بعد سنوات من التغلغل الصهيوني في إفريقيا، وبناء عدد لا يُستهان به من السدود فوق مجرى النيل في دول المنبع، والتخطيط لبناء عدد آخر، وبعد توقيع 5 من دول المنبع اتفاقية إطارية في "عنتيبي" تلغي الاتفاقيتين الموقعتين 1929م و1959م؛ لتعيد تقسيم مياه النهر من جديد، وتتجاهل مصر عند إقامة أي مشاريع على النهر من شأنها أن تؤثر على حصتها من المياه.. إلخ؛ ينتهي المشهد بنهاية سعيدة تمامًا كالأفلام المصرية القديمة، فهكذا يحب المصريون أن يختتموا أفلامهم الطويلة؛ ليخرج علينا وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط منتصرًا بعدما أعلن نجاح محادثاته التي أجراها ووزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا مع المسئولين الإثيوبيين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء "مليس زيناوي"، ووصفها بأنها كانت مفيدة للغاية.
مصر والجبهة الإثيوبية
أكد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصرية وجود توافق حول أهمية البناء على القواسم والمصالح المشتركة التي تربط بين دول الحوض كافة، وخصوصًا دول حوض النيل الشرقي مصر والسودان وإثيوبيا، وأشار إلى أهمية التركيز على مشاريع التنمية لمصلحة شعوب دول الحوض، ومن دون الإضرار بأي منها خصوصًا في ظل تأكيد الجانب الإثيوبي أن سريان مياه النيل لمصر هو حق طبيعي، وأن الأهداف الإثيوبية في استخدام مياه النهر تركِّز على مشاريع توليد الكهرباء، والتي ستعود بالفائدة على دول الحوض كافة، ولا تؤثر في سريان مياه النهر إذا ما تمَّ تنفيذها في إطار خطة للتعاون المشترك بين دول حوض النيل الشرقي.
وقال أبو الغيط: إن النقاش وضع الكثير من النقاط فوق الحروف، وحقَّق لكل طرف المزيد من الفهم لرؤية الطرف الآخر ومنطلقاته، مشيرًا إلى أن الموضوع سيستغرق وقتًا وسنستمر في هذا النقاش، وبناء أرضية مشتركة؛ لكن هذا لا يمنع على الإطلاق أن العلاقات الثنائية المصرية الإثيوبية ستمضي في طريقها، وتابع سنمضي في تعزيز هذه العلاقات في أبعادها كافة، وخصوصًا الموضوع الاقتصادي والتجارة.
كما أكد أبو الغيط أن الزيارة عكست عن وجود تقارب في وجهات النظر بين البلدين فيما يتعلق بمختلف قضايا المنطقة، وخصوصًا مستجدات الشأن السوداني وأهمية مساعدة حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية على تقريب وجهات النظر فيما يتعلق بالمسائل العالقة بينهما، علاوة على تطورات الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي، وسبل تحقيق السلام والاستقرار فيها.
أحمد أبو الغيط

وهكذا أعلن أبو الغيط نهاية أزمة مياه النيل.. ولكن هل انتهت بالفعل الأزمة، الواقع أن هذا ما يريد النظام المصري إيصاله إلى الرأي العام في مصر، خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ينظر لها البعض على أنها المحدد الرئيسي لما سيكون عليه المشهد المصري لسنوات، وربما لعقود قادمة، وهكذا كان النظام الحاكم في مصر؛ حيث يستخدم أفضل الألاعيب البهلوانية السياسية والدبلوماسية والإعلامية؛ لإبراز نجاحات زائفة وإخفاء الإخفاقات التي لا تُعدُّ ولا تُحصى على كافة الأصعدة، وبأي ثمن؛ فمن سمح بتجاوزات الكيان الصهيوني على الأرض المصرية في رفح وغيرها مقابل الاحتفاظ بسلطة مستقرة، يسمح كذلك ببعض التجاوزات على مياه النيل في دول المنبع؛ لحصد بعض المكاسب السياسية الداخلية في ظل الإفلاس السياسي والتخمة الأمنية التي يعاني منها النظام الحاكم.
ليس علينا أن نسأل السيد الوزير أو أعضاء الحكومة الموقَّرة عن ما قاله "ميلس زيناوي" رئيس الوزراء الإثيوبي عن "الحل الذي يرضي جميع الأطراف"، والذي لم يحدد ملامحه، بل علينا أن نسأل عما تحقق على أرض الواقع، أو ما تمَّ الاتفاق عليه ليتم تحقيقه على أرض الواقع، قال "زيناوي" إن هناك حلاًّ واحدًا فقط لمشكة نهر النيل، وهو الحل الذي يرضي جميع الأطراف ويراعي مصالحهم دون تمييز، فإذا كان هناك أي طرف خاسر فلا يمكن أن نصل إلى حل، موضحًا أن كل ما نحتاجه هو زيادة كفاءة الري بنسبة 10%، وهذا سيكون كافيًا جدًّا، فهل هذه النسبة من الزيادة غير مؤثرة تمامًا على حصة مصر من المياه؟!.
وقال "زيناوي": إن التوقيع على الاتفاقية الإطارية بين دول المنبع لها أكثر من مغزى، فهي في المقام الأول بمثابة إعلان لدول المنبع في التوصل إلى حل يرضي "مصالح جميع الأطراف"، كما أنها تعني أيضًا "عدم رضاء هذه الدول بالوضع الراهن" وباتفاقيتي 1929م و1959م أي أنه يؤكد تمسكه بنفس الموقف، ولكن هذه المرة بلهجة أقل حدة.
![]() |
|
ميلس زيناوي |
إذاً فما يبدو أنه انتصار مصري ليس سوى كلام لا يعبر عن الواقع الذي يؤكد استمرار إثيوبيا في استكمال مشاريعها على مجرى النهر، ورسوخ قواعد سدودها في وجه مياه النيل، وهذا ما عكسته تصريحات المتحدث باسم الخارجية المصرية "حسام زكي" عندما قال: إن "الأمر لا يعتبر خرقًا للموقف الإثيوبي، فليس من المطروح أن تتراجع دولة ما عن توقيعها على أي وثيقة، وإنما وجهة نظرنا تطرح كيفية التعاطي سويًّا مع الوضع الراهن وفق الأفكار والأطروحات بين الدول؛ لإيجاد سبيل للخروج من الطريق المسدود الحالي مضيفًا أن الوضع تكثيف الحوار والعمل الدءوب للتوصل لنقطة تلاقي- بالنسبة للأمور العالقة- ترضي كل الأطراف"، وهو ما يعني بقاء الحال على ما هو عليه إلى حين ميسرة.
ويبدو أن هذه الميسرة لن تأتي في ظل تعقد الظروف المحلية والإقليمية، فبغض النظر عن السطوة الأمنية التي يتمتع بها النظام الحالي، فإن الوضع الإقليمي يزداد سوءًا مع بدء العد التنازلي لإعلان نهاية الدولة السودانية الحالية مع استفتاء الجنوب المقرر بعد 6 أشهر، والذي سينتج عنه دولة في جنوب السودان تنزع عن الدولة السودانية الكثير من مواصفاتها الجيوسياسية الحالية.
مصر والسودان.. شد وجذب
في الغالب لا تعي النظم السياسية العربية الأخطار الحقيقية التي تهدد بلادها، ولا تلتفت إلى الأخطار الأجنبية بقدر ما تركِّز اهتماماتها على الخلافات البينية، وهذا في الواقع ليس إلا نتيجة لعجزها أو هروبها من مواجهة التهديدات الأجنبية، ومن المعتاد أن تتحد الشعوب والأنظمة السياسية في مواجهة نفس الخطر، ونخص هنا خطر تحركات دول منبع النيل على كلٍّ من مصر والسودان على حدٍّ سواء، وبرغم هذا تنجر العلاقات بين البلدين إلى تصعيد غير مبرر، فتخرج تصريحات من القاهرة تتحدث عن اعتراف مصري فوري بدولة جنوب السودان فور إعلانها؛ مما يغضب الخرطوم بالطبع، وهذا الموقف المصري يأتي نتيجةً للمخاوف المصرية من هذه الدولة الجديدة، التي ستصبح شوكة في جنب العالم العربي، وظهيرًا للكيان الصهيوني، والحقيقة أن هذه الدولة ما كانت لتقوم أو يتم الحديث عن إعلانها والاعتراف بها لولا الإهمال المصري الفظيع لإفريقيا بوجه عام والسودان على وجه الخصوص.
ويتفاقم خطر انفصال الجنوب عن السودان في ظل أزمة مياه النيل الحالية مع دول المنبع، وتأتي تصريحات القاهرة بل ومعوناتها ومساعداتها لجوبا في إطار سياسة المهادنة الجديدة التي يتبعها النظام المصري مع الأزمة؛ لتنويمها ولو بصفة مؤقتة، ولكن ليس هذا كل شيء، فلقد استقبلت القاهرة في مايو الماضي زعيم حركة العدالة والمساواة الدارفورية "خليل إبراهيم" الذي تطالب الخرطوم تسليمه إليها لمحاكمته؛ حيث ترفض حركته جهود الوساطة القطرية لحل الأزمة، ويذكر أن خليل إبراهيم لجأ إلى ليبيا بعد طرده من تشاد جرَّاء ضغوط سودانية، وهو ما يثير غضب الخرطوم على ليبيا، كما هو على مصر.
في المقابل وضعت السودان القاهرة التي اتخذت قرار المهادنة في موقف محرج عندما اتخذت قرارًا بتجميد عضويتها في مبادرة حوض النيل بعد رفض الخمس دول الموقعة على اتفاقية "عنتيبي" الإطارية التراجع عن الاتفاقية، وتتابعت التصريحات السودانية بداية من وزير الخارجية "علي كرتي" الذي وصف الدور المصري في السودان بأنه متواضع تجاه قضايا مهمة تؤثر في العمق الإستراتيجي لها، وإعلانه عن شكوى السودان من ضعف معلومات مصر عن الحياة السياسية السودانية، وتعقيداتها وليس نهاية بتصريحات البشير التي أثار فيها مشكلة حلايب من جديد، والتي تطفو على سطح العلاقات المصرية السودانية عند كل مشكلة تواجه العلاقات بين البلدين الشقيقين، وهكذا نسي كلٌّ من النظامين المصري والسوداني الخطر الإثيوبي وتهديدات دول؛ ليركزا على مشاكليهما الثانوية.
والواقع الآن هو ما يتبلور في الجنوب؛ حيث ترسي قواعد سدود إثيوبيا قواعد اللعبة السياسية في إفريقيا على ضفتي النيل، من المنبع إلى المصب، كما يتبلور كيان جديد في جنوب السودان، له استقلاليته وقدرته على الفعل واتخاذ القرارات داخليًّا وخارجيًّا، بغض النظر عن أي سياسة للخرطوم المثيرة أو سياسة القاهرة التنويمية.
