- أمريكا وروسيا تسعيان لحماية قواعدهما العسكرية على جثث المسلمين!
- عصابات مسلحة تقوم بمحاولة تصفية الصحوة الإسلامية بتمويل غربي
- خطة متكاملة لتفجير الأوضاع؛ لتهيئة الأجواء لتدخل دولي
- سيناريو متكامل للسيطرة على آسيا الوسطى، والتطرف كلمة السر
بقلم: رضا عبد الودود
ليست سوى ضحية جديدة للصراع المحتدم بين روسيا وأمريكا على تقاسم مناطق النفوذ، والذي يجري في ظلِّه اليوم محاولة ضرب الصحوة الإسلامية، في ذلك البلد الذي يُشَكِّل المسلمون أغلبية سكانه (80%).. إنها قرغيزستان مأساة المسلمين الجديدة.
الأرقام تؤكد أن الاضطرابات التي انطلقت منذ أبريل الماضي أسفرت عن وقوع أكثر من 2000 قتيل حتى الآن، في حين أعلنت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أن ربع مليون شخص فَرُّوا من منازلهم في جنوب البلاد بسبب المواجهات العرقية بين الأوزبك والقرغيز.
قرغيزستان جمهورية من الجمهوريات السوفيتية السابقة، تقع في الجزء الشرقي من آسيا الوسطى، وتشترك حدودها الشرقية مع إقليم تركستان الشرقية (المحتل صينيًّا) وتحدها من الشمال كازاخستان، ومن الغرب جمهورية أوزبكستان، ومن الجنوب الغربي طاجكستان.
ويبلغ عدد سكانها 6 ملايين (80% منهم مسلمون أحناف، 18% يتبعون الكنيسة الأرثوذكسية الروسية و2% أتباع ديانات أخرى)، ومن الناحية العرقية فإن 57% منهم قرغيز، 5.5% منهم أوزبك (أكثرهم في الجنوب)، و9% منهم روسيون (أكثرهم في الشمال)، إلى جانب أقلية من التتار, ويعد الشمال الأغنى مقارنةً بالجنوب, وقد تناقص عدد المسلمين نتيجة تهجير القرغيز إلى سيبيريا، وبسبب المجاعات والاضطهاد الذي تعرضوا له قبل الحرب العالمية الثانية.
وكان السوفيت قد حكموا البلاد منذ عام 1918م، وفي عام 1926م أصبحت تُعْرَف باسم الجمهورية القرغيزية الفدرالية الاشتراكية، وفي 5 ديسمبر 1936م صارت تُعرف بالجمهورية القرغيزية الاشتراكية السوفييتية، واستقلت عن الاتحاد السوفييتي في أواخر عام1991م.
وكان عسكر آكاييف قد فاز في الانتخابات الرئاسية أكتوبر عام 1990م وظلَّ في السلطة حتى 2005م، حين هرب إلى روسيا بعد معارضات وصراعات كبيرة في العاصمة، وخلفه الرئيس كرمان بك باكييف.
ولم يستقر الوضع طويلاً ففي أبريل 2010م ساد العصيان المدني مدن قرغيزستان؛ بسبب الاستياء الشعبي الواسع من باكييف؛ وقام المتظاهرون بالانقلاب على الحكومة القرغيزية في مدينة تالاسيوم بعد أن سيطرت الشرطة على العاصمة (بشكيك)، وقد خلف هذا الانقلاب 74 قتيلاً علاوة على 500 مصاب.
وعرض باكييف على المعارضة التي أطاحت به أن يُقدِّم استقالته مقابل ضمان سلامته وسلامة أقاربه، غير أن رئيسة الحكومة المؤقتة (روزا أوتونباييفا)-التي تولت الحكم مؤقتًا في 7-6-2010م قالت إنه: "يجب أن يحاكم للاشتباه في دوره بقتل عشرات من المتظاهرين"، لكنه تمكن في النهاية من الخروج من مدينة (أوش) إلى كازخستان المجاورة بعد وساطات قام بها رؤساء كل من أمريكا وروسيا وكازخستان.
خيوط اللعبة
يقول الخبير القيرغيزي عبد الحق الانديجاني في تحليله لوقائع الداخل القيرغيزي بموقع (أوزبكستان المسلمة): المسلمون في قرغيزستان كانوا يتمتعون بنوع من الحرية منذ سقوط الاحتلال السوفييتي في عام 1991م إلى حين إسقاط رئيسها الأول "عسكر أكاييف" في عام 2005م، ومنذ تولي الانقلابي "كرمان بيك باكييف" الحكم بمساعدة قوى خارجية سارع لتثبيت سلطته الدكتاتورية، وبدأ ينفذ الاغتيالات السرية والعلنية والاعتقالات الجماعية لمعارضيه، بالإضافة إلى تأجيج الأحقاد القومية بين القرغيز والأوزبك، ولكن يبدو أن الدكتاتور السابق "كرمان بيك باكييف" ارتكب خطأين سياسيين جسيمين تسببا في سقوطه السريع:
الأول: استعجاله الشديد للقضاء على خصومه ومعارضيه السياسيين؛ لخضوعه لضغوط عائلته "آل باكييف" الذين شكَّلوا عصابة مسلحة قوية في جنوب قرغيزستان منذ سنين طويلة للسيطرة على قرغيزستان.
الثاني: محاولته خداع روسيا وأمريكا وغيرهما من الدول الكبرى في آن واحد؛ ما جعله يفقد الدعم الخارجي تمامًا في محاربة معارضيه في الداخل.
وكانت المهمة التي طلبتها القوى الخارجية من "باكييف" واضحة وتتلخص في أمرين فقط:
1- قمع الصحوة الإسلامية التي تمتعت بنوع من الحرية في عهد "أكاييف" (1991-2005م).
2- تأجيج الأحقاد القبلية أو العرقية بين القوميات التي تسكن قرغيزستان، ولا سيما بين أكبر قوميتين فيها: القرغيز والأوزبك.
وقد قام باكييف بمساعدة إخوانه وأقربائه الذين يديرون العصابات المسلحة من تنفيذ هاتين المهمتين بكفاءة عالية.
إلا أنه وعصابته المتسلطة تمرَّدوا على أسيادهم الذين أوصلوهم إلى الحكم، فلم يعودوا يطيعونهم في كل شيء، فهم أضافوا إلى المهمتين السابقتين أشياء أخرى أهمها: القضاء على مختلف أنواع المعارضة، وكذلك محاولة خداع الدول الكبرى؛ ما جعل الدولتين تنزعان أيديهما من باكييف وتمدانها إلى معارضيه الآخرين، وعلى رأسهم "روزا أوتونباييفا" التي أوصلوها الآن إلى الحكم.
السيناريو الأسود
وبلا احترام لحقوق الإنسان يسير المخطط المُدبر لآسيا الوسطى بخطوات متسارعة في قرغيزستان، فبعد تأجيج الخلافات والصراعات العرقية باستخدام العصابات المسلحة، قاموا بتوزيع الأسلحة المختلفة ليقتلوا الأوزبكيين العزّل في داخل أحيائهم، ويحرقوا بيوتهم في مدينتي أوش وجلال آباد، وفي قُرى "بازار قورغان" و"ناريمان" وغيرها في جنوب قرغيزستان، ويعود السر في اختيار الجنوب وإقليم "وادي فرغانه" بالذات لزجه في الاضطرابات الدموية لكونه "معقل الإسلاميين التي يصفهم الغرب بالأصوليين المتطرفين في آسيا الوسطى.
الخطوة التالية هي الإعداد لإرسال قوات أمنية دولية بعدد محدود وقليل وبدون أسلحة ثقيلة، وهذه خطوة رسمية مُعلنة (عشرات من الشرطة الأوروبية يُرْسَلون بالفعل إلى قرغيزستان هذه الأيام) بدعوى حفظ السلام بين الأوزبك والقرغيز.
وأما الخطوة السرّية غير الرسمية فهي السماح بدخول مجموعات صغيرة من الشباب المسلّح إلى هذه المنطقة المضطربة؛ ليقوموا بقتل بعض الجنود والشرطة من قوات حفظ السلام المحلية والدولية، وتفجير بعض الأماكن بدعوى الجهاد.
ومن جهة أخرى القيام بتأجيج بعض الأوزبكيين الغاضبين الذين ذاقوا القتل والتهجير بل وتسليحهم؛ ليقوموا بعمليات انتقامية ضد القرغيز ثم يأتي التدخل الدولي السافر بدعوى حماية الشعب، والأرجح حماية القواعد الأمريكية والروسية والقضاء على الإسلاميين-المتطرفين- وفق النغمة الدولية.
ولعل ما يؤكد جدية هذا السيناريو الأسود؛ تصريحات رئيس (الاستخبارات القرغيزية) "كينيشبيك دوشيبايف" بأن "القلاقل والاضطرابات التي نشبت في الجنوب تقف وراءها الحركات الجهادية، وأن حركة أوزبكستان الإسلامية وحركة اتحاد الجهاد الإسلامي أرسلتا مقاتليهما من أفغانستان لتنفيذ هذه الهجمات الدموية، وأنهما يستعدان الآن لموجة جديدة من الهجمات"!.
هذه المزاعم المثيرة أعلنها رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (الاستخبارات الروسية) "ألكسندر بورتنيكوف" أيضًا وبالتزامن مع إعلان المسئول القرغيزي، وقد سبقهما المبعوث الأمريكي للمنطقة "ريتشارد هولبروك" العام الماضي حين زعم بأن تهديدات تنظيم القاعدة والحركات الإسلامية وأنشطة تلك الجماعات لا تقتصر على أفغانستان وباكستان فحسب، بل ستتسع لتشمل دول آسيا الوسطى.. وعلى نفس المنظومة حذَّر الرئيسان الروسي والكازاخي في مناسبات عدة من اتساع رقعة الاضطرابات من قرغيزستان إلى دول آسيا الوسطى، وأن التطورات الجديدة في قرغيزستان قد تتسبب في وصول "المتشددين والإرهابيين" إلى السلطة.
الصراع الأمريكي الروسي
تداعيات أحداث العنف المتفجر في قرغيزستان تشير إلى أن الاستقرار السياسي ما زال بعيدًا عن شعوب تلك المنطقة في ضوء حرب النفوذ العالمية حول القواعد الإستراتيجية في جميع أنحاء العالم؛ حيث بدأت روسيا في الألفية الجديدة بالسعي إلى استعادة نفوذها مُجددًا، وهو ما كان له تجلياته في عكس اتجاه الثورات الملونة، التي دعمتها واشنطن والغرب- والتي تشهدها بلدان وسط وغرب آسيا.
واليوم بدأ النفوذ الروسي يتصاعد من جديد، ودخل الطرفان فيما يمكن تسميته بـ "حرب القواعد"، وأصبحت مناطق وسط آسيا والقوقاز والبلطيق بمثابة نقاط تماس هامة وحيوية في حرب النفوذ الدائرة رحاها الآن بين الولايات المتحدة وروسيا، وقد تلاحقت الأحداث مؤخرًا في وسط آسيا بانهيار الثورات الملونة وبانعكاس تيارها ومدها، ليصب في مصلحة موسكو في كثير من الأحيان.
وتعد قيرغزستان وأوكرانيا آخر حلقات الصراع الأمريكي - الروسي، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودخول العالم في حقبة القطبية الأحادية، تمكنت الولايات المتحدة من تقليم أظافر الدب الروسي؛ حيث استطاعت واشنطن أن تتدخل في البلقان ضد صربيا الأرثوذكسية حليفة موسكو، وفي شرق أوروبا انفرط عقد النفوذ الروسي، وبدأت دول المنطقة المختلفة مثل بولندا والمجر ورومانيا وبلغاريا والتشيك علاوة على دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، تسعى إلى دخول الاتحاد الأوروبي.
وظلت أمريكا تتقدم في ميراث الاتحاد السوفيتي السابق؛ حيث استطاعت أن تُنشئ لها عدة قواعد عسكرية في دوله، وأعقب ذلك عدة ثورات على أنظمة موالية لروسيا فيما عُرف بالثورات الناعمة سواء كانت برتقالية أو مخملية أو وردية، واستطاعت الولايات المتحدة في النهاية أن تحيط بموسكو من جميع أقطارها، وبدأت بعد ذلك في تضييق الخناق على الدب الروسي الذي حاصرته المشكلات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لتضع الولايات المتحدة مواطئ قدم لها على معظم حدوده، حتى جاء الخطأ الأمريكي الإستراتيجي الذي استفادت منه روسيا بشدة، ألا وهو حربا العراق وأفغانستان؛ حيث بدأت موسكو استعادة زمام المبادرة والتوسع مجددًا في المنطقة، ولعل أحداث قيرغيزستان بمثابة التحول الحادث في ميزان الصراع الإستراتيجي بين الغريمين.
خريطة القواعد
يُذكر أن الوجود الأمريكي بوسط آسيا يتركز أساسًا في قاعدة "ماناس" الجوية في قيرغيزستان، وتقع تلك القاعدة شمال العاصمة بشكيك؛ حيث تضم أكثر من ألف جندي أمريكي، وتدعم قاعدة ماناس الجوية الأمريكية الجهود القتالية لأمريكا والناتو في أفغانستان، وتدفع واشنطن 60 مليون دولار كإيجار لها للقاعدة وقُرابة ثلاثة أضعاف ذلك المبلغ على شكل رسوم ووقود لطائراتها، وأصبحت تلك القاعدة ذات أهمية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة في أعقاب قيام أوزبكستان بإغلاق قاعدة أمريكية بها عام 2005م؛ حيث اضطر حلف شمال الأطلسي إلى نقل عملياته المتعلقة بإعادة التزود بالوقود، ونقل القوات والأسلحة والمعدات إلى قاعدة باجرام الجوية في أفغانستان.
وتوجد لروسيا قاعدتان في كارا بالطا بالقرب من العاصمة بشكيك، وثالثة في كاراكول في شرق البلاد.. ومن ثم فإن مستقبل قيرغيزستان سيبقى مرهونًا بصراعات النفوذ الأمريكية الروسية, وللأسف تبقى الشعوب المسلمة في تلك المنطقة هي الخاسر الأكبر من جرَّاء استبداد حكوماتها المسكوت عنه عالميًّا، ما وسع دائرة الفساد المحلي، وقضم الحريات الدينية والاجتماعية من قبيل: إغلاق المساجد، وتسريح 45 ألفًا من الأئمة والمؤذنين، وحظر الحجاب بالمدارس، ومنع صلاة الجمعة، وتحريم استخدام الحروف العربية في كتابة اللغة التركية، وقطع الصلات بين القيرغيزيين والشعوب الإسلامية المجاورة.