ما أن تنتهي حلقات مأساوية في المشهد الصومالي الذي تتخبط فيه الحكومة الصومالية إلا وتتجدد في الأفق أزمة استباقية خطيرة أشد ضراوة من سابقتها وهزة في الرأي العام المحلي، فالحكومة الصومالية كانت تعاني في الأمس القريب من تخوفات أمنية تلاحق أجهزتها الإدارية، فضلاً عن فشل جنودها في الصمود في الجبهات القتالية أمام المعارضة المسلحة بأسلحة خفيفة وثقيلة، أما اليوم فتعاني من اختراق أمني خطير شلّ كافة الأجهزة الإدارية وألقى اللوم على كاهل الحكومة الصومالية التي لم تستطع أن توفر لنوابها وأعضائها الحماية الكافية لصد أي عدوان خطير يلاحقهم وخاصة في المناطق التي تسيطر عليها.

 

وعلى الرغم من كل المناشدات والدعوات المطالبة بوقف القتال والعنف خلال رمضان المبارك، إلا أن حركة الشباب المجاهدين غيرت الدعوة عكس ذلك، وطالبت بتكثيف القتال خلال هذا الشهر الفضيل، واستغلالاً لذلك أطلقت حركة الشباب حملة باسم "نهاية المعتدين" ضد من تعتقد أنهم خارجون على القانون والشريعة الإسلامية، في إشارة إلى القيادة العليا للحكومة الصومالية المحاصرة بأسوار القصر الرئاسي.

 

وفي عملية تبدو أنها هي الأولى من نوعها والأنكى للحكومة الصومالية اقتحمت عناصر من شباب المجاهدين فندقًا قرب القصر الرئاسي والذي لا يبعد عنه سوى نصف كيلو متر، وقتلت 31 صوماليًّا من بينهم 6 من نواب البرلمان الصومالي، إضافة إلى 5 جنود صوماليين، ما أثار هزة قوية داخل ترويكا الحكومة الصومالية التي لزمت الصمت أمام المعارضة المسلحة التي أشهرت الحرب في وجهها منذ تشكيلها في مطلع عام 2009.

 

وبما أن الحال يبدو كذلك، فإن الحكومة الصومالية تمر هذه الأيام بمرحلة صعبة؛ حيث لا مناطق تسيطر عليها اللهم إلا 4 كيلو مترات مجاورة للقصر الرئاسي فضلاً عن أنها عاجزة عن توفير الرواتب لقواتها المسلحة لقلب موازين الحرب ضد المعارضة، كما أن أزمة البرلمان الصومالي لا تزال تسود في أروقة البرلمان؛ حيث لا ينتهي جدل، إلا ويظهر جدل آخر حول قضية مثارة للجدل والمشاحنات، والتي يعتبرها العديد بمجرد أنها ضياع في الوقت والوطن.

 

ومن المفارقات أن المعارضة الصومالية وخاصة شباب المجاهدين يزداد نفوذها يومًا بعد الآخر، في ظل فقدان الحكومة الصومالية حينًا بعد حين مناطق جديدة وإستراتيجية في يد حركة الشباب المجاهدين، مقتصرة فقط على إطلاق تهديدات وتصريحات نارية عبر الإعلام المحلي والتي لا تغير الواقع المأساوي في مقديشو من سيئٍ إلى أحسن منه ناهيك عن كل ذلك فإنها تفتقر إلى لباقة إدارية وحنكة سياسية لوضع حدٍّ للعنف الجارف في الصومال، أيًّا كان الخيار حربًا أم سلامًا، بيد أن هذين الخيارين بالنسبة للحكومة الصومالية بات معدومًا أو عصيًا على المنال.

 

وفي الضوء نفسه فإن الخيارات للحكومة الحالية لم تكن عديدة، بل هي أقل حظًّا من خيارات الحكومة الصومالية التي يقودها عبد الله يوسف أحمد التي كانت تتمتع بقوة في ميادين القتال وسياسة في المحافل الدولية رغم أنها وصلت إلى مربع العنف في الصومال (مقديشو) على ظهر دبابات إثيوبية ساعدت على تدميرها الشارع الصومالي.

 

 الصورة غير متاحة

 مجموعة من عناصر شباب المجاهدين في مقديشو

فالخيارات لحكومة عمر عبد الرشيد أصبحت إما أن تكون حربًا جديدةً ضد المعارضة أو رفع الراية البيضاء أمام المعارضة، وإخلاء الساحة وحلبة الصراع لصالح المعارضة بالإضافة إلى مطالبتها دعمًا دوليًّا وإقليميًّا للنجاة من قبضة الشباب المجاهدين المنزوعة الرحمة عن قلبها وخصوصًا قادة الحكومة الصومالية.

 

فبينما يجري هذا المشهد المطحون على قدم وساق بين الحكومة الصومالية وحركة الشباب المدعومة من الحزب الإسلامي إلا أن هناك مشهدًا آخر أكثر حزنًا وقشعريرةً في الأبدان؛ حيث مقصلة العنف تدمي مقلة الصومال، وقذائف الشقيق والعدو تحصد المعاقين والنازحين والأطفال والأمهات والشيوخ على حد سواء، فلا رحمة لصغير ولا كبير إذا تجدد القتال في مقديشو.

 

ففي الأمس القريب قتل 40 مدنيًّا في مقديشو وأصيب 75 آخرون بجروح متفاوتة، غالبيتهم ممن يتسوقون في سوق (البكارة) أكبر سوق في الصومال، حيث طالت مدافع القوات الإفريقية السوق نفسه بشكل عشوائي، وأمطرت قذائف عدة على سوق الذهب، وانتشرت أشلاء أجساد الأبرياء هنا وهناك، وهرعت سيارات الإسعاف إلى السوق لتكملة بقية تلك القصة في نقل الجثث والجرحى المصابين بأمراض خطيرة إلى المستشفيات التي باتت عاجزة عن استقبال أعداد أخرى نظرًا لفقدانها الأسرة والمساعدات الطبية الأخرى لمعالجة المصابين الجدد الذين يتدفقون في المستشفيات من كل حدب وصوب.

 

 تلك المأساة الخطيرة بعينها لا يبالي أحد بهزتها في نفوس الصوماليين من الأطراف المتصارعة، ولا أحد يتعاطف معها، وكان أطراف القتال يبحثون عن نصر عسكري غير هذا فوق جماجم الأبرياء الذين يموتون بدم بارد بشكل يومي.

 

فمن الواضح أن التقارير التي تصدرها الهيئات الدولية حول تفاقم الأزمة في البلاد لا تزال تبعث في النفوس الخوف والريبة في آن واحد، كما أن كل الدعوات المطالبة لحلحلة الأزمة فوق مائدة المفاوضات من قبل المجتمع الدولي لم تحظ بأي قبول، وكأن أطراف القتال مشتاقة إلى مزيد من العنف والعنف المضاد فيما بينهم الذي ليس له غالب ولا مغلوب سوى زهق أرواح الصوماليين وتشريد مئات من المدنيين إلى منازلهم ليعيشوا تحت الأشجار ويستظلوا تحت الخيمات التي لا تقيهم الحر في الصيف اللاهب والبرد في الشتاء القارس.