للكيان الصهيوني.

 

وما هذا إلا القليل عن حقيقة العلاقة التي تربط بين الأكراد والكيان الصهيوني، والذي استغل قضية الأكراد الاستغلال الأمثل لتوجيه الضربات لأعدائه في 4 دول كبرى في المنطقة، وهي العراق وإيران وتركيا وسوريا، وأن يلعب بهذه الدول عن طريق القضية الكردية بشكل بهلواني لافت وعساه وجد في أصدقائه الأكراد شمالي العراق المنفذ الأكثر اتساعًا لتحقيق أي ضغط على تركيا الآخذة في الصعود كقوة إقليمية ودولية وكقوة مهددة للكيان الصهيوني.. فهل تربح ورقة الأكراد الصهيونية في التعامل مع تركيا العدالة والتنمية كما ربحت مع العراق أم أن الواقع يثبت العكس؟.. هذا ما ستكشف عنه قوة احتمال الخيوط الضعيفة التي تربط بين أنقرة والكيان الصهيوني عبر البحر المتوسط، كما ستكشف عنه زيف أو حقيقة وجود نظام عالمي متعدد الأقطاب في طريقه للتشكل، وزيف أو حقيقة بداية الانهيار الغربي من أفغانستان وحتى قطاع غزة.